فعل الكتابة
حوار مع المبدع المغربي محمد بودويك

حاوره الشاعر الحسَن الگامَح
ورقة عن المبدع محمد بودويك
السيرة العلمية
ــ محمد بودويك ( اسم الشهرة الأدبية ).
ــ بنعمرو بودويك ( اسم الأوراق الرسمية ) ـ .
ــ شاعر مغربي، وناقد أدبي، وكاتب مقالات رأي.
ــ حاصل على شهادة الدكتوراه في الآداب ( تخصص أدب حديث ـ شعر ونقد ).
ــ عضو المكتب التنفيذي لاتحاد كتاب المغرب سابقا ( مكلفا بالإعلام ) / عضو الاتحاد منذ 1975.
ــ عضو بيت الشعر في المغرب منذ التأسيس.
صدر له:
في الـــشــعر: تمثيلا:
ــ ( يتبعني صفي القصب ) ـ دار ما بعد الحداثة ـ فاس / 2003
ــ ( قرابين ) ـ منشورات اتحاد كتاب المغرب ـ الرباط 2007
ــ ( مركبة السنجاب ) ـ مطبعة إنفو برانت ـ فاس / 2007
ــ ( امرأة لا تحصى ) ـ إنفو برانت ـ فاس ـ 2008
ــ ( أقنعة تتنازع مشنوقا ) ـ منشورات دار التوحيدي ـ الرباط ـ 2016
ــ ( في أبهاء الضوء والعتمة ) ـ منشورات بيت الشعر في المغرب ـ 2019
ــ ( ليس عبورا بل حياة )ـ سيرة ذاتية ـ دار عالم الكتب الحديث ـ المربد ـ الأردن ـ 2025
فـــي الــنقـــد: تمثيلا:
ــ ( إشكاليات قصيدة النثر ) ـ المؤسسة العربية للدراسة والنشر ـ بيروت ـ 2002 ( كتاب جماعي).
ــ ( شعر عز الدين المناصرة: بنياته ـ إبدالاته، وبعده الرعوي ) ـ دار مجدلاوي ـ عمان / الأردن ـ 2006
ــ ( خيط أريان ـ عتبات وقراءات في الشعر) ـ مطبعة إنفو برانت ـ فاس ـ 2009
ــ ( ناده بما يشتهي، ناده كما يشتهي: في ضيافة الشعر المغربي المعاصر ) ـ دار المناهل ـ منشورات بيت الشعر في المغرب / 2014
ــ ( زيزان الغابة الزرقاء: مقالات في الثقافة والأدب والفن ) ـ دار التوحيدي ـ الرباط ـ 2014
ــ ( حداة الظلال.. رعاة المرايا: نظرات وقراءات في الشعر والأدب ) ـ دار التوحيدي ـ 2022
*المحور الأول: الرؤية الفنية والمسيرة الإبداعية*
1 ـ كيف يرى المبدع محمد بودويك الكتابة بصفة عامة؟، وما هي رسالتها برأيك؟
ج: بإجازة أقول: إن الكتابة أسُّ الحياة الفاعلة في السلوك والفكر والتلقي وانوجاد الكائن. فهي، بهذا المعنى المكثف، ضرورة أنطولوجية متى ما تَهَيَّاَ الشرط الإنساني لأن تكون، وتضحى قائمة وشاهدة على مسير ومسار الفرد والمجتمع. لولا الكتابة لضاع عمر عريض من أعمار البشرية التي عاشت في أفجار القرون الحوالي، والدهور الذواهب. على أن نفهم الكتابة مُجَسْدَنَةً في التوشية والزخرفة والنقش والنحت والرسم والتصوير، والحَرْف بطبيعة الحال. من مدنا بمعرفة تاريخ وحضارة الإغريق، ومِنْ قَبْلُ بحضارة الكلدانيين والأشوريين والبابليين والفراعنة المصريين، والفرس، والهند والصين؟ إنها الكتابة، إنه التصوير والحفر على الألواح والحجارة والرُّقُم، وأوراق البردي، ورقاق الغزلان، والعُسُب، وعظام أكتاف النوق والبقر والماعز، وغيرها؟ ومَنْ لحضارتنا العربية ـ الإسلامية تعريفا وتوصيلا وتلقفا وإعمالا، لولا النص العظم، الكتاب الأول: القرآن الكريم؟ وَمَنْ لحضارات وثقافات الشعوب الأخرى من نصارى نسطوريين وغير نسطوريين، ويهود فريسين وصدوقيين، تعريفا وإشهادا وإشهارا وتوصيلا إلى اليوم، لولا التوراة والتلمود، والناجيل الربعة؟، زدْ على ذلك، الملاحم الكبرى والأشعار والأناشيد وكتاب الموتى الفرعوني، والتواريخ الإنسانية الرسمية والشعبية.. الخ.. الخ.
ولعل رسالتها أن تكون ربطٌ ووصلٌ بالماضي والتراث والتاريخ والإنسان الصانع المبدع الخلاق، الإنسان الذي هو مقياس كل شيء بتعبير الفيلسوف الإغريقي: بروتاغوراس.
2 ـ من أين استمدت تجربة الكتابة لديك؟ وكيف دخلت بحر الإبداع؟ وما هو أول نص كتبته أو عمل بارز في بداياتك؟
ج: جاءتني تجربة الكتابة أولا بأول من قراءاتي للقصة والرواية المصريتين واللبنانيتين بحكم السبق الإبداعي التاريخي. كان ذلك على امتداد المرحلة الدراسية الإعدادية بإيعاز وتوجيه من أساتذتي الأجلاء لما توسموا فيَّ، فترتئذ، مشروع كاتب مستقبلي من خلال إنشاءاتنا المدرسية الصفية. وقادني إدماني على الإنصات للأغنية العربية في شخص فريد الأطرش، ومحمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وفيروز، ونجاة الصغيرة، والأغنية المغربية في شخص: أحمد البيضاوي، وعبد الوهاب الدكالي، وعبد الهادي بلخياط، ومحمد الحياني، وعبد الحي الصقلي، ونعيمة سميح، وسميرة سعيد، فضلا عن الفرق الغنائية: ” ناس الغيوان”، و” جيل جيلالة”، و”لشاهب”، و” تكادة”، و” أوسمان:، الخ.. الخ.
قادني ذاك البهاء الفني الغنائي البديع إلى كتابة خواطر رومانسية تمتح من وجداني المرهف الصغير. ثم تطورت الخواطر وصارت نصوصا قصصية قصيرة عرضتها على أساتذتي، وما عَتَمَ أن انتقلت ـ في مثل الفجاءة ـ إلى كتابة الشعر. ربما تحصَّل ذلك من أثر الشعر الغنائي بوجهيه: العامي والفصيح، مصريا ولبنانيا وسوريا وعراقيا، ومغربيا، في فؤادي وكريات دمي. وربما تحصل ذلك من قراءاتي النهمة لجبران خليل جبران، وخليل مطران، وأحمد شوقي، وأبي القاسم الشابي، وإبراهيم ناجي، ومحمود حسن إسماعيل، وعلي محمود طه، ومحمد الحلوي.
حفظت ” ميزان الذهب” عن ظهر غيب. كنت وزّاناً في بداياتي، ودليلي: نصوصي الرومانسية الأولى التي أجازها الشاعر إدريس الجائي، وتليت بصوت فريدة النور الذهبي. ومن ثمَّ، فأول نص كتبته ازْدَرَدهُ نهر” اللوثان”، إِذْ تزاحمت عليَّ نصوصٌ قصارٌ كنت أحبرها في مساءات الداخلية بثانوية عبد المومن بوجدة. لكن النص الشعري الذي برز وأظهرني، ما لم أخطيءْ وأدَّعِ الشعرية، هو النص المعنون: ” فاتحة القهر في كتاب الدخول” الذي باركه أستاذي الشاعر الكبير أحمد المجاطي. وبتزكيته، تمَّ نشره بالبنط العريض في الصفحة الأولى للملحق الثقافي لجريدة” المحرر” الغراء. إنه النص الذي يضمه عملي الشعري الأول الذي تأخرت في نشره بعد أكثر من عقدين، أقصد عملي: (جراح دلمون).
3 ـ أي صنف من الكتابة تجد فيه ذاتك أكثر حين تكتب: (شعر ـ نقد ـ رواية؟)
ج: أجدني أولا في الشعر بحكم البدء والامتداد، والغوص في متونه وعوالمه ودنياه. فالصنف إياه، الجنس الإبداعي البديع إياه هو ما رافقني وأظلني حتى لا أقول: وضللني وأغواني وأغراني بأن ألابسه وأرتديه ثوبا حريريا ناعما، وأحيانا، واخزاً، يقيني مع ذلك، من الرمضاء وهجير اليومي المبتذل، ومرارة الواقع، والخذلان. إنه ملاذي كل وقت وحين. ملاذي ومنفاي ذلك المنفى الاستعاري الذي أرتضيه بديلا عن “شوك” الوطن، وحبوطات الزمن. وقد يكون الوردةَ التي أوبخ بها صلف العالم بتعبير الشاعر أحمد بركات، وأوبخ عنجهية بعض بنيه، وعجرفة أنظمته وحاكميه. وما الشعر؟ ما معناه؟ ما فائدته إِنْ لم يكن حلما وترياقاً وماء ووردا وجمالا، يحارب الشر بطريقته، ويعري الوجه البشع للجشع والهيمنة والغطرسة، وامتهان كرامة الإنسان؟ غير أنني رأيت أن للشعر أخا ورديفا في تقديري هو: النقد. النقد العاشق والعارف الذي من شأنه أن يربط مُمَارسَه بكتابات الآخرين، بشعر وفن الأغيار، إذا شيءَ أن نقيم جسر محبة واحتضان لشعر الشعراء مغاربةً كانوا أو غير مغاربة، يكتبون بالعربية أو الأمازيغية، أو الفرنسية أو الإنجليزية أو الإسبانية، ونقيم، من جهة أخرى، علاقة أدبية وثقافية وإبداعية توطد عرى الصداقة الأدبية التي تفضي إلى قراءة الآخر، والإنصات إلى توقيعه ونبض شعره، والاطلاع على جديده وقشيبه وإضافاته. إذْ، ما من شك في أن قراءة الآخر، والانتقال من قراءته إلى اتخاذه موضوعا فنيا وجماليا ومعرفيا ولغويا، ولغويا، أيْ نقديا يتيح إغناء شعري من جهة، ويعلمني كيف أحيا، وكيف أتعلم من جهة ثانية. من هنا، عكفت ـ منذ أكثر من ثلاثة عقود ـ على قراءة متون الأصدقاء وغير الأصدقاء. وكان ثمرة ذلك العكوف: كتب نقدية، أذكر منها: “خيط أريان”، و”دراسة أكاديمية في شعر عز الدين المناصرة الفلسطيني”، و”ناده بما يشتهي، ناده كما تشتهي: قراءات ودراسات في الشعر المغربي العاصر”، و”حداة الظلال.. رعاة المرايا: نظرات وقراءات في الشعر والأدب”
4 ـ ماذا حقق المبدع محمد بودويك في مجال الكتابة بحكم ارتباطك العميق بها؟
ج: يعسر الجواب عن السؤال يا صديقي، ماذا حققت؟ سأكون دَعِيّاً طاووسيا إِنْ أنا قلت بأنني حققت ما أبتغيه، وتربعت على كرسي الكتابة الشعرية، في يُمنايَ: صولجانٌ، وفي يسرايَ: مروحة سماوية أبترد بها برهانا على وصولي إلى ما رُمْتُ وابتغيت، والحال إنني أسعى لأكتب القصيدة الأولى دائما. القصيدة التي تقولني عارية صافية ونوعية، بودويكية خالصة. ولعل الإحساس بالنقص، مهماز داخلي نفسي لا مناص منه للتجويد والتجميل، والتفنن، والبحث عن لؤلؤة المستحيل. سأقول لك: بقدر ما نزداد ارتباطا بالكتابة، نزداد إدراكا ووعيا وشعورا بضآلتنا، وتواضع ما كتبناه قياساً بالكبار الهائلين في ربوع المعمورة. وربما يكون هذا الشعور هو ما يحثنا ويحرضنا على العَبِّ الدائم من حياض المعرفة والثقافة، والنهل المستمر من معين الآداب طُرّاً، وفي مقدمتها: الشعر الكوني.
المحور الثاني: العملية الإبداعية وتحدياتها.
*المحور الثاني: العملية الإبداعية وتحدياتها*
5ـ ما هي أبرز التحديات التي تواجهك كمبدع في صنف الكتابة الذي تمارسه (شعرـ نقدـ رواية..)؟ وكيف تتعامل مع “حصار الكلمات” أو جفاف” الإلهام”؟
ج: قد أكون أشرت ضمنا إلى التحديات التي تواجهني كمبدع في صنف الكتابة شعرا ونقدا ورواية، مثلما تواجه أي مبدع، وأيان ما كان هذا المبدع. سر الكتابة والإبداع هو هذا: أن يهجرك الإبداع بين الفينة والأخرى، ويجفوك وادي عبقر، أو ربات أبوللو. سرها وقوتها الأنطولوجية والنفسية والشعورية واللا شعورية، يكمن في إدبارها من حيث لا نحتسب. وقديما، عانى الرسل والأنبياء من انقطاع الوحي، وجفاف الإلهام، فما بالك بالأدباء والشعراء والروائيين، والفنانين بالجمع؟. الكتابة أنثى لعوبٌ، ثعلبٌ زفزافيٌّ يظهر ويختفي، فرحٌ زائرٌ، وترح مقيم فترةً قد تطولُ.
من أبرز التحديات وأظهرها: الشرود والبياض الذي يعيق النظر ويصيبه الخواء بالعماء، وتَمَنُّع الحرف والكلمة عن الإتيان، فإذا أتيا فلدقائقَ معدوداتٍ، ثم يرحلان. وقد تحدث رولان بارت، ومحمود درويش، وادونيس، وموريس بلانشو، وما رسيل بروست وغيرهم كثير، عن هذا المطب المحير، وهم من هم إبداعا وحضورا أدبيا وفنيا ومعرفيا ونقديا وازنا.
وفيما يخصني، فإنني ـ متى ما حرن الإبداع عن الانبجاس ـ أحتال بقراءة كتاب ما، أو أخرج إلى الهواء الطلق ماشيا على غير هدى، أو أخلد إلى الراحة نائما أو متناوما. وفي كل الأحوال، تصاحبني ثقة بأن واحداً من جن ” وادي عبقر”، سيطرق بابي مشفقاً ومعتذراً.
6ـ هل للبيئة الجغرافية أو الثقافية تأثير على أعمالك؟ وكيف ينعكس ذلك في نصوصك؟
ج: بالتأكيد، ما دام أن الإنسان يعيش في مجتمع معين، وبيئة جغرافية وثقافية بذاتها. الصلة عضوية بالأرض والفضاء والمناخ والتاريخ والناس. يجمعنا جميعنا رابط الماء والشمس والأغنية والثقافة، والتاريخ المشترك، واللغة والهوية المركبة. ولا شك أن كل تلك العناصر والمقومات الكيانية والوجودية، تجد لها مكانا في أعمالنا، وصدى في أفكارنا ولغاتنا. إنها مركوزة في الأعمال الإبداعية كيفما كان جنس هذه الأعمال، وملهمة، بهذا القدر أو ذاك، فيما نكتب ونرسم، وننشئ، ونبني ونؤسس، ونقولُ. وفكرا
فالمتصفح لنصوصي الشعرية، مثلا، سيقف لا محالة على سمائي الأولى، على فواصل ومفاصل من سيرتي طفلا ويافعا وشابا بمدينة جرادة العمالية المناضلة، وكهلا وشيخا بسماء فاس وأرضها العطرة. أشعار وكتابات تغتني وتقتات من بيئتي الجغرافية والثقافية، ومن وطني وأرضي التي أَدِبُّ عليها كل يوم. فهل أفلحت في نقل ذلك الأثر الصانع لكينونتي ووجودي وشخصي، في شعري؟ جواب ذلك لدى القاريء الكريم، والناقد الحصيف.
7ـ كيف ترى العلاقة بين القراءة والكتابة في مسيرة المبدع؟ وما هو الدور الذي تلعبه القراءة في تشكيل تجربتك الإبداعية؟
ج: بطبيعة الحال، للقراءة يد طولى بيضاء وملونة في خلق الإبداع وتنزيل الكتابة، وفي الاقتياد بسلاسة، وربما بألم، إلى الكتابة الخلاقة، الكتابة الغواصة والمسؤولة التي يقُضُّها ويقض صاحبها، فكرة الإضافة من عدمها. ما لم نقراْ بنهم، ونسعى إلى تنويع طبيعة ونوع المقروء: فلسفةً وفكراً، وعلم اجتماع وعلم نفس، وأدبا وشعرا ورواية، ونقوداً في خصوص الفنون المختلفة، فلن نكتب شيئا ذا بال، ولن نحقق للإبداع العنفوان المطلوب، والتجويد المتوخى، والجمال المنشود. ومن ثمَّةَ، فالقراءة الدائمة المتواصلة أمدتني وتمدني بالدم المُهراق الذي ما فتئ يسري في وَتينِ وشرايين كتاباتي، وبالغيث الذي بفضله، تستمر أزاهير ما أكتب في الإيناع و”الأريج”.
*المحور الثالث: قضايا أدبية عامة*
8ـ كيف ترى تجربة الكتابة في العالم العربي اليوم؟ وما هي أبرز التحديات التي تواجهها؟
ج: إنها بخير. فقد قَيَّضَ الله، وما يعرفه العالم من حوالينا، من إبدالات وتحولات واكتشافات واختراعات، طال كل المجالات والميادين، والنُّظٌم والمؤسسات، رعيلا من الكتاب والأدباء والروائيين والقاصين، والشعراء وغيرهم إناثا وذكوراً في طول العالم العربي وعرضه، لا يَنَوْنَ يجتهدون ويجربون ويجترحون آفاقاً وقّادة وثّابة فيما يكتبون، مؤيدين بما يقرأون وما يترجمون، وما يحتازون من لغات حية تفيد الإنتاج الثقافي، وتُصَلِّبُ متن المكتوب، موسعةً أحداقه ورؤيته ورؤاه. أما التحدي الكبير الذي يعترض الكتاب والأدباء العرب، فهو: ” السوشلْ ميديا”، والمنصات الإلكترونية، واليوتيوبات، والوسائط الرقمية المتطورة بما لا يقاس، وفي الرأس منها: الذكاء الاصطناعي. لماذا شكلت هذه الوسائل العلمية والتكنولوجية العاتية، تحديا للثقافة والإبداع والكتابة بوجه عام؟ لأنها تفيد عريضا من الحرية، الحرية التي بلا ضفاف. فالكل أصبح كاتبا وشاعراً، وذا رأي وموقف. والكل يسرق ويحشو كتابته بعرق الآخرين، وجهدهم وسهرهم. حتى الأطاريح الجامعية ـ كما تعلم ـ لم تسلم من هذا الخطر المحدق والقائم والمستشري. خطر الالتفاف والتسيب والتمييع والخلط الرجيم. أنا مع الحرية، مع إيناع الزهور، وتفتيق البراعم شرطَ أن تتولاها المسؤولية، وتحد من تطرفها وغلوائها، الأناةُ والصبر والنزاهة والقراءة الدؤوب، واستخدام الرقميات بما يُسَرِّعُ من حضور المنتوج الأدبي والعلمي، وما يُسْهم في دمقرطة الثقافة وانتشارها على أوسع نطاق.
9ـ ما رأيك في الكتابات النسوية في العالم العربي؟ وأين يمكننا ترتيب حضور الكتابة النسوية من خلال الإصدارات السنوية المتزايدة وحضورها في كل المجالات الإبداعية؟
ج: أصبحت الكتابات النسوية / النسائية طاغيةً ليس بالمعنى القدحي، وإنما بالمعنى المدحي الذي يسجل إعجابا بالوفرة والكثرة الإبداعية التي يشهدها العالم العربي، وكان قد شاهدها من قبل وإِنْ بندرةٍ. الإصدارات الشعرية والروائية والقصصية تَتْرَى، وتنتصب جماليا ومعرفيا وإبداعيا، شاهدة على تحولات الواقع العربي. كما تنتصب ـ وهذا هو الأهم ـ رسالةَ بوح بديع كاشفةً عن الهموم الفردية، والجراحات الذاتية، والانشغالات النفسية والاجتماعية. أصبحت الكتابات النسائية تدوس ما كان يسمى ب الخطوط الحمراء، وبالطابوهات، معلنة عن أوجاعهن وحرائقهن، وظمإهن للحب والعلائق السوية مع الذكور. بل، إن بعض المبدعات العربيات والمغربيات جزء منهن، صورن براعة واقتدار، لحظات الحب والجنس، والقيود، والصراع” الجندري”، ودوائر العشق والوله. وإذاً، فإنهن مؤيدات بالحقوق والحريات (على علاّتها) التي ناضلن من أجلها طويلا ولازلن. مترعات بأنوثتهن، وبما وفره التعليم في كل أطواره لهن من حظوظ في اللحاق بإخوانهن، وتدارك ما فاتهن في العصور الخوالي. شرعن يكتبن ما أثبتن، عبره، عن علو كعب، ومؤهلات معرفية وإبداعية في مجال نبيل وهو الأدب الذي كان وقفاً بالأمس القريب، على الذكور، على منظومة:” البترياركا”. وهنَّ، للإشارة، كثيرات إنْ في وطننا، أو في بقية الأقطار ك: مصر ولبنان وسوريا والعراق، والخليج العربي، والسودان والجزائر، وفلسطين، وتونس بطبيعة الحال.. هن كثيرات بحيث يستعصي عليَّ إيراد أسمائهن مخافة السهو أو إغفال ذكر واحدة أو أكثر منعوتات بالسموق الإبداعي.
10ـ مع تطور التكنولوجيا، هل تعتقد أننا قد نستغني يوما عن الكتابة كوسيلة للتعبير او التوثيق؟ وإلى أي مدى يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤثر في مستقبل الكتابة الإبداعية؟
ج: سيظل الكتاب حاضرا، موجوداً طوع اليد، ورهن العين والعقل والفؤاد. سيظل حاضرا مشعا إلى جانب الرقمي. هل أصابت الرقميات (الانترنت ـ اليوتيوب ـ الوسائط الاجتماعية الخ )، مثلاً، في مقتل، جهاز التلفزيزن رغم بِلاهُ وسبقِه؟ ولمعترضٍ أن يقول: لكنه ابن التكنولوجيا؟ وهل أقبرت السينما، وأُخْرسَ المذياع، واندثرت الدراجات النارية والدراجات الهوائية، والسيارات ذات العوادم؟
يمكن القول، بسبب الهجمة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، إن عدد قراء الكتاب الورقي تضاءل وتناقص بنسبة مثيرة للخوف والقلق، وسيزداد المر تضييقا على الكتاب الورقي مستقبلا؟ ومع ذلك، سيستمر القراء، النّخب، الإنتلجنسيا، ستستمر مراكز تتويج وتكريم الكتاب الورقي، وكتاب الرواية والشعر جنبا لجنب مع الخارقين في علوم الفيزياء والكيمياء، والرياضيات والطب والفلسفة. ستستمر جائزة نوبل، وجائزة البوكر الإنجليزية العالمية، وجائزة بوليتزر المريكية، وجائزة بوكر للرواية العربية، وجائزة الشيخ زايد، وجائزة سلطان العويس، وجائزة الملك فيصل العالمية، وجائزة كاتارا القطرية، وجائزة غونكور الفرنسية، وجائزة المغرب للكتاب، وجائزة الدولة المصرية، وجائزة نجيب محفوظ.. الخ.. الخ.
ألا ترى أن ما ذكرته، يرفع من قيمة واعتبار الكتاب الورقي؟
سيحدث ، وقد بدأ ذلك بالفعل، الذكاء الاصطناعي تحولا عميقا في مستقبل الكتابة الإبداعية، ويزيح قليلا أو كثيرا الورقيات، إذْ أن دوره لم يعد مقتصرا على المساعدة التقنية، بل أصبح شريكا في صياغة الخيال وتشكيل النصوص، وقادرا ـ يا للهول ـ على توليد الأفكار وتوسيع أفاق الكاتب. كما يتيح هذا التطور التكنولوجي اللوغاريتمي الرقمي الكاسح، ابتكار أشكال جديدة من الأدب التفاعلي، تجمع بين الكلمة والصورة والصوت، فتنفتح أمام الإبداع آفاقا غير مسبوقة. لكن، لا يمكن، بحال، أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الإنسان، لأن الإنسان الذي ينحني خاضعا أمام صنائعه ومصنوعاته و”مخلوقاته”، يبقى سيدا وإنْ عُدَّ عبداً، مَقوداً ومسوقاً لا حول له ولا قوة حيال الطغيان المَهول للذكاء الاصطناعي( الذي صار يفتك بالضمير الإنساني قبل أن يفتك بالأطفال والنساء والرجال/ غزة نموذجاً، وجنوب لبنان، واليمن وإيران). ومعنى ذلك، أن الذكاء الاصطناعي، سواء قبلناه أو رفضناه، فإنه هنا.. متغلغل في حياتنا، في يومياتنا وفي حميمياتنا.
تأثيره في الأدب ، كما أسلفت، وارد من حيث الإسراع بالإخراج والصوغ والتصحيح والتوضيب والتوثيق المحكم، والمساعدة البرقية في الإيصال والتوصيل والبرمجة والتحقيق. بيدَ أن الإنسان الأديب يفوقه شعورا وإحساسا وقلبا وعاطفة، وضميرا، ورؤية بصرية، ورؤيا روحية وحدسا.
وإذاً، فتأثير الذكاء الاصطناعي في مستقبل الكتابة الإبداعية لا غنى عنه، ولا مهرب منه، ولو كان شرا مستطيراً. منطق العلم والتقدم والتطور، وعقل الإنسان الخلاَّق، هو من أوجده وخلقه.
من المؤكد أن الكتاب الورقي سيستمر إلى جنب الرقمي، غير أن الأسلوب التقليدي لنشر وتوزيع وتسويق، وبيع الكتب، سيتضاءل، ويضمحل تدريجيا حتى يندثر ويصبح أثرا بعد عين.
*المحور الرابع: رؤى شخصية ومستقبلية*
11 ـ ما الكتاب الذي أثر في تجربتك الإبداعية وترك بصمة واضحة في مسيرتك؟
ج: بل هي كتب كثيرة متداخلة رافقت صباي الباكر ويفاعتي، لعل أهمها كتاب: سارة” للعقاد، و”أديب” لطه حسين، وجميع ما مكتب جبران خليل جبران، وروايات يوسف السباعي تحديدا. وفي فترة النضج الشبابي، وقد ساهم في تكوينه بعضا مما أشرت إليه، كان العمل الشعري الرائع:” نهايات الشمال الإفريقي” للشاعر الكبير سعدي يوسف. وقد أعطانيهِ أستاذي المرحوم الشاعر أحمد المجاطي ذات عام جامعي بظهر المهراس بفاس. ففضله عليّ كبي، وتوجيهه لي في خصوص الإبداع ونوع المقروء، لا ينسى.
12ـ ما هو الكتاب الذي حلمت أن تكتبه ولم تتح لك الفرصة لكتابته بعد؟
ج: أما الحلم الذي راودني فترة طويلة من الزمن، فقد تحقق بعضه لا كله. وأعني بذلك أنني أنهيت كتابة سيرتي الذاتية سرداً، ونشرتها في الأردن بدار عالم الكتب الحديث ب” المربد”، تحت عنوان: (ليس عبورا بل حياة). وفي نفسي ـ إذا أسعفتني الصحة والوقت، ومد الله في عمري ـ أن اكتب رواية تخيلية على غرار ما يكتب أعزائي وعزيزاتي الروائيين ببلدنا وغير بلدنا.
13 ـ كيف يرى الإنسان محمد بودويك، المبدع محمد بودويك ( سؤال للذات والتأمل)؟
ج: يراه قلقاً موتورا أكثر الوقت، يعذبه سؤال المعرفة والإضافة، وينخسه شوك الاستزادة من القراءة والكتابة الشعرية والنقدية والمقالية معا. يراهُ وقد غاص في مشاريعه أو ما يشبه مشاريعه الكتابية على حساب راحته واستجمامه، والاهتمام برفيقة دربه، وأبنائه وأحفاده ذكورا وإناثا. لكن محمد بودويك المبدع عنيد، صلب الرأس، لا يرعوى، ولا يرتاح، ولا يفكر في نفسه فيمنحها قسطا من الراحة هي في أمس الحاجة إليها.
14 ـ ماذا تضيف الجوائز الأدبية للكاتب؟ وهل تراها مقياسا حقيقيا للنجاح الأدبي؟
ج: أولا: الشعر هو آخر ما يفكر فيه راهنا من حيث توسيمه وتكريمه بالجوائز الأدبية إذْ أن النظر يروغ نحو الرواية. وحيث إن الأمر كذلك، صار القوم يتزاحمون بالمناكب، ويسارعون إلى كتابة الرواية، ويدبجون مئات الصفحات بل ما يربو على الخمسمئة صفحة كأن الكم طريق لاَحِبٌ مُعَبّد نحو التتويج، وموفٍ على التأثير في اللجنة.
الجوائز على أهميتها المادية والرمزية والمعنوية، وتزييت اسم صاحبها أو صاحبتها، لا تصنع الأدب ولا الإبداع. ولا تصنع الروائي ولا الشاعر (ة)، ولكنها ـ في المقابل ـ وهذا ما ينبغي أن يكون، تدفع الكاتب المبدع والكاتب قُدُماً، ليجوِّدَ بضاعته، ويهذب صناعته، ويجمِّل صياغته، ويثقف خَلْقَه. وليس كل الجوائز نزيهة وموضوعية. إنها، أحيانا، تخضع لحسابات معينة، ولمزاجية ما، ومحسوبية ربما، ما خلا بعضها الذي ذهب واثق الخطوة حقا إلى صاحبه أو صاحبته. لا، ليس كل الجوائز محفزة ودافعة إلى الكتابة والاستمرار فيها. بل هناك من الأدباء والشعراء من استنام لكسل وعسل الجائزة، فتوقف نبض أدبه، وغاب عن المشهد الشعري والأدبي والثقافي العام. أصيبوا بنوبة وانقطع عنهم الغيث والمَدد، فلم يعودوا يبدعون ويكتبون، واكتفوا كما الديك ببيضة واحدة في عمرهم، بيضته التي…؟
15 ـ ما هي مشاريعك المستقبلية على الصعيد الإبداعي؟
ج: عملان شعريان ناجزان ينتظران الطبع. وكتابان نقديان كذلك.
نص إبداعي: البومة إيميلي
أيتها البومةُ القدريَّة الناسكة،
حاضنةُ أطرافِ الليل
وريشِ النهار المتناثر
في الغسق الدائم،
عازفةُ الضياع الضاحك
في الخرائب،
المبشرةُ بالثلوج السوداء التي
تتساقط، كسلى، على هامة الزمن
المنتوف الشعر، المنكمش في سِرْبال
الأبدية الباردة
وبيض السماء الخامج.
يا صديقة هيغلْ، وصديقة كل
الفلاسفة الذين قالوا
كلمة كالبرق لمعت بُكْرَةً
وراحتْ ثم راحوا،
دخلوا ليْلات الآلهة، وانتصبوا
أنجماً بين النجوم.
أيتها البومةُ الهامدة كمثل
حجرٍ ملمومٍ،
العاشقةُ المعشوقة حكيمةُ
العهودِ القديمة والعهود الآتية،
سَمَّيْتكِ إيميلي،
تأبيدا لذكرى حبيبة ماتت،
إيميلي التي تأكل الحلوى في الزاوية الداكنة
خلف باب الحظيرة
ثم تلعب الحَجَلةَ وترقص مُهْتاجة
كما رقص زُورْبا ذات جنون.
الحدائق في أعطافها، وفي ذيلها
شجراتٌ وزهراتٌ وكراسي انتظار
إيميلي التي تَعَضُّ بأسنان الثلج
على كَاطُو المشيئة،
لا مباليةً، في تنورتها تنخطف أعينٌ
وتصدح أنغامٌ ومواويلُ
ناياتٌ في كعبها تَطِقُّ
فرحة بها،
شكلها مقبض الوجود المنحوت
معتكفة على جمرها.
تهتف بعد أن ينام الكون،
بالعناصر تعوم في السديم
متلاشيةً مثل فضة الرؤيا
في خَلْطَة الصبر.
نُدوبٌ في ممرات الثلج الفسيحة
التي تَعْبُرُ نومها،
ملفعة بالظلال القرمزية بينما
صمتها يذرع الأودية المنتهكة،
أخْمَصَ ناحلا
إذ لا نأمة ولا حركة في السهوب
تنذر بحياة آتية
يُمَشِّطُها دبيب أرْجُلٍ لا مرئية.
سأتبعك إلى آخر النار والضباب،
إلى عشك الأزرق
المقطور بعربة عرجاءَ
تَتَمَرْجَحُ كطائر البطريق،
تقودها فهود الأدغال
وقصب السِّنوراتِ المطلة على
دم شِدْنٍ مخطوف
ثغا طويلا وتاه عند رؤية
أعناق أعشاب يشتعل
أخْضَرُها كمزلاج الحقيقة !.
إيميلي،
يا زرقاء،
أيتها البومة العمياء الرائية
بومتي
وبومةُ “صادقْ هِدايتْ”
المستمسكة بفرع الخرّوبِ العتيق
وسط الثلج والإعصار،
عَرِّجي، في مسراكِ، على هِيغلْ،
وأنت تستشرفين زَحْفَ المقابر
على التجاويف والأخاديد،
ونشيد الموتى في
الكهف المنير.
قدِّمي لي بِشارةً
وارْشقيني بوردة،
يا آخرَ الحكيماتِ اللاَّتي يسهرن
على صبيب الخراب في الخرائب.
ــ ماذا تقول حروفُ الكف،
تجاعيدُ الزمن
في ليل الخفافيش،
أين الملتقى،
وأين السبيلُ؟.
ــ إيميلي الحبيبة،
وأنت بعيدةٌ،
سَأفْترِسُ الوقتَ بالغناءِ.
سَأفْترِشُ اللاَّمكانَ
وأجلسُ كسَلْطَعونٍ حجريٍّ
على…
قارعةِ الندم.
شاعر من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي