طائر رصاصي

جلال نسطاح*
في حديقة عمومية، لا تُحْدِقُ إلا بنفاية البلدة، التي من أزبال وكائنات شريدة، تجلسُ باستكانة نادرة، تجهلُ باعثها، وتستعجب من مائها الزلال الساري في النفس، فترنو إلى ظل كثيف، مثل رضيع مُشبع يناغي ملائكته..
الظل يدنو، يحوم، فتخضع بسربال مَصيد كسول يُغوي الطير بالجثوم، ثم يحط القناص على رأسكَ، فتتجمد، كالمسحور، لمخالب هشة، متوترة، حتى لا يسقط تاجها الذي لا تبصره، لكنك ترى جناحيه الكبيرين، فتصير كالمُبتهل فرصتَه ينشل سعادة من جيب العالم، ويفطن لعلاماته الخافية، وإن يكنْ في مزبلة أو منفى الملاعين..
الجناحان يظهران، يختفيان، مثل بيرق يشاغب ريحا ماكرة تهب باتجاهين معاكسين.. ألا تحلق…؟!أتحليقك عودة أم هروب؟ لا يهم يا صنوي! الأهم خلاصي من حديقة زائفة، ومن كائن شريد، ومن بلدة رتيبة تؤمن بمُخَلِّص عجائبي مُنتظر!
وشيئا فشيئا، يتحلَّب لسان جوفك، غب يبوسة، وأنت تطوف بحواسك، كأنك تطفو مستلقيا على مياه الحلم.. أيُّ ثرى آخر غير هذا الثرى؟! وهل في السماء ثرى خبيء؟! لا أعتقد، غير أني موقن أن الخلاص في البُعاد، وأن الطير لا يهاجر طيشا، ولا ينتظم في سرب عظيم عبثا..
من يجلس قبالتكَ تعرفه معرفة الأم لابنها العاق. كنت تتحاشاه بدُربة علَّمتها إياكَ دروب حياتك، حتى لا تتذوق سم الكلام. أما الآن، فتراه يتقطر حلاوة، من شَهْدِ أُنسٍ يهجس في صدرك، ولو عن بُعد كالقرب، فتشتهي محادثته، حتى تتذوق ترياق الكلام، وأنتَ تشد زمام النفس عند الإحساس برفيف التاج الخفيف خوفَ الجفول.. بأي سُقيا، أيها القناص، أرتوي في حضن الأزرق؟ أكيد، سأرتوي برضى وبيقين كما ترتوي في الأعالي..
أما الشجرة الذابلة التي تتظلل بها، وكنت غير مكترث لاسمها، ولا لسموقها، ولا لعراضة جذعها الجاف، ولا لموتها عقب عمارة قرون؛ فقد صارت الآن، بعد أن بُعثت عينُكَ من موت الدهشة، حيَّةً في ذبولها، لها حضن كالحصن المنيع من الشائه والجارح، فتسكن، حتى تسكن إليك مخالب التاج، التي تكاد لا ترتكز على موضع واحد، كأنها تتوجس نارا تحت رمادك.. لا أريد أن أكون طيرا أبيض، لأن للبياض تِيه القطيع، ولا أريد أن أكون طيرا أسود، لأن للسواد غيَّ العدم.. فأي طير سأكون؟ قبرة، حمام، هدهد، نورس، صقر.. طيور كثيرة تزهو بانتصارها على كبرياء الإنسان في الذاكرة، لكنك مُتحيّر في اختيار بديعها..
وأما الجو الصاهد، الذي كان سطاما يُحرك النار بين جوانحكَ، فقد استحال الآن مقيلا تستسيغه حتى الأنف، حين انبعاث الروائح التي تكنزها الأرض، وتستأنسه الأذن بترديد أهازيج الأزيز، فتستلذ حرارة الجناحين، التي ما تزال تحفظ رائحة الشساعة الزرقاء.. أكيد أن ساق النورس الشريد لا تحنُّ إلى الرمل والموج والزبد إلا إذا نادى الجوع في الأحشاء، وزعقاته ليست بكاء ولا شكوى بل نشيد الحب وشهوة الحياة.. كيف يُهزم الجوع بأحشاء من تراب؟! مستحيل!
وهناك، على المقعد المقابل، يعبس ذاك الجالس كمرآة خادعة.. يدمدم، يتململ، يخالف بين رجليه… ثم يهرول صوبكَ كالمعتوه، ينحني:
- أوه! يا أخي! إن حيواناً أسود بغيض الشكل على رأسك!
يخبط الهواء بيدين هوجاوين..
وعند تحليق طائر ناصع البياض، يشبه طائر البقر، في سماء كجوف فرن في طور الخمود، بعيدا، بعيدا، تاركاً ريشة من الخوافي على شَعْركَ، كأنها رسالة وداع، وزغاريد السنونوات المجتمعة في الخفاء، تترجَّع بهياج في مَسمعكَ؛ يصفعكَ، بغتة، جناح أكذوبة يرفرف بعنف… فتطلق، يا أخي، نحوي، أنا المنبه الأسيان، شتيمة من تحت الحزام… ثم تنحني لتلقط ما يصلح لشجِّ رأس لا يُغري أيَّ طير بالجثوم.
قاص من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي