الرئيسية / الأعداد / الخطاب الأدبي: من التمثيل الدرامي إلى البعد المعرفي في  ضوء نظرية الأدب – عبد الغفور روبيل

الخطاب الأدبي: من التمثيل الدرامي إلى البعد المعرفي في  ضوء نظرية الأدب – عبد الغفور روبيل

الخطاب الأدبي: من التمثيل الدرامي إلى البعد المعرفي في  ضوء نظرية الأدب

عبد الغفور روبيل

 

 

لقد نظر النقاد الكلاسيكيون إلى الأدب باعتباره مجرد محاكاة للواقع، سواء في صورته الأصلية أو المشوّهة. غير أن بروز علم الجمال الفلسفي في القرن التاسع عشر غيّر من هذا التقبل، إذ لم يعد الأدب يُختزل في التمثيل، بل أصبح مندرجًا في المجال المفهومي، متمتعًا بخصوصية معرفية وبنية خطابية تميّزه ضمن الأنساق الفلسفية والنقدية، التي أولت اهتمامًا متزايدًا بالحقل الأدبي. وقد أدى هذا التحول إلى أن يصبح الأدب تجليًا للحقيقة، وتمثيلًا لواقع فعلي مغاير، ما جعله ينفتح على أسئلة الإنسان والعالم المعيش.

ولابد من الإشارة أولًا إلى أن الأدب والنظرية يمثلان خطابين متباينين؛ فخطاب النظرية هو خطاب معرفي يتحدد من خلال إطار مرجعي، يهدف إلى حل المعضلات، وتحقيق إنجازات تنظيمية ومفهومية، للتمكن من التمثل والفهم، في حين نجد أن الخطاب الأدبي هو خطاب درامي يتميز عن الخطاب المعرفي بفضل إقصائه للأطر المرجعية المألوفة، والحدود الفاصلة القائمة، إلى جانب إقصائه للعالم الذي يجد فيه تمثيلًا له، بحكم أن كل هذا متجاوز بواسطة اللغة والخطاب الدرامي، من خلال التعبير عن الواقع ونقده بأشكال متعددة، تصل إلى درجة السخرية والرمز والتهكم على ما هو متعارف عليه بين عامة الناس.

وفي ظل وضع الأدب ما هو مألوف بين قوسين، فإن نظرية الأدب تصبو إلى ترجمة ما تركه الخطاب الدرامي من أثر إلى خطاب معرفي؛ أي أن النظرية تحاول فهم الأدب من خلال اعتباره علبة سوداء تتضمن داخلها أبعادًا معرفية وجمالية ووظائف لا يمكن اختزالها في ركن معين. وبالتالي، إذا كان الأدب موضوعًا للمعرفة (النظرية)، فإننا سنفهمه في المقام الأول باعتباره لغة تتحول في كثير من الأحيان إلى أداة يتم توظيفها للتعبير عن واقع يُعاش، أو إمكانيات وتطلعات تخالف الواقع أو تسمو به إلى ما هو أفضل، وهو ما يُطلق عليه بـ “الواقع الممكن”.

فاللغة، بوصفها بنية معرفية تقوم على ثنائية الدال والمدلول، تحيل على موضوع أو مرجع تستمد منه مواردها، وهو ما يُطلق عليه بـ “النص المرجعي”، لذا يعمل الاستعمال الأدبي للغة على فتح المجال أمام التنوع الدلالي، الذي يلازم الكلمات في استعمالاتها المقامية المختلفة، لينتقل بعد ذلك إلى حوار يدرج دومًا أصواتًا أخرى في لعبة الملفوظ والمرايا المتعددة بواسطة التأويل، ليتحول العالم الذي يحتوينا إلى نص قابل للقراءة من جهة، وموضوع للإدراك من جهة ثانية.

وتُعد الخاصية الخيالية للأدب بديلًا لما يمرّره النص من وقائع مرجعية، تمكِّن الأدب – من خلال اعتباره تشخيصًا للعالم – من أسس الوصف والتأويل. لهذا تأخذ النظرية على عاتقها مهمة ترجمة ما يبوح به الأدب أو يرمز له، من خلال تفكيك بنيته وفهم لغته، ما دامت الكلمة تحمل بين طياتها نصًا متعدد المراجع، واللامحدودية في المعنى. أي أن الأدب لا يُمثل، في مقامه الأول، صورةً للواقع بقدر ما يُنتج ضده وإمكانيات تجاوزه؛ بمعنى أن الأدب هو تأويل لمن كان على الدوام ومعترفًا به، وتُؤهله هذه الصفة ليكون نموذجًا مركزيًا لسلوكنا في العالم؛ لأن فعل التأويل هو شكل آخر من سلوكنا في العالم الذي نخفيه ويحاول الأدب إظهاره، وهو سلوك يتخذ صورة محددة في الأدب، ما دام هذا الأخير يشكل حالات متجددة عن وقائع الحياة، وردود أفعال تجاه العالم.

وبالتالي، فإن ما تجنيه النظرية في الأدب يتجلّى في ممارستها العامة، بحكم أنها تنقل الخطاب الدرامي إلى خطاب معرفي، وهو ما يُطلق عليه “قابلية الترجمة” عند كثير من النقاد، المرتبطة بفهمنا الذي يختلف حول ماهية الأدب ومفهومه؛ فتارة نفهم الأدب باعتباره تجسيدًا محسوسًا، وتارة أخرى بوصفه إحالة على شيء، وتارة بصفته تعبيرًا. كل هذا يدفع النظرية إلى محاولة فهم الأدب أو تأويله – إذا صحّ التعبير – وتقريب النص الأدبي إلى القارئ، أو إقحامه في السيرورة التأويلية التي تبدأ مع المؤلف، مرورًا بالنص، إلى أن تصل إلى المتلقي؛ هذا الأخير الذي أضحى سيد الثالوث النقدي المعاصر، والمساهم في عملية تجديد القراءة وتعددها، ما دام النص الأدبي مفتوحًا على القراءات المتعددة، وحاملًا للرسائل المختلفة حسب فهم القرّاء.

كما يُعد النص المرجعي وعاءً لنصوص غير محصورة العدد، في ظل اعتبار أن الكلمة الواحدة داخل النص يمكن أن تُشكل نصًا حاملًا لدلالات لا يمكن التنبؤ بجميع معانيها، أو فكّ شفراتها، مما يُفسّر تعدد المناهج والنظريات النقدية التي حاولت الإلمام بكل رموز وأبعاد النص المدروس. لذا تحاول النظرية الأدبية أن تُفكك النص موظفةً مختلف القراءات والتأويلات الممكنة، من أجل الوصول إلى أقصى نقطة من الفهم لنواة النص، الذي يُعبّر عن وجودنا الفعلي، وهويتنا الظاهرة والخفية منها.

 

باحث مغربي في مجال الأدب والنقد من المغرب

 

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

من اليابان إلى المغرب… مين ميكوز- لبنى منان: قراءة مقارنة – محمد بنفارس

هايجن قرات لهن / لهم محمد بنفارس*     تقديم بعد صدور أنطولوجيا هايكو العالم …

اترك تعليقاً