الرئيسية / الأعداد / الحب بين الأمل والدمار/ الواقع والاستشراف قراءة في مجموعة اليوميات القصصية «وداع» للكاتبين الشابين حياة عبيل وأمين مبتسم – محمد بوشيخة

الحب بين الأمل والدمار/ الواقع والاستشراف قراءة في مجموعة اليوميات القصصية «وداع» للكاتبين الشابين حياة عبيل وأمين مبتسم – محمد بوشيخة

الحب بين الأمل والدمار/ الواقع والاستشراف قراءة في مجموعة اليوميات القصصية «وداع» للكاتبين الشابين حياة عبيل وأمين مبتسم

محمد بوشيخة*

 

تمهيد

تروم هذه الفسحةُ القرائيةُ استجلاءَ القيمِ الفنيةِ والدلاليةِ في مجموعةِ “وداع” للكاتبين حياة عبيل وأمين مبتسم، تركيزا على ما توحي به النصوصُ نفسُهَا، في عباراتها وأساليبها وإوالياتها، أو توحي به النصوصُ عبر سيرورات الفهم والتفسير والتأويل، مما تسمح به القراءةُ عبر ربط النصوص بالواقع وقضايا المجتمع وأحوال الناس، في المواضيع المثارة أو المستفزة في ثنايا الخطاب القصصي.

ولعل أولى الملاحظات التي يمكن تسجيلها أثناء التَّعَرُّضِ لقراءة هذه النصوص خُلوُهَا من معلومات النشر، فلا إعلانَ عن دارِ النشر، ولا دارِ الطبع، ولا سنةِ النشر، ولا يدري القارئُ هل ذلك مُتَعَمَّدٌ أو يرتبط بغيابها الفِعلِي؛ إِذْ تَكَفَّلَ الكاتبان بطبعِها، ورغِبَا في جعلِهَا مبتورةً من ذلك عَمْدًا وتَقَصُّدًا. مع ما لتحديد تلك الموجِّهَاتِ من دلالاتٍ تَـخدُمُ القراءةَ والفحصَ، خاصةً سنةَ الصدورِ، ترتيبًا على أن النصوصَ يومياتٌ، وتَتَّصِلُ بتيمَةِ الفِراق/ الوداع. فمتى كان الوداع؟ أو على الأقلِّ الإعلانُ عن الوداع! فتحديدُ الزمانِ يُسَاعدُ على ترهينِ القراءةِ بمعطياتِ وظروفِ القيمةِ المهيمنةِ على فعل الإبداع.

وإذْ أُسَجِّلُ هذه الملاحظاتِ فللإشارةِ إلى أنَّ قراءةَ نصوصِ/ يومياتِ المجموعةِ (قد) يشوبها بعضُ الانحرافِ الدلالي إذا لم تُـمَكِّنِ النصوصُ قُرَّاءَهَا من نفسِها، فتحتاجُ إلى ربط المعنى بالزمان، وبالذاتِ المبدعةِ في لَـحْظَاتٍ محددة. أقول هذا الكلام وأنا لم أقرأ النصوصَ بَعْدُ، مُتَعَمِّدًا هذا الاستباق القرائي؛ إِذْ أسعى إلى تقديم افتراضاتٍ أوليةٍ في النصوص الموازيةِ التي تُؤَثِّتُ فضاءَ المجموعةِ/ اليومياتِ القصصيةِ.

1- قراءات قبلية في النصوص الموازية

1-1- العنوان

يَتَصَدَّرُ المجموعةَ/ اليومياتِ القصصيةَ عنوانٌ دالٌّ، يشي بـ«الوجع» و«الألم» الَّلذَيْن يعكسان معنى «الفراق»، وفي تنكيره -ربما- يتقصد الكاتبان تعميمَ دلالتِه، لا حصرَهَا في علاقةٍ ثنائيةٍ معلومةٍ ومعروفةٍ، وإلا لكان الأولى تعريفُهُ (الوداع). وهو مما تخبرنا به اللغةُ في بناها التركيبيةِ. يَتَحَصَّلُ «الألـمُ» و«الوجعُ» كذلك في التقطيع الحرفي الذي أخضعا له بنيةَ العنوانِ، وعَكَسَا فيه اتجاهَ الكتابةِ من الأسفل إلى الأعلى. فالوداعُ مُرتَفِعٌ وصَارخٌ وصَادِمٌ ومُوجِعٌ، وبالتالي لم يكن «قدرا» مُنَزَّلًا، بل له مُسَبِّبَاتٌ ودَوَاعٍ قَبْليَّةٌ، جعلته معجونًا بدماء الجراح والعذاب الَّلذَيْن اعترى علاقةً ما؛ نفترض أنها غراميةٌ بمنطقِ أنَّ رجلًا وامرأةً هما كاتبا نصوصِ المجموعةِ، وتلك أبعادٌ تؤكدها الواجهةُ التي يمتزج فيها اللونُ الأسودُ باللون الأحمر؛ الورودُ بالبؤسِ، أو الحبُّ بالدمار، أو الإشراقُ بالإظلامِ… إلى غير ذلك من الثنائياتِ الدالةِ على المفارقةِ بين الجمالِ والقُبْحِ، بمنطقِ ما يحمله اللونان من دَلَالَاتٍ في معجمنا العربي، بناء على ما أتاحَتْهُ الطبيعةُ الصحراويةُ للإنسانِ العربي في تشكيلِ لغتِه المعجميةِ.

1-2- الصفحة الرابعة

تتضمن الصفحةُ الرابعةُ نصًّا مكثفا ودالا؛ فـ«الوداعُ» رديفُ «الغربةِ» (=غرباء)، و«النهايةُ» (=على بُعْدِ خطوةٍ واحدةٍ من النهاية)، و«الاشتياقُ» (=اشتقتُ)، ثم «الكذبة البيضاء»، و«الحب»[1]… كُلُّهَا مفرداتٌ تندرجُ في معجمٍ إنسانيٍّ يَدُلُّ على «الألم» و«الفراق» بعد لقاءٍ مُتَّسِمٍ بالحب والجمال والصحبة الممتدة عبر الزمان والمكان. لعل ذلك مما يؤكدُ مدلولَ العنوانِ في جوانبِه اللغويةِ والدلاليةِ والتداوليةِ.

تَعَمَّدَ الكاتبان (أو الناشر الذي لم تُذكَر هويتُه في الكتاب) إيرادَ صُورَتَيْهِمَا أسفل النص: حياة عبيل وأمين مبتسم، ولعلَّ المفارقةَ التي تشي بها الصورتان والاسمان، أنهما، وَفْقَ مَنطِقِ القَلبِ/ التقابلِ، القائم على الملاحظةِ السيميائيةِ، يقومان على تيمةِ «المخالفة»، فـ«حياةُ» هي التي تبتسم في الصورةِ، وليس «أمين مبتسم»، و«حياة عبيل» (نفترض أنها موضوعُ الوداع والفراق) تتجسدُ في صورةِ المفارِق: «أمين». بمعنى أن التشاكلَ السميائيَّ بين الاسـْمَين والصّورتَيْن لم يُعْفِ من الوداع والفراق، افتراضًا، ولا أدري هل تُؤَكِّدُ ذلك النصوصُ التي سَنَنفَتِح على قراءتها في هذه الورقةِ أو تسلكُ منحًى مختلِفًا عن التحليلِ والتأويلِ الـمُفتَرَضَيْن؟

1-3- الإهداء والمقدمة والتقديم

تَصَدَّرَ المجموعةَ/ اليومياتِ القصصيةَ إهداءان للكاتِبَيْن: حياة عبيل وأمين مبتسم ثم مقدمة لمحمد ابن المليح وتقديم للكاتبين.

يختزن الإهداءان (الأول لأمين مبتسم والثاني لحياة عبيل) اعترافا صريحًا بقيمةِ الآخر في نسجِ علاقةِ حُبٍّ وغَرامٍ، بل وفي دافعيةِ الكتابةِ في صورة قصصٍ يوميةٍ أو يومياتٍ قصصيةٍ؛ “فكلُّ كلمةٍ هنا تحمل بصمةً منكِ (…) إليكِ يا من أعَدتِ تعريفَ العِشقِ في قاموس قلبي”[2]. يقول أمين مبتسم، ثم “لم يسبق لي أن وضعتُ مشاعري على الورق بهذه الجرأة، لكنكَ يا أمين –تقول حياة عبيل- كنتَ أنتَ الشخصَ الذي علمني كيف أطلق مشاعري من قيد الصمت (..)، كل ُّكلمةٍ سَطَّرتُهَا هنا كانت تَنْبِضُ من أعماق قلبي قبل أن تَتَشَكَّلَ في عقلي، كانت وليدةَ الحبِّ الذي نَبَتَ بيننا منذ أول حديث جمعنا…”[3].

اكتَفَتِ المقدمةُ، التي وَقَّعَهَا محمد ابن المليح، بوصفٍ عامٍّ لعناصرِ المجموعةِ، مشيرا إلى أنها تأليفٌ ثنائيٌّ، موضوعُهَا الحبُّ والعشقُ والتعبيرُ بأنواعه… وأحيانًا -يقولُ- الخيانةُ، … وغير ذلك. لم أفهم من الكاتب معنى «التعبير» موضوعًا من مواضيعِهَا، ربما قَصَدَ «البوح» باعتبارهِ قيمةً ركيزةً -قد- تُشَكِّلُ أَحَدَ ركائز هذه اليوميات/ الاعترافات في شكلِ قَصَصٍ أو رسائل.

في التقديم سَعْيُ للتَّبَرُّؤِ، بشكلٍ من الأشكالِ، من وَسْمِ القصصِ بصورةٍ تعكسُ ذاتيةَ الكاتبَيْن، وإِنِ اعترفا، بشكلٍ ضمنيٍّ، أنها تعنيهما، “نحن مجردُ قلمَيْن، وُلِدْنَا من رمادِ خَيْبَاتٍ مُتَراكمَةٍ”[4]، ثم يحكمان على الزمان بضياع إنسانية الحب والعشق، بمسمى “الانقراض”، انقراض المعنى السامي للحب، وتلخيصه في “الجسد والذهب”، ويدعوان، أخيرا، قارئهما (قارئ النصوص) إلى التماهي مع الوضع؛ بمسمى “الظلام”، أو الاستنارة بما يبثانه في رسائلهما لتَجَنُّبِ الخسران والضياع، وبالتالي «النجاةِ»، فممارسةِ الحبِّ والعشقِ بما ينأى بهما عن براثن الشهوة والمال. ترتبط هذه الصورةُ القاتمةُ التي ينسجانها منذ التقديم بما ربطا به اسميهما: «الظل» و«القدر». فالمرأةُ «قَدَرٌ» لا مَفَرَّ منه، أو «العشقُ» الذي لا غِنَى عنه، والرجلُ «ظِلٌّ»، وفي الظِّلِّ تَقبَعُ الخيالاتُ والاستيهاماتُ والهروبُ والتلونُ؛ فهما «ظِلُّ» القَدَرِ و«قَدَرُ» الظِّلِّ؛ مصطلحانِ عصِيَّانِ على الجمعِ، ولذلك كان «الوداعُ» و«الفِرَاقُ»، مما لا ندري هل تؤكدُهُ النصوصُ أو تثور عليه، فتعكس (أو تنقض) رؤيتَنَا الافتراصيةَ في القراءةِ والتحليل والتأويل!؟

2- محكياتُ يومياتِ «ظل» و«قدر»

نركزُ في هذا المبحث على استخلاصِ «بعض» القيم المتَضَمَّنَةِ (الرسائل المشفَّرَة) أو الصريحة (المباشرة والمعلَن عنها) في اليوميات القصصية، ارتباطا بالقِيمَةِ الموَجِّهَةِ: الحب (في وَجْهَيْهَا المتقَابِلَيْن: وفاء أو خيانة). فنبرزُ انحرافاتها أو صفاءها في زمانِ الكتابةِ وما قَبْلَهُ ثم ما بَعْدَهُ، اعتبارا أنها قيمةٌ إنسانيةٌ تَخـَلَّقَتْ مع أولِ ظهورٍ للبشريةِ على أرضِ العبادِ، وتمتدُّ، لا شك، إلى يوم الميعاد.

2-1- الحب جمالٌ ورقيٌّ إنساني

بالنظر إلى القصص اليوميات التي يبدعها المؤلفان؛ نعاينُ قيمًا إيجابيةً تُعْلِي من شأنِ قيمةِ الحب، باعتباره فضيلةً إنسانيةً، تَتَغَلَّفُ بسلوكاتٍ واقعيةٍ يوميةٍ، تَرْعَى نُـمُوَّهَا وديمومَتَهَا في عالَـمٍ مليءٍ بالتقلباتِ والمنغِّصَاتِ…

2-1-1- الحب انتصارٌ للآخر

يتجسد ذلك في القصة-الواقع، أو ما قبل فعل المحكيات/ اليوميات القصصية؛ وأقصد بذلك قِصَّتَي البدء («قدر» و«ظل»)؛ اللتين كتبهما الكاتبان، إعلانا عن علاقةٍ «قدر»يةٍ، محكومةٍ، افتراضا، بالصفاء والنقاء.

يفتتح الكاتبان يومياتهما بالتعبير للآخر عن دواعي الاهتمام بذاته، والانجداب لشخصه، فالحبيبةُ “تدواي بلا ضمادات، وتحيي بلا دماء، كاتبةٌ تستشعرُ عوالمي، وتروي ما كنت أجهل البوحَ به، كأنني في كل مرة أقرأ كتاباتها أجد فيها صدى أفكاري”، ص7، أما الحبيبُ “فكاتبٌ من طراز نادر (…) طموحُهُ لا ينتهي (…) أشبَهُ بعاملٍ سري، له «قدرةٌ» على قراءةِ الملامح والغوص في باطن النفوس”، ص9. إنهما محبان للكتابةِ والإبداع مِقدَارَ حُبِّهِمَا الذي لا يَنْضُبُ.

2-1-2- الحب حلم وخيال

تُظهِرُ ذلك القصةُ الثالثةُ من يومياتِ «قدر» التي تحلم في نومِهَا ببطل قِصَصِهَا، عبر حكايةٍ مُوهمةٍ بالواقع لتكسِرَ أُفْقَ قارئها أخيرا؛ عبر استيقاظها من نومها، في حوار مع أمها “هل حلمتِ مجددا ببطل روايتك؟ [تجيب الساردة]: عندها أدركتُ الحقيقةَ التي غابت عني طويلا؛ اكتشفتُ أنني وقعتُ في حب شخصية خيالية، شخصية تَنبِضُ بين صفحات الكتب فقط، وليست موجودةً في عالمي الواقعي”، ص42.

2-1-3- الحب إلهام

يصرح الكاتبُ أنه مرهونٌ في علاقته مع حبيبتِه للعبةِ «القدر»؛ فهو الذي يَسَّرَ اللقيا وسَطَّرَ حروفَهَا، وجمع بين روحَين تتفقان وتتوافقان في كلِّ سرديةِ الحياةِ، بما فيها الاهتمامُ بفعلِ الكتابةِ، فالحبُّ إلهامٌ، دفع بالكاتبِ إلى شق دربها الشاق، ولعل الحبيبةَ رسولُ إبداعٍ أوحى له بممارسةِ لعبتِهِ على الورق. يقول: “«القدر» قادني إليها، فجمعتنا لغةٌ لا يفهمها إلا مَنْ تَنَفَّسَ الحبرَ وخَاضَ عُبَابَ الكلمات”، ص7.

2-1-4- الحب إخلاصٌ ووفاءٌ وتضحيةٌ

تُصَوِّرُ القصةُ الثانيةُ من يومياتِ «قدر» وَجْهًا من وُجُوهِ الحب النبيلةِ؛ تتجلى في تضحيتهما معا لأجل الحب (حبهما)، ففي ظل الحرب لم يتخليا عن بعضهما، رغم قصر مدة التعارف والتعلق بينهما، خلافَ مَشْهَدِ التخلي الذي عاينته الحبيبةُ في ساحةِ الحرب بين حبيبَيْن آخرَيْن؛ تخبرنا «قدر» أن حبيبَهَا “سَقَطَ على الأرض بعد أن عجز عن الوقوف من كثرة الجراح التي أثخنت ظهره، -تضيف- وسقطتُ معه، وضعتُ رأسي على قلبه الذي خفَتَت نبضاتُه، أمسكتُ جرحَه بيدي وقلتُ: “لستُ طبيبةً مثلك، لكنني دواؤك. لستُ طبيبةً، لكنني أحبك بعمق، وأكملتُ بصوتٍ مُتَهَدِّجٍ: سنعيشُ مَعًا في مكان أجمل، قتلونا في وطننا، ولكن حُبَّنَا سَيَحيَا؛ سَنُثْبِتُ للعالم أن الحب هو أن نحيا معًا أو نموتَ معًا، لأننا روحٌ واحدةٌ”، ص31.

2-2- الحبُّ عذابٌ وشقاءٌ إنساني

يؤرخ الكاتبان ليومياتهما القصصية؛ سعيا لإضفاء الطابع الواقعي عليها، وترهينها بفترات زمنية محددة؛ وأحيانا ربطها بأسماء وتجارب غير ذاتية، باستعمال ضمير الغائب أو بتوظيف أسماء شخصيات مختلفة؛ مع العلم أن اليوميةَ تعني صاحبَهَا، وتتقَصَّدُ التأريخَ لسيرورةِ يومياتِ حياتِه (“يوميات نائب في الأرياف”[5] لتوفيق الحكيم، و”القاهرة الأخرى”[6] لرشيد يحياوي…)، بشكلٍ واقعي، سعيا لتحقيق وَصْلٍ بالقارئ والتعريف بذاتيةِ الكاتب؛ وفيما يلي تحديد لبعض القيم السلبية التي تسجلها علاقاتُ حُبٍّ مرهونة بالأنانية والنكران والغدر… مما يسفر عن الفراق في صورة الوداع.

2-2-1- الحب وهمٌ وخيانةٌ

تجلى ذلك في علاقة «سليم» بـ«ليلى»، التي اعتُبِرَت، وَهمًا، علاقةَ حبٍّ، ليكتشفَ الطرفان أنهما على خطأ، الخيانةُ ههنا مفهومةٌ على أنها غَدْرٌ وقَطْعٌ للعلاقةِ، لا على أنها واقعٌ حَدَثَ بالفعلِ. وبالتالي فالسؤالُ الذي ظل معلقا: هل ما فعلته ليلى يعتبر خيانةً أو محاولةً صريحةً في سياقِ علاقةٍ ما تزال تبحثُ لها عن وضوحٍ وديمومة؟ وهو ما اكتشفه «ظِل» متأخرا، عن طريق الظلال التي تُوهمنا بها المرآةُ؛ “ابتعَدَ عن المرآةِ فجأةً، وكأنه يَهرُبُ من حقيقةِ أنه لم يحب ليلى قطُّ. بل أحبَّ انعكاسَه فيها، أحَبَّهَا لأنها كانت المرآةَ التي تعكس أمانيه، لكنها لم تكن الحقيقةَ”، ص15، فالخيانةُ، إذن، خيانتُه، لا خيانتَهَا، بل خيانتُهَا لا خيانتَه! إنما هي خيانتُهُمَا معًا! بل هي خيانةُ الوهمِ الذي عاشاه في مخيالهما، ذلك أنه «ظلٌّ»، وذلك أنها «قدر»، وما الذي يكسبُهُ الظلُّ غيرَ الخيال والضياع؟ إننا نحبُّ وَفْقَ استيهاماتنا وخيالاتنا ورؤانا. إنَّ الحبَّ انعكاسٌ لرغباتنا وأحلامنا، ذلك ما سعت إليه قصة «ظل» الأولى، أو قل إنها الثقافةُ التي صَنَعَت «ليلى» و«سليم»، وبالتالي فهي ثقافةُ “المرآةِ القديمةِ”[7]. بل ذلك ما اجترحته القصةُ الثالثةُ التي كشفَت لـ«سليم» عن مرضه الانفصامي، فلا هو محبٌّ ولا هو خائنٌ، فلا هو حقيقيٌّ ولا هو وهميٌّ، هو كلُّ ذلك، وتلك حالاتٌ منتشرةٌ في واقعٍ مريضٍ، واقعِنا.

يعود «ظل» ليكملَ حكايةَ «سليم» مع «ليلى» في القصة الثالثةِ، ص32. مع العلم أن الفاصل الزمني بين القصتين، حَسْبَ التاريخ سنتان (2020م…..2022م). وتعودُ “«قدر»” لتَعْلَمَ أنها الخائنةُ حين نسيانها لعلاقتها مع حبيبها “«ظل»”؛ وهو ما تسجله القصةُ الرابعةُ من يوميات «قدر»، ص45-50. تقولُ “شعرتُ بحقيقةٍ جديدة تجتاحني، حقيقةٍ مؤلمةٍ تهمِسُ لي بأنني أنا الخائنةُ في هذه القصةِ”، ص49.

2-2-2- الحب حربٌ وتعاسةٌ وحزنٌ

تصور الساردةُ في القصة الأولى من يوميات «قدر» علاقتها ب «ظل» على أنها حربٌ، وَفْقَ طابعِ المفاجأةِ والصَّدمةِ التي حَكَمَت نسجَهَا، ولذلك طَغَتْ على النّصِّ مُفرَدَاتُ “المواجَهَةِ والأرض والمحتل والسّلطةِ والغازي (من الغزو)…” إلخ، ولتجانس مُفْرَدَتَي “الحب والحرب”، فتكفي الإشارةُ إلى أن علاقةً ثنائيةً تسعى إلى التقريبِ بين القلوب لا شك أنها مرهونةٌ بالمدِّ والجزرِ/ الفر والكر/ الإقدام والتراجع…، وتلك أهمُّ أساليب الحروب، أمس واليوم والغد، ولذلك افتتحتِ الساردةُ قِصَّتَهَا بالإشارة إلى طابع «الحزن» الذي يكتنف قلوبَ المحباتِ الباحثاتِ عن صفاء قلوبِ المحبين. تقول “أجد أغلبَ الفتيات اللاتي يَسِرنَ بملامحَ حزينةٍ، وكنتُ واثقةً تماما أن الحب هو ما جعل الدموع تملأ عيونهن”، ص16.

2-2-3- الحبُّ ظلامٌ وهَوَسٌ

تحدثنا «قدر» عن حبها لـ«ظل» درجةَ الجنونِ، وفي قصتها مع إخراجِ جنيِّ الحبِّ عند فقيه، بعد أن أومأ الطبيبُ لأبيها بذلك؛ دليلٌ ينضاف إلى تمثلنا للهيام والعشق لَمَّا يَتَلَبَّسَان بحبِيبَيْن يَبْغِيان بعضَهُمَا بعضًا، لم تتمكَّنِ القصةُ من نقد هذا التمثل، بل دَعَّمَتهُ بما يفيد إمكانيةَ تحويل الحب والهيام إلى جنون، يتمكَّنُ فقيهٌ ما من تخليصنا منه. تقول السادرة “… ومع كل جلدة، ومع كل صرخة تَرَدَّدَ صَدَاهُ في أذني، بدأتُ أستفيقُ. لقد جعلني ذلك العجوزُ أرى حقيقتَك، وأفهمُ أنَّ حُبَّك لم يكن إلا قيودا تُكَبِّلُنِي. واليوم، بعد أن نَزَعْتُكَ من داخلي، عُدْتُ أرى النور [النور في غياب الحب/ مفارقة عجيبة]، وأدركتُ كم كنتُ غافلةً عن خديعتِك. عدتُ الآن أكره الظلامَ [الظلام الذي يعني الحب]، كما كنتُ في الصغر، أكره كلَّ زاويةٍ مُظلِمَةٍ كنتُ أجدك فيها، وأبتعدُ عن كلِّ ما يذكرني بك، تاركةً ظِلَّكَ خلفي، متحررةً من هوسِكَ”، ص58.

2-2-4- الحبُّ الحرامُ/ الممنوعُ

تحيلنا هذه القيمةُ إلى الموروثِ الثقافي الذي تزخر به خزانتُنا العربيةُ؛ في بلورةِ حكايةٍ مشروخةٍ تحكيها الجداتُ للأحفاد، تتعلق بحب الراعي أو المزارع أو الخادم للأميرة؛ مما يجعل الحبَّ محرَّمًا، يمنع تحقُّقَهُ واكتمالَ حكايتِه أهلُ الأميرة، مما يضطرها إلى الهرب مع حبيبِها بحيلةٍ من الحيلِ. ولذلك تَدَرَّجَ الكاتبُ في صياغةِ حكايتِه بعناوينَ صغرى دالةٍ: اللقاء الأول/ الأيام الأولى/ الاكتشاف/ الهروب/ الحياة الجديدة/ النهاية.

يُعيدُ الكاتبُ في هذه القصةِ أحجيةً يحفظها أبناءُ الأجيالِ القديمةِ، وتظلُّ لصيقةَ مخيالِـهِم الثقافي، دون أن تعرفَ طريقَهَا إلى التَّحَقُّقِ إلا في الأفلام الكرطونيةِ والسينمائيةِ وصَفْحَاتِ مجموعةِ “وداع”. وللقارئ أن يَتَأَمَّلَ جمالَ النهايةِ: “عاشا في تلك القريةِ، يصنعان حياةً جديدةً بأنفسهما. لم يعد هناك أميرٌ أو مزارعٌ، فقط رجلٌ وامرأةٌ اختارا أن يكتبا قدرهما مًعا. وفي كل صباحٍ، كانا ينظران إلى الحقول التي زرعاها ويقولان: “ربما التقينا في عالم قديم، لكننا خَلَقْنَا عالَمًا جديدًا… عالَمَنَا”، ص85.

3- ملاحظات عن البناء الفني القصصي/ الحكائي للنصوص اليوميات

3-1- الترتيب الزمني للمحكي اليومي

الأصلُ في اليومياتِ أن تتتعاقبَ زمنيا، قد يفصلُ بينها زمانٌ بعيدٌ أو قريبٌ، لكن أن تبتدئَ بزمانٍ يَعقُبُهُ زمانٌ قَبلَه، فهذا غيرُ مفهومٍ في هذه المجموعةِ، تمثيلا القصة الأولى من يوميات «ظل» في أيلول2020م، والقصة الأولى من يوميات «قدر» بعده مباشرة في حزيران2018م، وعموما فالسؤالُ مُوَجَّهٌ للكاتبَيْن؛ هل من مقصديّةٍ في ذلك أو هو سعي للخروج عن المألوفِ وحَسْبُ؟

ثم ما بين القصة الأولى من يوميات «ظل»2020م والقصة الثالثة سنتان، لن يفهم القارئُ طبيعةَ هذا الانتقال وهذه المسافة، مع توالي الأحداث؛ «سليم» ينتقل إلى المستشفى بمجرد إصابته بالهذيان بسببِ وقوعِه في الوهم؛ لكن هل بعد سنتين؟ هل نحن هنا أمام قصص خيالية أو يوميات قصصية؟ لو لم يُذكَر لفظُ «اليوميةِ» لكان الأمر مقبولا ومُتَفَهَّمًا، لكنَّ تجنيسَ الكتابِ بذلك من قِبَلِكُمَا والإشارة إليه في المقدمةِ أمرٌ يحتاجُ إلى توضيحٍ واستبيانٍ.

3-2- الطابع المباشر في الحكي اليومي

يَغلُبُ على القص/ الحكي في نصوصِ المجموعةِ طابعُ المباشرةِ والتصريحِ بالحدَثِ، مما قد يُشَوِّشُ على بِنيةِ الحكي وفسفة الإبداع، أقصد تغييبَ الوظيفةِ الجماليةِ الإبداعيةِ في النصوص، وللتقريبِ أكثر إنَّ يومياتِ المجموعةِ تحتاج إلى إعادةِ سَبْكِ النصوصِ وعَجْنِهَا بمادَّةِ الحكي غيرِ المباشر، يمكنُ التَّأَكُّدُ من ذلك بقراءةِ نصِّ القصةِ الأولى لـ«قدر»، ص16-20، وغيرها كثير، والنظرُ في مدارج الانتقال من حدثٍ ثانويٍّ إلى آخر، فالطابعُ الغالبُ على السرد هو المباشرةُ والتقريرُ، فأينَ القصةُ؟ وأين العُقدَةُ؟ وأين الحكايةُ؟ وهذا هو الأهَمُّ، وإلا يكفي تسميتها باليوميةِ، ولو أن هذه نفسها لها طوابع فنٍّ لا تخلو من عنصر الجمال الحكائي.

3-3- الطابع الخرافي للحكاية

أقصد بذلك نوعَ من الخرافةِ في الحكي، ولقارئٍ أن يتأملَ حكاية القصة الثانية من يوميات «قدر»، تحديدا في سرد قصة الحب من النظرة الأولى في عالم الحرب والدماء؛ “نظرت إليه وسألت بعفوية…”، ص27-28.

3-4- الطابع السيميائي للنصوص

لم تَعُدِ الصَّفْحَاتُ التي تَضُمَّ نصوصَنَا الإبداعيةَ اليومَ بمنأًى عن البُعْدِ الإبداعي-الجمالي، أقصد إن العنايةَ بتنسيق الأسطر والفِقْرَاتِ وترك البياضات والفراغات لَمِمَّا يدخل في الجمالية النصية-الإبداعية، منذ ظهور المدرسَةِ السميائية، وما قبلها، فيما تُشيدُ به الرسائلُ في «الأدب الصغير» و«الأدب الكبير» و«رسالة الصحابة» لابن المقفع، مما تُنَبِّهُ إليه بضرورةِ إيلاءِ المكتوبِ جماليةً في الصورة، كما في العبارةِ والدّلالةِ، بل مما اهتم به ابنُ قتيبة في «عيون الأخبار»، لَمَّا نَظَمَ كتابَه على صورة «العِقد» الذي تضعه المرأةُ في رقبتها، جماليةٌ لها أبعادٌ دلاليةٌ وتدواليةٌ معلومةٌ لأهل الأدب والنقد. وللقارئ أن يلاحظ نصوصَ المجموعةِ وعدمَ اهتمام صاحبَيْهَا بجانبِ تنسيقِ المكتوب.

خلاصة

اختار الكاتبان القِصَّتَيْن العاشرَتَيْن (ص103-112) ليوثقا دواعيَ ومسبباتِ الإقبال على كتابةِ مجموعةٍ مشتركةٍ عنوانها: «وداع»؛ وليُضفِيا على المكتوب نوعًا من الصدق والواقعية. لقد انتَهَيَا من كتابةِ «وداعا»، ولكنه لم يكن مجردَ كتابٍ. كان قصةَ حياتهما التي امتزجتْ بين الخيال والواقع (…) عندما نُشِرَ الكتابُ أصبح حديثَ الجميع. كان مزيجا من الأحاسيس العميقة والرؤى الفلسفية. لكنه لم يكن مجردَ نجاحٍ أدبيٍّ. كان انعكاسا لقصةِ حبٍّ تجاوزت حدود الواقع؛ حيث التقى الـ«ظل» و«قدر» ليكتبا معا حكاية لا تُنسى”. يقول «ظل» في ص106-107. “هكذا اخترنا لكتابنا العنوان «مذكرات عاشق» لكن لأننا كنا على حافة الفراق… قررنا أن نجعله يحمل عنوان «وداعا»، كان العنوانُ بحد ذاته يُعَبِّرُ عن روح علاقتنا”. تقول «قدر» في ص110. إلا أنهما يعودان في الخاتمة ويُدرجان عنوانَ «الاعتراف» ليَقلِبَا المعادلةَ ويَعتبران عملَهُمَا مجردَ شهادةٍ وتصويرٍ لفلمٍ وثائقيٍّ؛ أبطالُهُ مَرضى نفسانيين في مستشفى الأمراض العقلية، إذْ “كلُّ عاشقٍ في هذا الكتابِ لم يكن سوى قلبٍ محطَّمٍ يَعيشُ في غرفةٍ بيضاء، يخط ما تبقى من بقاياه على ورقة مهترئة”، ص147، بعد ذلك يحددان أرقامَ الغرفِ الثلاثةِ التي تحيل إلى أماكن تواجد المرضى. وهل يكفي ذلك لِيُصَدِّقَ القارئُ هذه النهاية-التوثيق؟ أم يدعوه ذلك إلى فتح سؤالِ الواقعيةِ والصدق والمعنى والقصديةِ أُطُرًا ومَداخِلَ لإعادةِ قراءةِ المجموعةِ؟

أخيرا؛ يستمتع القارئ بهذه القصص التي تُوهِمُ بيومياتها وواقعيتِها، والحال أنها غيرُ ذلك. قد يكون الواقعُ مُنطلَقًا عبر فكرةٍ أو موقفٍ أو حدثٍ أو حالةٍ نفسيةٍ… لكنَّ الخيالَ، والفنتاستيك أحيانا، يَغْلُبُ على مُعْظَمِ القصص؛ بل يُغَلِّفُهَا اللاممكن واللاواقع، عبر سرديةٍ مُوغلةٍ في الطّلسَمَاتِ والتفسير بالنجوم والكواكب، وللقارئ أن يَتَأَمَّلَ القصةَ الرابعةَ من يوميات «قدر»؛ أثناء وجودها في مقهى الوداع الدائم، وتَسَلُّمِهَا منديلا من النادل لاتقاء تَسَرُّبِ الدموع؛ لأن المقهى ترتاده النساءُ الحبيباتُ اللواتي تنتظرن حبيبًا من أجل عَقْدِ اللقاء الأخير. ومن هنا وُرُودُ عبارةِ الأسرار، الكلمة المفتاح في فلسفةِ الإشراق والعرفان؛ ولننظر في قول النادل: “نظر النادل إليّ نظرةَ العارفِ بالأسرار، ثم قال بهدوء: “هذا مقهى الوداع الدائم، المكان الذي تأتي إليه قصصُ الحبِّ لتَلفَظَ أنفاسَهَا الأخيرةَ، حينما تَتَعَذَّرُ الظروفُ، ويَتَفَرَّقُ عاشقان دون إرادتهما، يَتَّفِقَان على لقاءِ وداعٍ أخير هنا…”، ص45-46 إلخ. نركز على عباراتِ “نظرة العارف بالأسرار/ يتفرق العاشقان دون إرادتهما/ الحياة الجديدة/… كأننا نتخلَّصُ (بمنطق النجاة) من أردان الجسد، فنرقى بالأرواح إلى حياةٍ جديدةٍ… وهلم جرا من أعرافِ الأسرار وهذيانِ العرفانِ.

[1] – مابين قوسين مقتبس من النص في الصفحة الرابعة من المجموعة القصصية “وداع” للكاتبين أمين مبتسم وحياة عبيل.

[2] – المجموعة القصصية “وداع”، ص2.

[3] – المرجع نفسه، ص3.

[4] – المرجع نفسه، ص5.

[5] – توفيق الحكيم، يوميات نائب في الأرياف، مكتبة مصر، 1905م. تحكي اليوميات عن التجارب والقصص التي شهدتها حياة النائب الشريف في الريف؛ التي تعكس حياة كل النواب الإداريين في الأرياف.

[6] – رشيد يحياوي، القاهرة الأخرى، وكالة الصحافة العربية، 1999م، تحكي اليوميات عن تجربة غربة البطل في بلاد أخرى لأجل الدراسة وشؤونها

[7] – المجموعة القصصية “وداع”، ص11-15.

باحث في الأدب والتأويل وتحليل الخطاب

عن madarate

شاهد أيضاً

من اليابان إلى المغرب… مين ميكوز- لبنى منان: قراءة مقارنة – محمد بنفارس

هايجن قرات لهن / لهم محمد بنفارس*     تقديم بعد صدور أنطولوجيا هايكو العالم …

اترك تعليقاً