حوار مع المبدع مولاي الحسن الحسيني

حاوره الشاعر الحسَن الگامَح
المحور الأول: الرؤية الفنية والمسيرة الإبداعية
1.كيف يرى المبدع مولاي الحسن الحسيني الكتابة بصفة عامة، وما هي رسالتها برأيك؟
الكتابة هي بصمة الكاتب، هي هويته وموقفه. إنها فعل إيجابي أو سلبي، وللكتابة رسالة تؤدَّى في الزمان والمكان، موجهة إلى مخاطَبين يراد بها إبداء الرأي أو إصدار أمر أو نهي، أو التعبير عن خوالج مضمَرَة.
- من أين استمدت تجربة الكتابة لديك، وكيف دخلت بحر الإبداع؟ وما هو أول نص كتبته (أو عمل بارز في بداياتك)؟
الكتابة موضوع أسرة يتناسل فيها هذا السر، وفي البيت كل كتب الوالد -رحمه الله- كانت كتاباته عبارة عن ذيول أو تكملات أو شروح أو تعاليق أو أبيات أو آراء.
الانطلاق الشعري: أول ما كتبت من الشعر قصيدة في بحر المتقارب مطلعها:
بكيتُ دموعَ الناس يا أخي
وصرتُ رقيبَ المساءِ الخفيِ
- أي صنف من الكتابة تجد فيه ذاتك أكثر حين تكتب (شعر، نقد، رواية، إلخ)، ولماذا؟
أنا كائن شعري، لا ألبي نهمي إلا في معاقرة القصيد. أقرأ النقد والرواية والتاريخ والفلسفة والفقه، هكذا أنا ولست أعرف لماذا؟ …
- ماذا حقق المبدع مولاي الحسن الحسيني في مجال الكتابة بحكم ارتباطك العميق بها؟
لقد حققتُ براءة الاختراع وبراءة الذمة بالممارسة الشعرية منذ سنة 1982، بكمٍّ من الدواوين وبحشد من الشعراء ولجوا حياض الشعر.
المحور الثاني: تحديات الشاعر في المضمار الأدبي
- ما هي أبرز التحديات التي تواجهك كمبدع في صنف الكتابة الذي تمارسه (شعر، نقد، رواية)؟ وكيف تتعامل مع “حصار الكلمات” أو “جفاف الإلهام”؟
من أبرز التحديات التي تواجه الشاعر وهو في المضمار، ضعف القوة وقلة الحيلة والهوان على الناس، حتى لكأن الشاعر تتداعى عليه الإهانات كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها. يعني أنه يُراد لمكانته في المجتمع أن تكون زهيدة، وشخصيته مضمحلة، بإيثار شرائح أخرى عليه، وبحرمانه من منابر الصدح، وخمائل الشدو. فإذا غنَّى أو صاح، سقطت نبراته قُرب قدميه.
- هل للبيئة الجغرافية أو الثقافية تأثير على أعمالك؟ وكيف ينعكس ذلك في نصوصك؟
المرء ابن بيئته، ولا يمكن للشاعر أن يخرج من قبضة الجغرافيا والثقافة. النصوص مرآة صافية تعكس وجه الواقع والحقيقة للشاعر.
- كيف ترى العلاقة بين القراءة والكتابة في مسيرة المبدع؟ وما هو الدور الذي تلعبه القراءة في تشكيل تجربتك الإبداعية؟
العلاقة بين القراءة والكتابة كعلاقة المتح والإفراز بالنسبة للنحلة. ولينظر الشاعر إلى مصدر امتياحه ليعرف قيمة إفرازه قبل أن يُقال له ذلك. وللقراءة دور التشييد والبناء، وأمتن تشييد يكون باسم ربك: “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ”.
المحور الثالث: قضايا أدبية عامة
8. كيف ترى تجربة الكتابة في العالم العربي اليوم، وما هي أبرز التحديات والفرص التي تواجهها؟
يعتري الكتابة في العالم العربي الآن ضمور وانحسار وكساح وهزال، لأن السياسة الخارجية هيمنت على الأمة من جكرة إلى طنجة – العربية والإسلامية – وغذَّت النعرات والقوميات حتى صارت اللغة العربية استعماراً وفي مكانها مسماراً، وللمناطق بها عاراً. وما لم تنتصر الأمة ستبقى الكتابة في العالم العربي بأي لغة أو لهجة ريشاً تذروه الرياح وصيحة في وادٍ وقفرة داخل برميل. لذا، فأكبر التحديات هي القبضة الغربية والخيانة والعمالة المحلية، وهوان وتخاذل ضمائر غير حية.
- ما رأيك في الكتابات النسوية في المغرب وفي العالم العربي؟ وأين يمكننا ترتيب حضور الكتابة النسوية من خلال الإصدارات السنوية المتزايدة وحضورها في كل المجالات الإبداعية؟
الكتابات النسوية في العالم العربي يحكمها ما يحكم الكتابات الرجالية من واقع لا يريد أن يرتفع، ومن تشظٍّ وتشرذم، حتى صارت كل أمة تلعن أختها، وصار كل إناء بما فيه ينضح، فضاعت الكتابات النسوية كضياع الرجالية. ومن أراد اللمعان والشفوف فعليه بما دون الكتابة، ولستُ متشائماً.
- مع تطور التكنولوجيا، هل تعتقد أننا قد نستغني يوماً عن الكتابة كوسيلة للتعبير أو التوثيق؟ وإلى أي مدى يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤثر على مستقبل الكتابة الإبداعية؟
للتكنولوجيا هيمنة وقوة لا تخفى، وللكتابة جذور متعمقة لا تقبل الاجتثاث. وإننا لا نزال في مرحلة استئناس الكتابة بالتكنولوجيا، ومتى تمت المصاهرة سيتم العرس وبعده الإنجاب، ويومئذٍ يسوغ لنا أن نقول: بالرفاه والبنين. أما الذكاء الاصطناعي، فهو في نظري يجمع بين خاصيتي الذكاء والغباء، فذكاؤه قد يحجب كثيراً من الكتابات أو قد يبرزها، وغباؤه سيجعل للكاتب مجالاً جديداً للتندر والتنكيت والامتهان. إذن لا خوف على الكتابة من الذكاء الاصطناعي، وكل الخوف على الذكاء الاصطناعي من الكتابة.
المحور الرابع: رؤى شخصية ومستقبلية
- ما الكتاب الذي أثر في تجربتك الإبداعية وترك بصمة واضحة في مسيرتك؟
لا يمكن أن أحصي من تركوا أثراً في تجربتي الإبداعية، أمتح من كل وردة وأسقط على كل شهد عربي وأمازيغي وغربي. ثم أعود وأفرز مع الخلايا لذيذ الأري، فكنت الشفاء للبعض وكنت مرض السكري للبعض الآخر.
- ما هو الكتاب الذي حلمت أن تكتبه ولم تتح لك الفرصة لكتابته بعد؟
لقد كتبت كتاباً حول خطط كرة القدم ومهاراتها، وقد ضاع مني هذا الكتاب، وأحلم الآن بأن أجده يوماً ما في مكان ما.
- كيف يرى الإنسان مولاي الحسن الحسيني المبدع مولاي الحسن الحسيني؟ (سؤال للذات والتأمل)
يرى الحسيني المبدع الحسيني بعين الشفقة حيناً وبعين الازدراء حيناً وبعين المودة حيناً. وقديماً قال الحسيني المبدع:
حدقتُ فيَّ بعينٍ فارقتْ جسدي
فسرَّ روحي شِعْرٌ زانَ غُرَّتها
- ماذا تضيف الجوائز الأدبية للكاتب (ة)، وهل تراها مقياساً حقيقياً للنجاح الإبداعي؟
الجوائز الأدبية قد تُسفِلُ من عَلا، وقد تُعلي من سَفَل. وعلى العموم، فهي مضامير لها طقوسها وآلياتها و(قوالبها)، وهي ليست صالحة لمن يتأثر، وتصلح لكل طلعة مُصِرٍّ على الوصول. ومن أدام الطرق سيلجُ. والحمد لله كنتُ على الدوام ممن يرجع بخُفَّيْ حنين منها، يعني فإما لستُ شاعراً، وإما المسابقة بنت حرام.
- ما هي مشاريعك المستقبلية على الصعيد الإبداعي؟
مشروعي الإبداعي المستقبلي هو أن أجمع تجربتي في كتاب الأعمال الكاملة، وأن أعبد الله حتى ألقاه وهو عني راضٍ.
ورقة تعريفية عن المبدع مولاي الحسن الحسيني
- تاريخ ومكان الميلاد: 6 ديسمبر 1965، مدينة تارودانت، المملكة المغربية.
- حاص على الإجازة العليا في الشريعة، جامعة القرويين، آيت ملول، أكادير، بتاريخ يوليو 1991.
- دبلوم الدراسات الإسلامية، المعهد العالي للدراسات الإسلامية، القاهرة، مصر، بتاريخ 11 أكتوبر 2019.
- نائب رئيس نادي الغد الأدبي.
- رئيس منتدى الأدب لمبدعي الجنوب (المكتب المركزي) لمرات متعددة.
- رئيس تحرير مجلة إشراقات.
إصداراته:
أولاً: الدواوين الشعرية:
- “ومضات روح”: ديوان شعري، مطبعة شروق بأكادير، منشورات نادي الغد الأدبي، تقديم: ذ. أحمد بزيد.
- “إشراقات روح”: ديوان شعري، مطبعة شروق بأكادير، منشورات نادي الغد الأدبي، تقديم: د. عباس الجراري.
- “على ضفة الأمل”: ديوان شعري، مطبعة شروق بأكادير، تقديم: د. عبد السلام أقلمون.
- “عطر الخزامى”: ديوان شعري، منشورات منتدى الأدب لمبدعي الجنوب.
- “وجه الله وعيناي”: ديوان شعري، مطبعة دار السلام الرباط، منشورات منتدى الأدب لمبدعي الجنوب.
- “في اتجاه اللازورد”: ديوان شعري، مطبعة أكادير خدمات، منشورات منتدى الأدب لمبدعي الجنوب.
- “أصينصكَ ن ويزوكَن”: ديوان شعر أمازيغي، مطبعة دار السلام الرباط، منشورات منتدى الأدب لمبدعي الجنوب.
- “تبلاح النخلة”: ديوان زجل، مطبعة أكادير خدمات، منشورات منتدى الأدب لمبدعي الجنوب.
ثانياً: الإصدارات النثرية:
- “تراجم أعلام تارودانت المعاصرين”: في جزأين.
- “أعمال ندوة تيوت”: كتاب (جمع وإعداد)، منشورات نادي الغد الأدبي.
- “أثر وظلال: سيرة الحاج عبد الله بوتزلا”: كتاب (بالاشتراك مع ذ. أحمد بزيد الكنساني)، منشورات منتدى الأدب لمبدعي الجنوب.
- “توأم الإبداع الأمازيغي: لحسن أجماع والحاج مبارك كوكو”: كتاب (جمع وإعداد)، منشورات منتدى الأدب لمبدعي الجنوب وجمعية تالكجونت للتنمية وشبكة جمعيات محمية أركان.
- “حروف الذهب في الإشادة بعميد الأدب”: كتاب (جمع وإعداد، بالاشتراك مع ذ. عبد الله أشن)، منشورات منتدى الأدب لمبدعي الجنوب.
- “تارودانت عطاء حضاري متجدد”: كتاب (جمع وإعداد)، منشورات منتدى الأدب لمبدعي الجنوب.
نص شعري: رأيت الليل بين يدي
شتان بينكَ والوضاءةِ الشمسِ
فعِشْ مجيئكَ من أمسٍ إلى أمس
و اخْدشْ رقاقةَ فولاذٍ بقافية
واصرفْ سطوركَ عن ليلى وعن قيسِ
غردتَ عصفورةً في بيْدرٍ فبكى
من كان يفهمُ معنى الضوء بالرمس
ماجَ الذي بين عيني الآنَ يا كبدي
و شقَّ تفسيرُ ما أحكي عن النفس
دعني بلا خُلّة في الله تكرهني
و تدَّعي أنها رقيقةُ الحسّ
و امْسحْ ملامحها بالهجر أنْ كَفَرَتْ
من أخْمُصِ الكون حتى هامة الرأس
يا عِتْرة َالأنبياء الآن قلتُ لكم:
إن الزمان فَطيرٌ مالحُ اليأس
كم كنتُ أنصحكمْ أنْ تُدركوا كَلِمي
إني عصَرْتُ الرؤى لتشربوا كأسي
لم أشْتَرِ الصَّكَّ يا عيسى لترحمني
و لمْ تَرُقْ لي أناشيدٌ من القسّ
ولا الطواقي ولا الأديارُ تَشربُني
و دمتُ مُرّاً أنا في شِرعة الفُرْس
جُننتُ حتى رأيتُ الليل بين يدي
يقول: حَوِّلْ ظلامي وِجْهة َالأُنْس
و بالجنون لذاذاتٌ ومتسَعٌ
و في الجنون وقاياتٌ من البأس
للنور بين جَبينِ الغيبِ قلتُ نعَمْ
وقد تراءى به وعدٌ على تُرْسي
فخبروني إذا باضتْ حوافِزُكمْ
خيلاً يَجُرُّ حديدَ الله للقُدس
و خبروني إذا جَفَّتْ مَحابرُكُم
أ ليسَ منكم رشيدٌ يُبْصِرُ الكُرْسي
عودوا مع الريح أرواحا مُكسَّرة
فالنصر درس سيأتي دونما درس
يا مرفئاً قد رآنا. نحنُ لم نَرَهُ
هاتيك أزمنة الوصول في حَدْسي
كَمِ الْتَوَيْنا مع الزُّقاق ما فَرِحَتْ
عينايَ بالخزرج الأولى ولا الأوْس
كمْ أومأتْ ليَ أيام ٌوما كَذَبت
بأنَّ قابيل لنْ يأتي على الأُسِّ
قالت وقد صنعتْ لي من مدامعها
حِبْرا وحوَّلَتِ الأكفانَ للطِّرْس
إن كنتَ تكتبُ للتاريخ ملحمةً
فالسطرُ يبدأ ُمن ضميركَ المَنْسي
النصرُ لذتُه ما كنتَ ترقبُه
وعمرُهُ وقدَةٌ كساخنِ الجِبْسِ
والعمرُ أقدمُ من روحي ومن جسدي
يا عمريَ المنتهي إبدأْ بلا بؤس
واسطعْ أيا خَزَفاً يمشي على قدم
شتان بينكَ والوضاءةِ الشمسِ
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي