حوار مع المبدع السوري نبيل سليمان

حاوره الشاعر الحسَن الگامَح

1- كيف يرى المبدع نبيل سليمان الكتابة بصفة عامة؟
الكتابة نعمة كبرى، مسؤولية كبرى، لذة كبرى، وشفاء أكبر.
2- ما هي رسالة الكتابة برأيك؟
لعلها فهم الحياة، إدراك العالم عبر الأسئلة الجوهرية، أسئلة الحياة والموت، الخلود والفناء، السعادة، البؤس. ماذا تكون رسالة الكتابة غير المساهمة في نزع القباحة ليكون الجمال هو ما يملأ الكون؟
3 – ما هو أول نص كتبته؟
في الرابعة عشرة من عمري، في صيف 1959، كتبت قصة طويلة في عشرين صفحة، تحت عنوان (حكاية مها). تلك كانت أول محاولة تحت تأثير ما كنت أقرأ من الروايات، وما كنت أشاهد من أفلام السينما.
4 – ما هو أول عمل بارز في بداياتك؟
أظن أنه رواية (ثلج الصيف) التي صدرت عام 1973، وقامت على تعدد الأصوات، مما كان بالكاد معروفاً كما جاء في رواية نجيب محفوظ (ميرامار – 1967) ورواية سليمان فياض (أصوات – 1972). وقد تحدث سليمان فياض نفسه عن ريادة روايته وروايتي لهذا المنجز من الحداثة الروائية.

5 – في أي صنف من الكتابة تجد ذاتك فيه حين تكتب؟ ولماذا؟
أقول: في الرواية، بلا أدنى تردد ولا غمغمة. ربما لأن الحكايات والسرود والمرويات سكنتني منذ طفولتي، ثم سكنتني الروايات منذ مراهقتي حتى اليوم.
6 – ماذا حقق المبدع نبيل سليمان في مجال الكتابة؟
أظن أنني ساهمت في تطوير الرواية العربية عبر التجريبية التي وسمت العديد من رواياتي، على مستوى الحفريات الروائية في التاريخ، أو الرواية السيرية، أو اللغة الروائية. وقد كان كتابي (النسوية في الكتاب المدرسي السوري – 1978) رائداً، ولا يزال من الكتب النادرة. أما في النقد، فقد كان لكتابي (النقد الأدبي في سورية – 1980) وكتاب (مساهمة في نقد النقد – 1983) الريادة إلى (نقد النقد) الذي كان نادراً، وملتبساً بتاريخ النقد قبل أربعين سنة.
7 – ما هي أبرز التحديات التي تواجهك كمبدع في صنف الكتابة الذي تمارسه؟ وكيف تتعامل مع (جفاف الإلهام) أو (حصار الكلمات)؟
لكل رواية إشكاليتها الخاصة، متطلباتها، بالأحرى: تحدياتها. قد تحرن وتتأبى، وهنا أردد خلف ماركيز فيما ذهب إليه من أن الرواية كالمرأة، إن تمنّعت فلن ينفعك أن تتذلل وتتذاكى وتلح. وأضيف: اتركها فترة قد تطول أو تقصر، انصرفْ إلى القراءة، إلى السينما أو المسرح، إلى السباحة أو إلى صحبة أصدقاء وصديقات. هو ذا القول – فيما أحسب – لـ (حصار الكلمات)، أما جفاف الإلهام، فكل ما تقدم قد يكون ضرورياً لمواجهته والبرء منه. أظن أن السفر والقراءة هنا لهما الأولوية.
8 – هل للبيئة الجغرافية تأثير على أعمالك؟ وكيف ينعكس ذلك فيها؟
للبيئتين معاً تأثير مضاعف في كتابتي الروائية. أما الجغرافية فتظهر في فضاءات الروايات، ومنها ما هو من جميع أنحاء سورية، ومردّ ذلك أنني أعرف في العمق هذه الأنحاء، وليس معرفة سياحية فقط. انظر إلى الجولان مثلاً في رواية (مجاز العشق) وفي رواية (المسلّة). انظر إلى اللاذقية وحماة في رواية (مدائن الأرجوان). انظر إلى (الرقة) منذ هزيمة 1967 حتى سيطرة داعش عليها وتحويلها إلى عاصمة الخلافة الإسلامية. وكذلك الأمر عندما تعود الرواية إلى أزمنة غابرة كما في (مدارات الشرق) بأجزائها الأربعة، والتي عادت إلى ما كانت عليه سورية وبلاد الشام منذ مطلع القرن العشرين حتى منتصفه، وانظر إلى ذلك أيضاً في رواية (أطياف العرش) وإلى رواية (حجر السرائر)، فهنا تتفاعل القراءات مع مشاهدات آثار هذا الماضي القريب.
9 – والبيئة الثقافية؟
لهذه أيضاً تأثيرها الذي يأتي من القراءة، من الأرشيف السينمائي أو المسرحي أو المتاحف، من المعارض، وفي كثير من الأحيان تتفاعل البيئة الثقافية مع البيئة الجغرافية.
10 – كيف ترى العلاقة بين القراءة والكتابة في مسيرة المبدع؟ وما هو الدور الذي تلعبه القراءة في تشكيل تجربتك الإبداعية؟
لا كتابة من دون قراءة. مهما تكن حياة الكاتب (ة) غنية، لا بد من إغنائها أيضاً بالقراءة. وللقراءة في تجربتي دور حاسم منذ اليفاعة. فقد أسرتني القصص والروايات التي كنت أقرأها في المرحلة الإعدادية، وسأظل ذلك الأسير المفتون بآسره ما دمت حياً. يضاف إلى ذلك القراءة من أجل مشروع روائي، وبخاصة أثناء الإعداد للمشروع، حتى لو كان يتصل بما عشته وخبرته، أي حتى لو كان من السيرة الذاتية. لا لذة مثل لذة القراءة، كما أنه لا لذة مثل لذة الكتابة، على أن لذة الكتابة قد تعتورها عثرات ومعطيات، لكن لذة القراءة بمنجاة من كل ذلك.

11 – كيف ترى تجربة الكتابة في العالم العربي اليوم؟ وما هي أبرز التحديات والفرص التي تواجهها؟
تطورت الكتابة في الآداب بخاصة، حيث يمكنني الحديث، على نحوٍ سريع وخصيب ومعقد. وكانت أمام هذا التطور دوماً تحديات كبرى مثلما كانت لها أيضاً فرص تاريخية. ومن هذا الفيض أذكّر بالزلازل الاجتماعية والسياسة والثقافية والفكرية، على الأقل الأقل منذ هزيمة 1967. ولك أن تعدد الحروب والأمية والقمع والارتهان للآخر الأوروبي أو الأمريكي أو الروسي أو الإسرائيلي… وفي الآن نفسه انظر إلى الملايين من الطلاب ومن القراء المحتملين حين يأتي يوم تكون لقمة العيش فيه أيسر وأشرف، وتكون فيه حرية التعبير أو الاعتقاد أكبر، وبالتالي: أية إمكانيات تنتظر الكتابة العربية؟ أية وعود وفرص تاريخية؟ ولأقلْ بعد ذلك: أخشى ما أخشاه أن تكون كل تلك الوعود خلّبية، وأن يكون الهدر مصير تلك الفرص، كما هو عليه الأمر منذ قرن.
12 – ما رأيك في الكتابات النسوية في العالم العربي؟ وأين يمكننا ترتيب حضور الكتابة النسوية من خلال الإصدارات السنوية المتزايدة وحضورها في كل المجالات الإبداعية؟
يطّرد حضور وارتقاء الكتابات النسوية، لكن ذلك لا يزال متواضعاً بالقياس لما يُنتظر من نصف المجتمع. دعك من الشعر والرواية، وانظر إلى نصيب كتابات المرأة من الفلسفة؟ من السوسيولوجيا؟ لا زالت مجتمعاتنا العربية محرومة بنسبة عالية من مساهمة النصف النسوي، وما ذلك إلا جرّاء هيمنة الذكورية الحمقاء والمتخلفة والجاهلة.
13 – مع تطور التكنلوجيا، هل تعتقد أننا قد نستغني يوماً عن الكتابة كوسيلة للتعبير أو التوثيق؟ وإلى أي مدى يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤثر على مستقبل الكتابة الإبداعية؟
ما أكثر ما نشغل أنفسنا بما لا طائل منه، وننفرد به من دون العالم المتقدم، بل وشبه المتقدم!
هل يتعلق السؤال بالكتابة بالقلم أم بمفاتيح الكومبيوتر أم بماذا؟ أعتقد، وآمل أيضاً، أن الكتابة باقية مهما تعددت وسائلها. كانت يوماً على الألواح الطينية وما هي اليوم على الشاشات الصغيرة والكبيرة. أما الذكاء الاصطناعي فلا يبدو، بما يتوفر من المعطيات حتى الآن، أنه قادر على أن يعبر عن المشاعر والعواطف والعقل الباطني والأحلام وما شاكل مما لا تقوم الكتابة الإبداعية من دونه. وعلى أية حال، بدلاً من أن نتماحك ونهدر الطاقات في القلق المصطنع، ونهتف للذكاء الاصطناعي، ابتهاجاً أو عداءً، لنحاول أن نكتب كتابة مميزة، وكفى.

14 – ما الكتاب الذي أثر في تجربتك الإبداعية وترك بصمة واضحة في مسيرتك؟
ما أكثر الكتب التي أثرت في تجربتي ولا تزال. عن أي عمر للتأثر تسأل؟ هل أبدأ من (القرآن الكريم) أم من (المعلقات العشر)؟ هل أبدأ من (رسالة الغفران) أم من (ألف ليلة وليلة)؟ هل أبدأ من (أولاد حارتنا) أم من شعر بدوي الجبل أم من (مدن الملح) أم من (زمن الكوليرا) أم من (الإخوة كرامازوف) أم من…؟
15 – ما هو الكتاب الذي حلمت أن تكتبه ولم تتح لك الفرصة لكتابته بعد؟
يرفض الجواب هنا أن يخرج إلى العلن. دعه إذن في غيابة السر.
16 – كيف يرى الإنسان نبيل سليمان المبدع نبيل سليمان؟
شغّيل وحالم وعاشق 24/24.
17 – ماذا تضيف الجوائز الأدبية للكاتب (ة)؟ وهل تراها مقياساً حقيقياً للنجاح الإبداعي؟
تضيف الجوائز المحترمة اعترافاً بمنجز الكاتب (ة) وتقديراً، كما توفّر له أحياناً قدراً من الشهرة والرواج والمردود المالي، بالتالي قدراً من السعادة. والجوائز المحترمة واحد من مقاييس النجاح، يكبر أو يصغر، يخطئ أو يقصر أو يتأخر أو يصيب.
18 – ما هي مشاريعك المستقبلية على الصعيد الإبداعي؟
هنا أيضاً يرفض الجواب أن يخرج إلى العلن، وإن غداً لناظره قريب.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي