الرئيسية / الأعداد /  تشاكل تيمة الاحتراق، والفناء والبعث في نص: ” أوراق من رماد العنقاء ” من المجموعة المسرحية “سفر على أجنحة من خيال: أربعُ مسرحيّات تجريبيّة للفتيان (12- 18 سنة) ” لمحمد العمراني – عبد الصمد حمزة

 تشاكل تيمة الاحتراق، والفناء والبعث في نص: ” أوراق من رماد العنقاء ” من المجموعة المسرحية “سفر على أجنحة من خيال: أربعُ مسرحيّات تجريبيّة للفتيان (12- 18 سنة) ” لمحمد العمراني – عبد الصمد حمزة

 تشاكل تيمة الاحتراق، والفناء والبعث في نص: ” أوراق من رماد العنقاء ” من المجموعة المسرحية “سفر على أجنحة من خيال: أربعُ مسرحيّات تجريبيّة للفتيان (12- 18 سنة) ” لمحمد العمراني[2].

عبد الصمد حمزة” [1] 

 

  • على سبيل التقديم:

يُعتبر أدبُ الطفلِ عامّة، ومسرحُ الفتيان خاصة، عمليّة إبداعيّة صعبة ومستعصية في آنٍ على المُبدع، لأنها تختلف كلّيا عن الكتابة الموجَّهة لشريحة الكبار من المتلقّين، وتكمن هاته الصّعوبة في كونها تستدعي مهارات إبداعية عديدة لإنتاج أدب يُلَبّي حاجيات الطفل، ويُشبع غرائزه النفسية والشعورية والفكرية.. ومن ثمّة بناء هذا الطفل على نحو رشيدٍ ليُصبِحَ رجل الغد الذي يُعوِّل عليه المجتمع في جميع حاجياته الطارئة وغير الطارئة. من هذا المنطلق يُمكننا القول: إنّ كاتب النصّ المسرحيّ الجيّد، الموجّه للفتيان، ينبغي عليه أن يكونَ قريبا منهم، يفهمهم، ويشعر بهم، يعيش عالمهم الفتيّ، ويغوص في أعماقهم، يفهم نفسيتهم، ويقرأ حركاتهم وسكناتهم، ويستشفّ من كلماتهم مخاوفهم وهواجسهم.. ومنه يشرعُ في عمليّة الكتابة، فيبحث عن أقرب طريق مشرع أمامه لإيصال الفكرة الواضحة باللفظ السّلس البسيط، بعيدا عن تعقيدات اللغة والعلامات والرموز.. بشكل قريب من واقعهم المعيش، كمرآة عاكسة لهذا الواقع، ليست مرآة مَجْلُوّة ًله، بل مرآة واضحة المعالِم، تعكس الواقع بعنفٍ على الصّفحة البيضاء في مرحلة أولى.. ثم على خشبة المسرح في مرحلة ثانية.

والمسرحية قبل أن تُعرض على خشبة المسرح تكون عبارة عن فكرة عائمة في ذهن المُبدع، تسبح بين حدود الممكن والكائن والمُستحيل، وترجمة هذه الفكرة على الورقة البيضاء الفارغة التي تحتضنُ ذلك الصراع الأزليّ المعروف الكائن بين اللون الأبيض والأسود، الأبيض: لون الورقة البيضاء العذراء الفارغة، والأسود لون حبر الكتابة، هذا الحبر الذي يفتضّ عذرية الورقة من خلال تنزيل الفكرة من عالم الفكر السّديميّ إلى عالم الواقع، تكون من خلال إيجادها بالقوة والفعل بواسطة اللغة، فاللغة إذن أساس البناء المسرحي، وهي الدّعامة الأساس للكتابة المسرحية. و يقول “محمد غنيمي هلال” في كتابه “النقد الأدبي الحديث”[3]: ” دعامته الأولى [أي النص المسرحي] استنفاد طاقات اللغة في دقة الاختيار للعبارة، وإحكام الصياغة من غير تكلّف، أو حُلّيّة مُصطنعة “، وهذا بالتحديد ما ميّز هذه النصوص المسرحية المُعَنْوَنَة بــ”سَفَر على أجنحة من خيال “، حيث كُتِبت بلغة سلسة مفهومة وقريبة لأفهام المتلقين الفتيان والكبار على حد سواء، بل إنها استدعت أسلوب السجع في مساحات نصّيّة واسعة للتعبير عن الأحداث بلغة فيها ما فيها من الإيقاع والجرس الموسيقي اللذيذ المُحفّز على القراءة في مرحلة أولى، وعلى الحِفظ في مرحلة ثانية، ومردّ هذا الأمر إلى كاتب هاته النّصوص الذي يُمارس الشعر إبداعا، والرواية والقصة إبداعا ونقدا.. خَبِرَ اللغة فطوّعها بقلمه، يُعبّرُ بها كيفما شاء، وأنّى شاء، ولأيّ غرض شاء.

ومن كلّ ما سبق ذكره تجلّت هذه النصوص المسرحية إبداعا أدبيا فريدا من نوعه، مشحونا بالدلالة، ومتضمنا لقيم إنسانية سامية تُخرج الإنسان من العالم الذي ألفه، عالم النّفاق والعهر والجهل والدّناءة والشر.. لتُسَاكِن قيما إنسانية سامية يغلب عليها طابع الانتصار للخير والفضيلة، مُنَادِيَة إيّاه، في متنها المسرحي، بقولها: ” يا ظَلاَمُ زِلْ إلى متى تبقى للعين رداء؟ “[4]

 تشاكل تيمة الاحتراق، والفناء والبعث في نص: ” أوراق من رماد العنقاء ” لمحمد العمراني.

     ”  هناك بعيداُ في بلاد الشرق السعيد البعيد تـُفـْتَـح بـوابــة الســمــاء الضخـمــة وتَسْكُبُ الشمـس نورهـا من خلالها، وتوجد خلف البوابة شجـرة دائمة الخضرة.. مكان كله جمال لا تسكنه أمـراض.. ولا شيخوخة، ولا موت، ولا أعمال رديئة، ولا خوف، و لا حـزن. وفـي هـذا البستان يسكن طائر واحد فقط، العنقاء ذو المنقار الطويل المستقيم، والرأس التي تزينها ريشتان ممتدتان إلى الخلف، وعندمـا تستيقظ العنقاء تبدأ في ترديد أغنية بصوت رائع.

وبعد ألف عام، أرادت العنقاء أن تولـد ثانيـة، فتركت مـوطـنها وسـعـت صـوب هـذا العالم، واتجهت إلى سوريا واختارت نخلة شاهقة العلو لها قِمّة تصل إلى السمـاء، وبَنَتْ لـهـا عُـشاً.

بعـد ذلك تمـوت في النار، ومن رمادها يخرج مخلوق جديد.. دودة لهـا لـون كـاللبـن تتحـول إلـى شـرنقـة، وتخـرج مـن هـذه الشـرنقـة عـنقاء جـديدة تطـير عـائدة إلـى موطـنها الأصلي، وتحمل كل بقايا جسدها القديم إلى مذبح الشمس في هليوبوليس بمـصــر، ويحيـي شـعـب مصـر هـذا الطـائر الـعـجـيب، قبل أن يعـود لبلده في الشـرق”.

تِلْكُم كانت أسطورة طائر العنقاء/ الفينيق الذي ينبعث من الرّماد كما ذكرها المؤرخ والرّحّالة أبو التاريخ اليوناني “هيرودوت”، الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، في كتابه “تاريخ هيرودوت” الذي يُعتبر أول سرد كبير للتاريخ بالمعنى العام لهذه العبارة، وقد اختلفت الروايات التي تسرد هذه الأسطورة بين حضارة وأخرى.. إلاّ أنها تتفقُ جميعها حول سمات هذا الطائر الخُرافي العجيب، تتفق في كونه شبيها بنسر يكسوه ريش ذهبي محمر وكأّنه مغطى بهالة من اللهب (كما هو واضح في صورة غلاف هذه المجموعة).. وعندما تحين ساعة موته يَعْمَدُ إلى إقامة عشّه من أغصان أشجار التوابل، ومن ثم يضرم في العش النار التي يحترق هو في لهيبِها..  وبعد مرور ثلاثة أيام على عملية الانتحار تلك ينهض من بين الرماد طائر عنقاء جديد.

وقد ارتبطت أسطورة العنقاء أو طائر الفينيق أشدّ الارتباط بالحضارة الفرعونية القديمة، وأصبحت رمزا للموت والحياة، يوحي على التّوق إلى الخلود وعدم الموت، وإلى فكرة البعث بعد الفناء.

وليس شيئا مجانيا أو اعتباطيا أبدا أن يُعنوِنَ الكاتب “محمد العمراني” النص، موضوع هذه المقال، بـ”أوراق من رماد العنقاء”.. فالعنقاء في هذا النّصّ هو الكِتَاب، تقول شخصية (هولاكو): ” ماذا يفعل هذا الكائن الغريب بيننا؟ انظروا لهذا المخلوق الفوضوي من الورق والحبر الجاف؟”[5].. وتردّ عليه شخصية (ابن رشد) قائلة: ” لقد كُنَّا نسمع أنّه سيعود بعد مئات السّنين، إنه العنقاء “[6]. ويقول هو نفسُه الكِتاب، باعتباره شخصيّة مُشاركة في الأحداث، : “أنا المُنبعث من رماد السّنين، أنا عنقاء الزّمن، وريشي سيجدّد عهده بالأصدقاء، أنا الكتاب ابن الشّمس، أنا الورق ابن الشجر، والشجرة ابنة الأرض.[7]

فالعنقاء أو الكتاب انبعث من جديد في القرن الواحد والعشرين – زمن أحداث النص المسرحي – من الرّماد الذي صَيَّرَهُ فيه القائد المغولي “هولاكو” زعيم التّتار لمّا أحرق مكتبة بغداد عام (656 هـ)، وقد كانت أعظم مكتبات الدنيا آنذاك، وقِبلة العالَم في المعرفة والعلم، حيث جُمِعت فيها مختلِف أنواع العلوم والآداب والفنون.. وهذه الحادثة خدشتْ حقل المعرفة والفكر منذ ذلك الوقت إلى الآن.. بل عطّلَته لزمن ليس بالقصير، لأن تلك الكُتُب كانت تُعتبر من أمهات الكتب في العالم، ومن نتاجات العلماء الأوّلين التي تُعتبر أساس المعرفة العلمية والفكريّة التي يعتمد عليها الباحثون في أبحاثهم ودراساتهم، ففي أعقاب تلك الفترة شهدت بغداد فترات مظلمة وكالحة نتيجة إبادة الكتاب، وحرق المكتبات، وقتل العلماء، والدفع بهم إلى الهجرة عن بغداد.. وإنّ تغيّر لون نهر دجلة كلّيا بسبب مداد الكتب التي ألقيت فيه.. وبسبب دماء القتلى.. لأشدّ تعبيرا عن الإبادة المُدمّرة التي مرّ منها تاريخ المعرفة والفكر العربي.

وإن العودة المفاجئة للكتاب الآن، زمن أحداث النص المسرحيي، بعد المجزرة التي ارتكبها “هولاكو” سابقا أصابته بالذعر لحظة رؤيته أمامه، تقول شخصية “هولاكو” في النص: ” ليس العنقاء، سبق لي أن صادفته في إحدى الغزوات التي قدتُها.. إنّه عدو قضيتُ عليه وعاد، سأجرّدهُ من غلافه، سأحرقه… سأحرقه،”[8]  مع تَكرار الوحدة المعجمية (سأحرقه) مرّتين بشكل مقنّن وواعٍ فرضه منطق الأحداث، وهذا التَّكرار يدلّ على مُحاولة إقناع الشخصية لنفسها بضرورة القيام بهذا الفعل، الآن وليس فيما بعد، وترسيخه في ذهنها، كي لا تتردّد، بعد ذلك، وترجِع عن فعل القيام به، نظرا لأنها قلقة، متوترة ومضطربة من رؤيتها لهذا العدو، العدو الذي هو من ورق !!!، وهذه الوحدة المعجمية (سأحْرِقُهُ) تتكوّن من حرف السين الدّال على الاستقبال، والفعل المضارع (أحرِقُ) الذي يدلّ على حدث، يقع، أو سيقع، لحظة الانتهاء من الكلام، والضمير المتصل الهاء الدال على المفعول به (الكتاب).. أي أن فعل الحرق هو فعل كائن لا محالة بالكتاب، وقد تحقّق فِعلا هذا الفعل بعد مساحة نصية لا بأس بها، بعد حوالي ستّ  صفحات، إذ يقول “هولاكو” ساخرا بصوته القويّ مكسرا الجدار الرابع: ” هيّا أيّها الجمهور، صوّروا مشهد الحرق.. هههه ههههه إنها المحرقة الجديدة، اِستبقوا هذا الحدث الصّحفي، سيبدأ السّلخ الآن، سنُعيد ترتيب التّاريخ هههه”.[9]

وقد قال في موضع آخر له: ” اللعنة سأقطّعه إربا إربا.. يرمي الكتاب إلى الأرض ويقطع بعض الأوراق ثم يدهسه.. انظروا، عليه أن يدفع ثمن وقوفه أمامي، أنسيَ من أنا؟ أنا هولاكو، زعيم التّتار، أنا حارق الورق، أنا عدو العلم والمعرفة”.[10] .. وما يلبثُ “هتلر” إلى أن يتدخّل في المشهد ليُشاطر “هولاكو” الرّأي قائلا: ” نعم يا هولاكو يجب أن نعيد محاكمة هذا اللعين”[11] ثم بعد ذلك يُردف “هتلر” قائلا بصوت مُرتفع صاخب: ” سنذبح هذا القزم العاجز ونُعيدُ للّزمن الآلي سطوته، فإن لم نفعل، فإنّ لهذا الوحش قوّةً وسرّا ما يُخفيه” [12]، وإنّ سرّ الكتاب يكمُنُ في توعية الناس وتنوير فكرهم وفتح مداركهم وآفاقهم واسعا، وإنّ الطغاة، على مرّ التّاريخ، عادة ما يدركون هذا الأمر، ولذلك يبحثون عن وسيلة ما لقهقرة وعي الشعوب والمجتمعات، وثنيهم عن المناداة بقيم الدمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والحرّيّة والمساواة.. فيهتدون إلى خطّة حرق الكتب التي تحمل أفكار التمرّد عن الفكر السّائد، والتي تبشر بالتغيير، وتطرح ما يخالف الأفكار المُسلّم بها، ورغبةً كذلك في محو أسماء المفكّرين والأدباء والفلاسفة والشعراء من الذاكرة الجمعية للشعوب ومن التاريخ إلى الأبد.. وهذا ما فعله نفسه النّازي “هتلر” في العاشر من مايو من عام 1933م، عندما أمر مساعده “جوزيف غوبلز” بتدشين مهرجان حرق الكتب في الساحة العامة في برلين، فألقى هذا الأخير أول كتاب في المحرقة، ثم تبعه في ذلك عدد مُهول من الطلبة والشباب المتعصّب للأفكار الألمانية النّازية فألقوا الكُتب التي حملوها معهم للمحرقة، إنه “هولوكوس الكُتُب”، فتعالت الأصوات وتناغمت كأنها صوت واحد يردد عبارة: “لا للانحطاط، لا للفساد الأخلاقي”، ويغنّون جماعة: “ألمانيا فوق الجميع، فوق كلّ شيء في العالم، وحدة، عدالة، حرية”. حُرق إذن أزيد من خمسةٍ وعشرين ألف كتاب في ذلك “الهولوكوس الورقي”، وقد كانت أغلب الكُتُب المحروقة تعود لـ “إرنست همنغواي”، “كارل ماركس”، “برتولد بريخت” ، “هاينريش مان” ، “توماس مان”..  وغيرهم كُثُر ممن وُضعت أسماؤهم في القائمة السوداء من طرف الحزب الحاكم المتعصّب ..

ولا ننسى شخصية دمويّة أخرى تأخّرت قليلا عن الظهور في المشهد المسرحي، تنضاف إلى الشخصيتين الدّمويتين السابقتين اللتين التصق بهما فعل الحرق، إنها شخصيّة “دعشوش” التي ترتدي فُوقية سوداء، وعمامة سوداء، ولحية شهباء، وتضع حزاما ناسفا.. ولا يخفى علينا ما للّون الأسود من دلالات عديدة سوداوية ترمز عادة، إلى الشر، الموت، الدمار، الفناء، العذاب، الظلمة والخوف.. وإنّ تأخير الكاتب “محمد العمراني” لظهورها، وتقديم شخوص أخرى قبلها، لم يكن شيئا اعتباطيا أو مجّانيّا بالمرّة، إنما هو تأخير ذكيّ وواعٍ اتّسق ومنطق الأحداث.. وذلك لحاجة في نفس الكاتب قضاها، فليس شيئا عشوائيا تقديم شخصيات أخرى تولّت زمام الأحداث والحوار في بداية المشهد كهتلر، وهولاكو، وأحمد شوقي، والمتنبي، إلى حين توجيه “هتلر” سؤالا لـ”دعشوش” يقول فيه: “ومن أنت يا صاحب اللحية المتشدّقة والشعر الطويل”[13].. فيجيب هذا الأخير قائلا: “ألا تعرف أخاك دعشوش ناسف الباطل”[14] مُعلنا بجوابه هذا عن دخوله في المشهد.. ثم لتكون أول شخصية تُعقّب على كلامه هي شخصية “ابن رشد” الذي يرتدي فوقية بيضاء، وله لحية بيضاء طويلة، قائلا: “إذن من سلالة الفكر المتطرّف، أعداء العلم والفكر الحرّ!”[15].. إذن فسبب تأخيره عن الظهور في المشهد يعود لرغبة الكاتب في اتصاله وإقرانه مُباشرة بـ”ابن رشد”.. الذي يرمز في هذا النص إلى الخير والسلام والسلم.. فهو التقاء بين متناقضين.. التقاء بين التخلف والجهل والظّلام الفكري، وبين العلم والمعرفة والنّور.. ونجدُ لهذا الالتقاء صدى في التّاريخ، حيث تَعَرَّضَ الفيلسوف “ابن رشد” لمحن كثيرة في حياته لعلّ أعنفها حادثة حرق كُتبه عام (1195م)، وذلك بأمر من الخليفة “يعقوب المنصور” الذي اتهم “ابن رشد” بالزندقة بسبب آرائه الفلسفية التي رأى فيها الخليفة، بدون وَعْيٍ منه، معارضة للدين، بإيعاز من بعض المعارضين الذين كادوا له المكائد، واتهموه بالإلحاد والكفر، وتمّت محاكمته من قبل علماء الدين، الذين اتهموه بمعارضة العقيدة الإسلامية، وقد كان يوم حرق كتب “ابن رشد” يومًا مشهودا وحزينًا في تاريخ الفكر العربي الإسلامي، إذ فقدت الحضارة الإسلامية بذلك أحد أعظم فلاسفتها بفقدانها لأهم كُتبه الفلسفية، وقد دافع “ابن رشد” عن نفسه أمام المحكمة، ولكنه لم يستطع إقناع القضاة، فانتهت المحاكمة بإدانته، وحرق كُتُبه، ثُمّ نفيه لينتهي به المطاف بـ”مراكش”، وإصدار مرسوم يَنهى المسلمين عن قراءة أي من كتب الفلسفة أو الاهتمام بها، وقيل أنه توفي مسموما في مراكش سنة (1198م)، قبل أن يُنقل رُفاته، فيما بعد، إلى قرطبة مسقط رأسه.

وها هو الآن، في الزمن الحاضر، زمن كتابة النص المسرحي، يلتقي مرة أخرى بجلاّذِيه الذين ينوب عنهم “دعشوش” ليُسائلهم عمّا فعلوه به سابقا، وبكتبه لمّا أحرقوها وجعلوها رمادا تَذْريه الرياح، لكنهم لا يزالون في ريبهم يتردّدون، يقول دعشوش: “أيها الزنديق، لا وجود لفكر حر في دولتنا دولة البغدادي.. أنا مع كل خارِجٍ عن ملة هؤلاء المنافقين، الذين وجب التصدي لفكرهم وكتبهم “[16].. فيُعالجُهُ “ابن رشد” قائلا: “إنه من خفافيش الظلام أصحاب العقول المُعتمة “[17].. ثم يدعو “دعشوش” أصدقاءه الدمويين إلى محاكمة الكتاب مرة أخرى بقوله: “نعم يا إخوة، سنقطع رأس هذا الشيطان الذي يُضلّل النّاس عن الطّريق المُستقيم “[18].. ويردف قائلا في موضع آخر له: “إنه لجهاد أو استشهاد ضدّ أشرس أدوات التّكفير، عياذ بالله التفكير، هيا يا هولاكو فَلَكَ أجر سفك هذا الشيء”[19].. ” أحرقاهُ كما أحرق أسلافي كُتُبَ هذا المارق ابن رشد.”[20]

لكن رغم ما لحق الكتاب من نسف وتنكيل وتدمير إلاّ أنه في نهاية أحداث النّصّ استعصى على الموت، والزوال، والفناء، فهو عنقاء، كلما احترقت إلاّ وبُعِثتْ من جديد، من رمادها نفسِه، وتجدّدت متحدّية رمادَها.. يقول الهاتف، وهو شخصية مُشاركة في الأحداث، : “لقد وثّقتُ مشهد احتراقكَ بنفسي، هذا مستحيل،”[21] فيجيب العنقاء/ الكتاب: ” أنا المنبعث من رماد السّنين، أنا عنقاء الزمن، وريشي، سيجدد عهده بالأصدقاء، أنا الكتاب ابن الشمس، أنا الورق ابن الشجر، والشجرة ابن الأرض”[22] ، ” هل ظن أتباعك أنني اندثرت للأبد؟ (ثم يبتسم)، أنا هنا لا أموت أبدا، والنار مهما بلغت حرارتها لا تزيدني إلاّ تجدّدا، أمَا سمعتَ عن عصفور النّار؟ أنا هو؟ “[23] ويُردِفُ قائلا: ” لا تكن وقحا فأنا الحياة، أنا الخلود، أنا قاهر اللّهب ودعاة الخراب، أنا من صَبَّتْ لعنتي على هيفيستوس إله النّار، أنا عشبة جلجاميش “[24]. لهذا فالكتاب حيّ أبدا لا يموت ولا يزول.. رغم أن أعداءه يريدُون زواله من الوجود كي يعمّ التّخلّف، ويسود الجهل، وتنتشر الأمّيّة، إلاّ أنه عنقاء مهما طال زمانُ موتها حتما آتية ومُنبعثة من جديد.

ومهما يكن من أمر فإن تراكم مجموعة من الوحدات المعجمية من قبيل:

  • سأجرّده من غلافه، سأحرقه.. سأحرقه.
  • سألعب معه لعبة العرش، إمّا أنا أو هو، سأُكَوِّرُهُ وأذيبهُ في الماء وأعذّبه قبل أن أحرقه نهائيا وأذرّ رماده في الماء ثانية.
  • وسّعوا دائرة الحكاية سنشعل النار في صفحاته الآن.
  • دعاني.. دعاني سأفخّخه وأفجّره.
  • دعنا نستمتع بحرقه.
  • هيا يا صديقي أحرق بعود الثقاب، هيا أيها المجانين.
  • أحرقاه كما أحرق أسلافي كُتُب هذا المارق ابن رشد.
  • يأخذ هتلر الكتاب لإحراقه فيبدأ تجاذب الكتاب بين الطرفين.
  • هتلر وهولاكو ودعشوش: سنحرقه.
  • يأخذ هولاكو عود الثقاب ويشعل النار في سطل الحديد ثم يبدأ حرق غلاف الكتاب.
  • هولاكو ساخرا بصوته القوي: هيّا أيها الجمهور صَوِّرُوا مشهد الحرق.. هههه ههههه إنها المحرقة الجديدة.
  • احترقي أيتها السطور، أيتها الحواشي، أيتها النقاط والفواصل، أيها اللهب أنا أبوك اشرب هذا الورق.
  • أيها الفلاسفة، أيها المفكرون، انظروا إلى صديقكم، إنه يحترق.
  • هتلر وهولاكو ودعشوش: يقتربون ليحسوا بدفء نار الحريق.. بنار الكتاب.
  • مكتبة بغداد التي أحرقها هولاكو. مكتبة الموصل التي أحرقها المتطرفون الإرهابيون.
  • أنا ما أحرقوا غرناطة، في البوسنة في كابول والصين وألمانيا.. وفي كل مكان.

هذا التراكم لهذه الوحدات المعجمية يُولّد مقوما سياقيا يعدّ قاسما مشتركا لمقولتين سياقيتين، فهذه الوحدات المعجمية تحيل إلى مقولتين سياقيتين هما: وصف مشاعر البغض والكره التي يُكِنّها المتطرفون للكتاب، و كذا وصف حالة التّدمير التي لحقت الكتاب من طرف أعدائه بواسطة الحرق، لكنها تولّد مقوما يعدّ قاسما مشتركا لكل هذه الوحدات، وهو “احتراق الكتاب”، فكل هذه الوحدات المُتراكمة بشكل حشوي مُقنَّن وواعٍ يفرضه منطق الأحداث تُحيلُ على آثار (معنى) يُمكنُ إجمالها بالقول: ” صراع الأعداء مع الكتاب عبر التّاريخ إلى الآن “، و هي آثار سياقية تُكوّن مقولة تصف حالة التّدمير والحرق التي لحقت الكتاب، يمكن أن يجمع بينها قاسم مشترك هو المقوم السياقي: ” الفناء والبعث من رماد العنقاء بعد الاِحتراق”. و يؤدي المقوم السياقي وظيفة أساسية على المستوى الدلالي، فالتوارد المُتكرِّر لمقوّمات سياقية منتمية إلى نفس المقولات السياقية، يضمنُ إزالة كل أنواع الإبهام والغموض المُحتملة بالنسبة لأقوال الخطاب، مما يؤدي إلى قراءة مُنسجمة و موحدة له.

قائمة المصادر والمراجع:

  1. غنيمي محمد هلال: النقد الأدبي الحديث، دار العودة، بيروت، 1973.
  2. محمد العمراني، سفر على أجنحة من خيال: أربعُ مسرحيّات تجريبيّة للفتيان (12- 18 سنة)، مطبعة وراقة بلال، الطبعة 1، فاس، المغرب، 2025.

 

[1] . عبد الصمد حمزة:  كاتب وناقد من المغرب.

[2] . العمراني محمد: أستاذ اللغة العربية بالتعليم الثانوي الإعدادي، روائي وقاص مغربي، وعضو مختبر اللغة والأدب والترجمة بالكلية المتعدّدة التّخصّصات تازة، وعضو مركز روافد للأبحاث والفنون والإعلام بخنيفرة، وحاصل على جائزة الشارقة للإبداع الروائي 2023 – المرتبة الأوبى، وجائزة الرافدين للقصة القصيرة 2022، ووكالة خبر الدولية للقصة القصيرة 2021، وجائزة ديوان العرب.. وجوائز أخرى في النقد والشعر والمسرح، وكاتب مقالات في مجلاّت عربية ومغربيّة.

[3] : غنيمي محمد هلال: النقد الأدبي الحديث، دار العودة، بيروت، 1973، ص: 660.

[4] : العمراني محمد ، سفر على أجنحة من خيال: أربعُ مسرحيّات تجريبيّة للفتيان (12- 18 سنة)، مطبعة وراقة بلال، الطبعة 1، فاس، المغرب، 2025،  ص: 74.

[5] : العمراني محمد ، سفر على أجنحة من خيال: أربعُ مسرحيّات تجريبيّة للفتيان (12- 18 سنة)،  مرجع مذكور، ص: 27.

[6] : نفسه: ص: 27.

[7] : نفسه، ص: 43.

[8] : نفسه، ص: 27.

[9] : العمراني محمد ، سفر على أجنحة من خيال: أربعُ مسرحيّات تجريبيّة للفتيان (12- 18 سنة)،  مرجع مذكور، ص: 33.

[10] : نفسه، ص: 28.

[11] : نفسه، ص: 29.

[12] : نفسه، ص: 31.

[13] : نفسه، ص: 25.

[14] : نفسه، ص: 26.

[15] : نفسه، ص: 26.

[16] : العمراني محمد ، سفر على أجنحة من خيال: أربعُ مسرحيّات تجريبيّة للفتيان (12- 18 سنة)،  مرجع مذكور، ص: 26.

[17] : نفسه، ص: 26.

[18] : نفسه، ص: 29.

[19] : نفسه، ص: 30.

[20] : نفسه، ص: 32.

[21] : نفسه، ص: 43.

[22] : نفسه، ص: 43.

[23] : نفسه، ص: 44.

[24] : نفسه، ص: 44.

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً