فن الإهداء الجامح الذي لم يُروّض بعد
المختار النواري*
الإهداء وقفة صادقة مع النفس، تطلق العنان لبوحها الداخلي، بعد أن تحررت من الموضوع، وتخلصت من قضاياه وأفكاره، ولفظت مناوشات أسئلته، ومطارحات إشكالاته، لتستمع للمصنف الإنسان في صفاء روحي عجيب، وإقرارات ناصعة، تريد أن تكون مرآة صادقة لذلك الداخل الإنساني، وتلك المكابدة الوجودية.
الإهداء نقل سلس للذات من أعماقها الغامقة، وتواليفها الغامضة، إلى بهاء البياض، ورونق التأليف، وصفاء التجلي.
الإهداء فسحة، تسمح للصفاء الإنساني أن يتجلى في أنصع صوره، وأبهى تجلياته.
الإهداء إخلاص من النفس، وتخليص لها، مما يشغلها من قضايا الناس، ومنظراتهم، وإعطائها الحق والوقت والمجال، لتقول عما يشغلها ما شاءت، وكيف ما شاءت.
الإهداء إصرار على تخصيص صفحة لذات الكاتب، كي يقف مع نفسه، ولنفسه، لتقول عن حقيقتها، ولحقيقتها، ذاك الذي ظل ينفعل فيها، ويتفاعل داخلها، طيلة مراحل التصنيف، دون أن يُسمح له للحظة ليقول ما يريد قوله، ويتخلص مما كان يتقله.
الإهداء استماع أكثر مما هو قول، إنصات أكثر مما هو كلام.. استماع لصوت النفس الداخلي، وإنصات لبوحها العميق، وطفحها الصادق، وغيرها الغادق.
الإهداء تقليص للمسافات، ونسف للحواجز، وتحطيم للأقنعة، وتكسير للمرايا، وإظهار الذات في عريها المباهي، وصدقها المباغث.
الإهداء إلقاء نظرة على الكون من سمو الذات، وتعالي النفس، وترفع الذاتي ، بالكثير من التجاوز عن التفاصيل، والقفز على الانشغالات المشتركة، ومحاولة المتح من الصميم، والصب في الغايات الأسمى، والمرامي الفضلى.
الإهداء نظر إلى العالم من علو الذات الشاهق، ولمح من برجها السابق، ورشح من تنزهها الباسق، وخطف من حدسها الصادق، ومتح من رحيقها الغادق، لتقديم جفر لا يقنص إلا حين صفاء الروح، وبهاء التجلي…
الإهداء خروج الروح من مكمنها، وهبوط النفس من مرفعها، وخلوص اللسان من تلعثمه، وتحرر الكلام من ترجرجه، لتحقيق نقاء الانكشاف، ووضوح الرؤيا.
الإهداء عبور من عوالم مشتركة، وإنهاء التحليق عبرها، لتحط النفس في عالمها الأحادي كي تعبر عن مكنونها، وتكشف عن عمقها، وتقدم عبرتها.
الإهداء إعلان عن انتهاء الانشغال بالخارج، ليبدأ الانفتاح على الداخل، ومنحه فسحة، سرعان ما تنتهي.
الإهداء تحقيق لفن البوح، الذي من حق كل من يمسك القلم ألا يُحرم منه، وعود بالكتابة إلى أصلها، على أنها بوح واستباحة.
الإهداء رسم لجمال اللحظة القصيرة، وتشذيب متفنن للزمن.
الإهداء تجسيد لبلاغة الإيجاز، وإلزامية الاكتفاء بما لا بد منه.
الإهداء تثبيت لكون الكلمة هي أوسع من الفراغ، والسواد أوضح من البياض.
الإهداء تأكيد بأن الكتابة تخضع بياض الصفحة، وتجعلها تمنح كثيرها لقليله، وسعتها لضيقه، وكلها لبعضه.
الإهداء برهنة على أن اللفظة أضيق من أن تستوعب معناها، وسعة الصفحة أقل من أن تحتوي ما هو مرسوم عليها.
الإهداء تسويغ بأن ما نراه ليس هو ما ندركه، وما نسمعه ليس هو ما نعلمه، وما نقرأه ليس هو كل المعنى.
الإهداء تأكيد على أن التعبير عن الكليات لا يحتاج إلى ثرثرة، والمطلق يبعثره الإسهاب، والكنه يفسده الإسفاف.
الإهداء فرصة لكي نكون واضحين مع أنفسنا، ولا نحتاج إلا لجمل قليلة وقصيرة.
الإهداء إلحاح على أنه لكي نكون أقرب من ذواتنا، نفسح لها المجال للحظة، لتقول كلمة، أو بضع كلمات، موحية ومغنيه وكافية.
الإهداء يفيد بأنه مهما نقل للآخرين، فنحن نحتاج في الأخير لنقول لأنفسنا.
الإهداء يؤكد على أن حديثنا مع الآخر، قد يطول ويتشعب، ونحن لا نحتاج في محادثة أنفسنا إلا للقليل من الكلام، مع الكثير من الاختصار.
الإهداء خرق للمتوقع، وكسر لنمطية الآتي.
الإهداء قلب للحقائق، وعكس للمسار، بتقديم المنجز أخيرا، ووضعه أولا.
الإهداء اعتراف بأن ما يُفعل أخيرا، قد يُقدَّم أولا في الواقع، وأن الفعل لا يعكس دائما الواقع، وأن الواقع تزييف للحقائق، بتبديل المواقع، وتغيير صور التقديم، ووضع الكثير من المساحيق على الوجوه، أو بإزالة المساحيق عنها. وبدون مساحيق تكشف عن جمالها الفطري، وزينتها التلقائية.
الإهداء إيمان وتثبيت على أن الدخول في بوابات فنية يقتضي التكيف مع متطلباتها، والاستجابة لخصوصيتها، والإنتاج وفق تقاليدها، إن لم يكن في الحدود العليا، فعلى الأقل في الحدود الدنيا.
الإهداء تقديم الدليل على أن مستويات اللغة متعددة، وعند المؤلف الواحد، وله أن ينتقل من مستوى إلى آخر، وأن يغير بحسبها درجاته اللغوية، علوا وهبوطا، ترقيا وسفولا، بما يتطلبه ذلك من اختلاف النسيج المعجمي والتركيبي والبلاغي والبنائي والتجنيسي.
الإهداء فرصة الكتابة الأخيرة، التي تُعطي للمصنِّف، ليقول شيئا مما لم يقله.. إنه وقوف بين لحظتين، وقرار حاسم في تغليب إحداهما: ما بين لحظة كشف وانكشاف ومكاشفة؛ وبين لحظة إرضاء ورضى بالتواري والتكتم والمماوهة.
الإهداء مغالبة لطول التردد، وكثير التفكر، والتوصل إلى قرار أخير، يحسم فيهما، فيكون تغلبا عليهما أو مغالبة لهما، أو سماحا باستمرارهما.
يشكل الإهداء المحطة الأخيرة لقطار الكتابة على ظهر الكتاب، وعمليات ما قبل النزول، ومغادرة المحطة.
الإهداء لحظة صفاء عقلي، وهناء روحي، واختلاء نفسي، لرصد أهم الانشغالات، وتقريب أكبر الاهتمامات، بعيدا عن التفاصيل المشوشة، والجزئيات الشاغلة.
الإهداء مناسبة لعرض آلام النفس وأمراضها، وعوارضها ولواعجها، قصد التخفف، أو التخلص منها.
الإهداء لحظة لتذكر إساءات الآخرين، وعرض مخلفاتها على النفس، وكشف جروحها، بغية التخلص من آثارها، وإعلان التحرر منها، والصفح عمن صدرت عنه، لتخليصه هو الآخر من الإحساس بالذنب، وتأنيب الضمير.
الإهداء سلوك مفرط في المثالية، حينما يهدى إلى من صدرت عنه الإساءة سابقا، ويتجاوز عمن تشدد بالحساب يوما ما، وكانت مؤاخذاته قاسية ومؤلمة، غير أن الإهداء مرهم، لا لتخفيف الآلام، ولا لدواء الجراح وحسب، ولكن لمسح آخر الآثار.
الإهداء محطة توقف واستيقاف.
توقف: لأن المصنِّف يقف مع نفسه، وفي لحظة من حياته، وبعد إنهاء عمل تصنيفي من أعماله، ليقول شيئا هاما، كان عليه قوله، ولا يسمح لنفسه بالمرور قبل قوله، ولا يبيح لها تجاوزه. ولأنه يعكس وجه من وجوه النفس، وحقيقة اللحظة، وخلاصة أخرى للعمل، وفكرة عن نهاية تجربة، لا في حدود أفقها الفكري، وإنما في عصارتها الحياتية.
استيقاف: لأنه يراد للقارئ أن يمر عبر هذه المحطة، وأن ينظر إليها بتأمل، ويتشربها بتمعن، فلا تفارقه أثناء قراءته للكتاب وخلال كل محطاته. وعليه أن يسترجعها مرة أخرى للتأمل فيها، في نهاية العملية القرائية، وربما قفز قفزة لأول المقروء لإعادة قراءته، وربط آخره بأوله، وكله ببعضه. لتتوضح أشياء أخرى، لا يمكن أن تدرك في غياب هذا الرجوع، وبمنأى عن هذا الربط.
الإهداء حقيقة، تؤكد أن الفكر ليس ضروريا للتفاهم، ولكن الذات كذلك، وخطابها أساسي، سواء لفهم حقيقتها، أو لتعميق فهم الفكر، وعلى هذا، فهي ضرورية لفهم الفكر، ولتحقيق التفاهم حوله.
وبعد هذا البسط، نطرح الأسئلة المشوشة التالية:
هل يمكن أن نتحدث عن فنية الإهداء؟
هل يستطيع نص الإهداء أن يرتقي إلى مستوى الفن؟
ما الذي يجعلنا نتحدث عن الفن في الإهداء، ويدفعنا إلى أن نعطيه الخصوصية الفنية، ونعترف له بالاستقلالية الأدبية؟
هل توفرت له الشروط، التي تتوفر في مختلف الكتابات، وعلى الأقل في شروطها الدنيا، حتى نعترف له بالفنية؟ وما هي تلك الشروط؟ وبعبارة أخرى، ما ملامح استقلاليته؟
وبالجملة، هل للإهداء أدبيات معينة؟
ومن أين استُمدت تلك الأدبيات؟
هل يقول الإهداء كل شيء؟
هل تم ترويض الإهداء وتدجينه؟
هل استطاع هذا المروض أن يكبح جماح هذا الكائن الجامح، هذه الأمّارة بغير إمْرة، والأميرة بغير إمَارة، التي تحسب أن العالم مملكتها، وهو في الحقيقة ليس إلا مسكنها؟!
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
