شجن!
فاطمة الديبي*
صرخ الأب بصوتٍ جليديّ يرتعد له الأثاث: “كم مرة قلت لكِ ألا تتركي كوب الماء هنا؟!” لم تنتظر الفتاة البالغة من العمر تسعة عشر عاماً، ردّة فعله، فقد كانت تعرف جيداً ما سيلي هذا الصراخ. قبل أن تتمالك أنفاسها، انقضّت يده عليها بقسوةٍ، تضربها بلا رحمة، بينما تتراجع هي إلى الخلف، تحاول حماية وجهها، وقلبها يخفق بعنفٍ كطائرٍ محبوس.
كانت “شَجَن”، شابةً هادئةً يملأ قلبها حلمٌ أوسع من أفقها الضيق. لم تكن تحلم بالدمى والألعاب كباقي الفتيات في عمرها الأصغر، بل كانت تراودها رؤى مختبرات متطورة وكتب علمية، هدفها الأسمى أن تحصد شهادة البكالوريا علوم بتفوق. كانت هذه الشهادة بالنسبة لها ليست مجرد ورقة، بل تذكرة عبور إلى أبعد مكان في هذا الكون، لتكمل دراستها وتُزهر بعيداً عن بطش والدها الذي حوّل سنوات عمرها إلى سجنٍ مظلم. لكن هذا الحلم الوردي، الذي يلون أيامها الباهتة، كان يتلاشى شيئاً فشيئاً، يُلطخ بكابوسٍ يتجسد يوميّاً على يد والدٍ لم يعرف الرحمة.
كانت حياة شجن سلسلةً لا تنتهي من اللحظات المتوترة، يكفي أن يجد والدها كوب ماءٍ في غير مكانه، أو أن تتدنى درجة واحدة في اختبارٍ ما، حتى ينفجر غضبه، متحولاً إلى عاصفةٍ هوجاء تضرب جسدها وروحها. كانت كلماته اللاذعة تجلدها كالسوط، ويداه كانتا أقسى من سجانٍ لا يعرف الشفقة، لم يكن يدرك هذا الأب أن قسوته هذه كانت تنبع من خيبة أمل عميقة، فلطالما تمنى ولداً ذكراً يحمل اسمه ويحقق طموحاته، وبعد محاولات متكررة هو وزوجته للإنجاب مرة أخرى لم تُكلل بالنجاح، تضاعف شعوره بالمرارة، وصب جام غضبه على شجن، التي رآها تجسيداً لخيبة أمله. لم يكن يدرك هذا الأب أن ابنته، الشابة اليانعة، تحتاج إلى الدعم ودفء الحب، لا قسوة العنف التي تذبل الأرواح وتقتل الأحلام.
… كانت شجن تجلس في زاويتها المفضلة بالغرفة، التي أصبحت ملاذها الوحيد، تتقلص على نفسها، عيناها لا تفارقان والدها وهو يصب جام غضبه عليها، شعرت وكأن قلبها ينقبض، يضيق.. يختنق في دوامةٍ من الأسئلة المريرة: “لماذا يفعل بي هذا؟ هل أستحق كل هذا العذاب؟ وكيف سأحقق حلمي بالهرب وأنا حبيسة هذا القفص؟” وفي غياهب الليل، كانت الكوابيس تستولي على نومها الهش، ترى فيها والدها يخنقها، ووجهه مشوب بالغضب. فتستيقظ فزعةً، تتصبب عرقاً، وتصرخ في الظلام، تحتاج وقتاً طويلاً حتى تهدأ أنفاسها المضطربة، وتهرب من أشباح مخاوفها التي تلاحقها حتى في أحلامها، والتي تذكرها بأن حلمها الوحيد بالنجاة هو مفتاحها للخلاص.
وذات يوم، بعد جولةٍ أخرى من التعنيف الوحشي، جلست شجن في غرفتها، دموعها تسيل على وجنتيها بلا توقف، كأنها جداول صغيرة من الألم. نظرت إلى المرآة، فرأت آثار الضرب على وجهها، كأنها خريطةٌ لألمٍ لا ينتهي، خطوطٌ من الكدمات تُحفر في ذاكرتها، شعور طاغٍ بالغضب والحزن والخوف يعتصرها في آن واحد، يدفعها إلى حافة اليأس. تذكّرت كل المرات التي ضربها فيها، وكل الكلمات اللاذعة التي حطمت روحها. وتساءلت في مرارةٍ عميقة: “لماذا يفعل بي ذلك؟ لماذا يكرهني إلى هذا الحد؟ وكيف لي أن أجمع قواي لأدرس وأتفوق وأنا في هذا الرعب الدائم الذي يلتهم كل ذرة أمل وقوة بداخلي؟
أما والدة شجن، نور، فقد كانت تعيش حياةً مزدوجةً مؤلمة. في الخارج، كانت قناعاً للأم المثالية، الزوجة الصالحة، والجارة المحبوبة، تبث الدفء والود في كل مكانٍ تذهب إليه. لكن خلف أبواب منزلها الموصدة، كانت تخفي معاناةً مريرة، وزوجها، كان كعاصفةٍ لا تهدأ، يمارس العنف الجسدي والنفسي على ابنتهما “شجن”، بلا هوادة. كل يوم، كانت نور تشاهد ابنتها تتعرض للضرب والصراخ، وتشعر بعجزٍ شديدٍ يقيد يديها ولسانها. حاولت مراراً وتكراراً منعه، تتوسل إليه أن يكف عن إيذاء طفلته، لكنه كان عنيداً كالصخر، غاضباً لا يرى ولا يسمع، يرفض أن يفهم. كانت تخشى أن يزيد العنف إذا أبلغت الشرطة، وكانت قلقةً على مستقبل ابنتها، حبيسة صمتها ووجعها.
وفي أحد الأيام المشؤومة، بلغ العنف حدّاً لا يمكن تحمله، نقطة اللاعودة التي غيرت كل شيء. شاهدت نور زوجها وهو يضرب شجن بعنفٍ شديد، بوحشيةٍ لم تعهدها، حتى سقطت صغيرتها مغشيّاً عليها. في تلك اللحظة الفارقة، انكسر حاجز الصمت الذي حبس نور لسنين. قررت أنها لن تسمح بحدوث ذلك مرة أخرى أبداً، اقتربت من ابنتها التي كانت تعاني، احتضنتها، وقالت بصوتٍ هادئ ولكنه يفيض قوةً وحبّاً لم تعهدها شجن من قبل: “شجن، يا صغيرتي، أنا أحبكِ جدّاً وأؤمن بكِ كل الإيمان، أعلم أن لديكِ حلماً كبيراً بالدراسة والعيش الهنيء، وهذا الحلم يستحق كل تضحية.” وتابعت نور، وعيناها تلمعان بدموع الصدق والعزيمة: “لستِ وحدكِ يا روحي، أنا هنا دائماً لمساعدتكِ، ما تتعرضين له ليس خطأكِ أبداً، أنتِ ضحية، وسأبذل كل ما في وسعي لحمايتكِ لتحققي ما تتمنين، سوف نتجاوز هذه المحنة معاً، يداً بيد.”
وبعد تلك اللحظة الفاصلة، تصرفت نور بحسمٍ لم يكن ليتوقعه أحد. جمعت أغراضها وأغراض ابنتها بهدوءٍ وحذر، وفي منتصف الليل البهيم، خرجتا من المنزل تاركتين وراءهما كابوساً ثقيلاً وجدراناً تشهد على سنوات من الألم. لم يكن قرارها سهلاً أبداً، فقد كانت تخاطر بفقدان كل شيء: منزلها، زوجها، وحتى سمعتها في مجتمعٍ لا يرحم امرأةً تترك زوجها. لكنها كانت تعلم يقيناً أن سلامة ابنتها وحلمها الأسمى بالتحرر أهم من أي شيء آخر في هذا الوجود. استأجرت نور شقةً صغيرةً بعيداً، وبدأت حياةً جديدةً، حياةً من الكفاح والصمود والتحدي. كانت تعمل ليلاً ونهاراً لتوفير لقمة العيش لابنتها، وسعت جاهدةً لتهيئة بيئةٍ آمنةٍ وسعيدةٍ لها، بيئةٍ خاليةٍ تماماً من الخوف والعنف، لتتمكن شجن من التركيز على دراستها وتحقيق حلمها بعيداً عن كل ما يؤذيها. شجن، التي كانت في البداية خائفةً ومصدومةً، بدأت تتعافى ببطء، مثل زهرةٍ تستعيد بتلاتها بعد عاصفةٍ عاتية. استعادت بريق عينيها اللتين فقدتا لمعانهما، وابتسامتها عادت لتزين وجهها الجميل، وهي تضع نصب عينيها هدفها الأسمى: النجاح في البكالوريا، ثم الرحيل إلى أوروبا، نحو فجرٍ جديدٍ وحياةٍ تستحقها. كانت نور فخورةً بابنتها، وشعرت بالرضا التام لأنها اتخذت القرار الصحيح. لم تكن رحلة نور سهلة، بل كانت مليئةً بالتحديات والصعاب التي كادت تكسرها، ولكنها كانت تستحق كل معاناة. فقد أثبتت أنها أمٌّ شجاعةٌ، قادرةٌ على التضحية بكل شيء من أجل حماية ابنتها وسلامتها وتحقيق أحلامها الكبرى، لتسطر قصة بطولةٍ صامتةٍ ترويها الأمومة في أبهى صورها وأقوى تجلياتها.
قاصة من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي