الازدواج الأنطولوجي للزمن: نحو فهم جديد للحظة والوجود

لهيب عبد الخالق*
منذ البدايات الأولى لتأمل الإنسان في الكون، كان الزمن السؤال الأكثر استعصاءً وإرباكًا. هل هو خطّ يتدفّق من الماضي إلى المستقبل، أم دائرة أبدية تعود على ذاتها، أم محض وهم ابتكره العقل لترتيب الحوادث؟
لقد قدّمت الفلسفة تصورات متباينة: من أرسطو384–322) ق.م.) الذي اعتبر الزمن “عدد الحركة بحسب قبل وبعد”، إلى إيمانويل كانط 1724–1804)) الذي رآه شرطًا قبليًا لإدراك الظواهر، إلى هنري برغسون 1859–1941)) الذي فرّق بين الزمن الرياضي والزمن المعاش كـ”مدّة حيّة”. أما إدموند هوسرل، (1859-1938) فقد كشف أن الحاضر يتضمن دومًا أثر ما مضى وتوقع ما سيأتي، لكن دون أن يصوغ ذلك كبنية أنطولوجية للزمن ذاته.
العلوم بدورها لم تحسم الأمر: قوانين نيوتن متناظرة زمنيًا، لكن الديناميكا الحرارية فرضت “سهم الزمن” نحو الفوضى. أما ميكانيك الكم فأدخل فكرة التراكب: “أن الجسيم يمكن أن يوجد في حالتين متزامنتين”. ومع ذلك، ظل الزمن يُفهم إما كخط، أو كدائرة، أو كسهم، دون أن يُطرح بجدية كـ “بنية منشطرة” في جوهره.
من الأسطورة إلى النظرية
حين نتأمل أسطورة تيامات، الإلهة البدئية في الأساطير البابلية (ملحمة إينوما إيليش(الرافدينية، التي شطرها مردوخ الإله البابلي إلى نصفين: علوي صار سماءً، وسفلي صار أرضًا، نلمس الصورة البدئية الأوضح للانشطار كأصل للوجود. فالكون لم يولد من وحدة صافية، بل من فعل قسمة أوليّ، من ازدواج تأسيسي جعل كل ما هو علوي يقابله سفلي، وكل ما هو ظاهر يتجاوب مع ظلّه. تيامات ليست مجرد شخصية أسطورية، بل استعارة كبرى عن أن الخلق نفسه لم يكن فعل بناء فقط، بل فعل شطر، وأن النظام الكوني لا يقوم إلا على انفصال متقابل يحفظ التوتر بين نصفين.
هذه البنية تتكرر في أساطير أخرى: الحياة والموت عند المصريين القدماء أوزوريس إله البعث والحياة في مصر القديمة، وإيزيس زوجته وأخته، إلهة السحر والأمومة. فأسطورة أوزوريس الممزق وإعادة جمع أعضائه على يد إيزيس تكشف أن الكينونة لا تقوم إلا عبر الانشطار، وأن العودة إلى الوحدة الأولى مستحيلة؛ فالموت كما رأى هيراقليطس (535–475 ق.م.) أصلًا للصراع والوجود، ثم أعاد مارتن هايدغر (1889–1976) صياغته كـ “وجود نحو الموت”، ليس نفيًا للحياة بل شرطها. والبعث بدوره ليس استمرارية خالصة، بل عودة متكسّرة تحمل أثر الفقد.
وهنا تظهر الديانات الزراعية، وهي المنظومات الدينية والطقسية التي نشأت مع المجتمعات الأولى في بلاد الرافدين ووادي النيل وحوض المتوسط، حين ارتبط مصير الجماعة بدورة الزرع والحصاد. هذه الديانات لم ترَ الزمن خطًا مستقيمًا، بل دورة متكررة: بذر ونمو وحصاد ثم موت وعودة. جوهرها أن الخصب لا يتحقق إلا عبر انشطار: موت البذرة شرط لولادة السنابل، وجفاف الأرض شرط لانبثاق المطر. لذلك، عبّرت هذه الديانات عن الزمن عبر طقوس دورية وأساطير موازية: تمّوز/دموزي ، إله الخصب السومري–البابلي، الذي يهبط إلى العالم السفلي ويعود مع الخصب، وبرسيفون، إلهة الزراعة والخصب عند الإغريق التي تختفي في الشتاء لتعود في الربيع. لم تكن هذه الرموز مجرد حكايات طقسية، بل نماذج لفهم الزمن نفسه كازدواج: موت وولادة متلازمان، حاضر لا يُفهم إلا بظلٍّ كامن في الطين.
بهذا المعنى، كانت الديانات الزراعية أول من قدّم صورة عملية للزمن المزدوج: دائرة لا تكتمل إلا بانشطارها إلى غياب وعودة، إلى موت وظلّ ولادة، ممهدة الطريق لوعي أن اللحظة لا تولد نقية، بل تحمل في جوهرها انقسامًا أوليًا.
وفي المسيحية، بلغت هذه الفكرة ذروتها في رمز الصلب والقيامة: موت وحياة، فناء وبعث، ضدّان متلازمان لا يُفهم أحدهما إلا بالآخر. وكأن الوعي الإنساني، منذ أسطورة تيامات وحتى الصلب، كان يدرك أن الوجود لا يقوم على وحدة مكتملة، بل على انقسام دائم وتوتر بين ضدّين يتجاوبان في برزخ واحد.
تعريف الازدواج الأنطولوجي للزمن
بعد هذا المسار الطويل، بين الأساطير الرافدينية والمصرية والشرق أوسطية والديانات الزراعية والفلسفة الحديثة والتجربة الشعرية، تبلورت رؤيتي حول الزمن. لم يعد في نظري خطًا مستقيمًا ولا دائرة مكتفية، بل كيانًا منشطرًا يحمل في داخله ازدواجًا أنطولوجيًا.
والازدواج الأنطولوجي للزمن: هو رؤية ترى أن كل لحظة زمنية لا تولد صافية أو مكتملة، بل منشطرة منذ بدايتها إلى نصفين متلازمين: نصف ظاهر يندفع في تيار الحاضر ويتبدّى كحدث ومعنى، ونصف ظلّي يحتفظ بأثر ما مضى ويواصل حضوره الخفي. بينهما يقوم البرزخ، ليس كفراغ، بل كحقل مشدود يربط ويفصل في الوقت نفسه، ويحمل إمكانية أن ينفصل الظلّ يومًا فيغدو كيانًا موازيًا. بذلك يغدو الزمن في جوهره ليس خطًا مستقيمًا ولا دائرة مكتفية بذاتها، بل توترًا دائمًا بين ظهورٍ واحتفاظ، بين ما يتغير وما يظل، بين الأصل وقرينه الذي لم يولد بعد. هذه الرؤية لا تقتصر على الفلسفة، بل تمتد إلى الأدب والفن والتجربة الإنسانية كلها، إذ تكشف أن الوجود نفسه ليس وحدة متجانسة، بل مرآة مزدوجة، يعيش فيها الإنسان دومًا في برزخ اللحظة المنشطرة.
من هذه الرؤية، تبلورت نظريتي، فاللحظة لا تولد أو مكتملة، بل تنشطر منذ بدايتها إلى نصفين:
- نصف ظاهر: يتبدّى كحاضر جارٍ، متحرك مع الأحداث.
- نصف ظلّي: يحتفظ بأثر ما مضى، يرافق اللحظة كصدى لا يُمحى.
- برزخ: مجال توتر بينهما، ليس فراغًا، بل قوة حيّة تصل وتفصل في الوقت نفسه، وتحمل إمكان ولادة «كيان موازي» إذا انكسر التوازن.
بهذا المعنى، الزمن ليس خطًا مستقيمًا ولا دائرة، بل بنية منشطرة، دائمًا مزدوجة: بين ما يتغيّر وما يُحتفَظ به، بين الظاهر والظلّي، بين الأصل وقرينه الذي لم يولد بعد. وهو ما أسميه: لحظة الانفصال والانقلاب، ويعني أنه حين تتجاوز القوة الانشطارية طاقة البرزخ (كارثة، صراع داخلي، لحظة تاريخية فارقة)، ينفصل النصف الظلّي ويغدو كيانًا قائمًا بذاته، لكنه لا يكون نسخة مطابقة، بل انعكاسًا معكوسًا، كما تعكس المرآة الشكل بانقلاب اليمين واليسار. هنا يولد “الموازي”: حياة أخرى، عالم آخر، نص آخر، كان محبوسًا في صمت اللحظة.
هكذا يصبح التاريخ شبكة من لحظات لم تُكتب كلها، والهوية مسارًا متشظيًا يتوزع بين وجوه متقابلة.
ومن المهم هنا التوضيح: البرزخ الذي أقصده ليس هو برزخ الأديان بالمعنى الأخروي (كما في الإسلام حيث يُفصل بين الموت والقيامة، أو في المسيحية حيث يُرى كأعراف بين الجنة والنار). إنما هو برزخ أنطولوجي، أي بنية وجودية تعمل داخل اللحظة الزمنية نفسها، في قلب الحاضر المعيش. إنه ليس مكانًا للانتظار أو الحساب، بل مجال توتر حيّ يحفظ العلاقة بين الظاهر والظلّي، ويفتح إمكانية الانفصال وولادة الموازي.
هكذا يصبح الزمن شبكة من لحظات لم تُكتب كلها، والهوية مسارًا متشظيًا يتوزع بين وجوه متقابلة.
أفق النظرية: الأدب والفن والفلسفة والعلم
إن الازدواج الأنطولوجي للزمن ليس مجرّد تصور ميتافيزيقي، بل مفتاح لإعادة قراءة النتاج الإنساني كله:
- في الأدب: النص لا يُكتب مرة واحدة، بل دائمًا بوجهٍ وظلّ؛ هناك ما يُقال وما يظل مطمورًا. الرواية ليست خطًا سرديًا مستقيمًا، بل شبكة برزخية من احتمالات. والشعر ليس اعترافًا فرديًا فقط، بل مسرح تتجاوب فيه الأزمنة والوجوه. من هوراس (65–8 ق.م.) في قصائد «الزمن العابر»، حيث يُرى الزمن كتيار خطي يجب اغتنامه قبل أن ينقضي، إلى بورخيس (1899–1986) في «حديقة المسالك المتشعبة»، حيث يُكتب الزمن كشبكة احتمالات متفرعة، يظهر أن النص الأدبي لا يكتمل إلا بتجاوبه مع ظلّه. بين «اغتنم اللحظة» عند هوراس و«المسارات الموازية» عند بورخيس، نلمس انتقال الوعي من الحاضر الصافي إلى اللحظة المنشطرة، من زمن خطيّ إلى زمن يتكثّف بوجوهه وظلاله.
- في المسرح: يظهر البعد البرزخي أوضح. في التراجيديا اليونانية، كما عند يوربيديس (480–406 ق.م.) في «الباخيات»، يقدَّم ديونيسوس كإله مزدوج، سيد القناع، لا يكشف وجهه إلا ليُظهر وجهًا آخر. وفي التراجيديا الحديثة، كما عند صموئيل بيكيت (1906–1989) في «في انتظار غودو»، تتجسد الشخصيات في برزخ انتظار لا ينتهي: حاضر فارغ وظلّ وعدٍ لا يصل. المسرح هنا لا يروي حكاية خطية بل يقدّم بنية اللحظة المنشطرة، حيث الانتظار نفسه يصير زمنًا برزخيًا.
ولم يكن هذا البعد غريبًا عن الموروث الرافديني: فالمسرح الطقسي في المعابد السومرية والبابلية لم يكن مجرد احتفال، بل إعادة تمثيل لانشطار الزمن بين موت تمّوز وعودته، بين خراب الطبيعة وتجددها. الطقس المسرحي ذاته كان برزخًا حيًا بين الحاضر التاريخي والذاكرة الأسطورية. وفي المسرح العربي الحديث، نلمس صدى هذا الوعي في أعمال سعد الله ونوس (1941–1997)، الذي جعل الخشبة مساحةً لزمن مزدوج: بين واقع سياسي خانق وظلّ حلمٍ مؤجل، حيث الشخصيات تعيش في انشطار بين قهر حاضرها ونداء مستقبل لم يولد بعد.
- في الفن: التكعيبية عند بابلو بيكاسو (1881–1973) فتّتت الوجه إلى مساحات متوازية تُرى في اللحظة نفسها، كأن اللوحة تقول إن الكيان ليس وحدة بل نصفان يتجاوبان. السريالية عند سلفادور دالي (1904–1989) جسّدت الزمن المائع في لوحة إصرار الذاكرة (1931) كظلّ للحاضر، حيث لا يعود الزمن خطًا بل برزخًا مائعًا.
- في الفلسفة: الجدل الهيغلي عند غيورغ فيلهلم فريدريش هيغل (1770–1831)، والظاهراتية عند إدموند هوسرل (1859–1938)، والوجودية القلقة عند جان بول سارتر (1905–1980)، كلها لمحت إلى الانقسام، لكنها لم تعلن أن الانشطار هو البنية الأصلية للحظة. الازدواج الأنطولوجي يذهب أبعد: أن تكون يعني أن تكون منشطرًا، حاضرًا وغائبًا في الوقت نفسه.
- في الحياة اليومية: الحنين هو عودة النصف الظلّي للحظة الماضية ليقيم معنا الآن. الندم ليس مجرد خطأ في الاختيار، بل وعي بالقرين الذي لم يُعش. الحب نفسه برزخ بين اثنين، حيث يرى كل واحد نفسه في ظل الآخر.
- في العلوم: ميكانيك الكم مع نيلز بور (1885–1962) وفيرنر هايزنبرغ (1901–1976) قدّم فكرة التراكب: أن الكيان يوجد في حالتين معًا حتى يُرصد. هذا يُقرأ كتجسيد علمي للانشطار الذي تقوله النظرية. نظرية الأكوان المتعددة، في الفيزياء المعاصرة، ليست بعيدة عن هذا المنطق، لكن الجديد هنا أن الازدواج ليس احتمالية لاحقة، بل أصل كل لحظة.
- في الخيال العلمي: من هربرت جورج ويلز (1866–1946) في آلة الزمن إلى فيليب ك. ديك (1928–1982) في الرجل في القلعة العالية، نجد محاولات تخييلية لكتابة ما تقوله النظرية: أن كل لحظة تحمل نصفًا لم يُعش بعد، حياةً موازية تنتظر أن تنبثق.
أفق مفتوح
النظرية إذن لا تقف عند حدود الفلسفة، ولا عند الأدب أو الفن أو العلم، بل تفتح مجالًا جديدًا لفهم الوجود نفسه. الازدواج الأنطولوجي للزمن يكشف أن ما نعيشه ليس وحدة متجانسة، بل مرآة مزدوجة: ظاهر نلمسه، وظلّ يرافقه في صمت.
من هنا، ليست النظرية ختامًا، بل بداية مشروع مفتوح: أن نعيد قراءة النصوص والفنون والظواهر كلها من زاوية الانشطار الأصلي للحظة. إنها دعوة لإدراك أن الزمن لا يمر ككتلة واحدة، بل يولد دائمًا في انقسامه. ومن هذا الانقسام تتولّد المعاني، وتكتب الإنسانية نصوصها، وتبني فنونها، وتصوغ عوالمها الممكنة.
فالزمن، كما أراه، ليس ما يبتلعنا فحسب، بل ما يتيح لنا أن نكتب، أن نتخيّل، أن نعيش في الحاضر ونحتفظ في الوقت نفسه بما يتخطى الحاضر. بهذا يصبح الازدواج الأنطولوجي للزمن أفقًا جديدًا للفكر: مفتاحًا لفهم الماضي، وقراءة الحاضر، وتخيّل المستقبل.
كاتبة عراقية مقيمة في كندا
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي