وحوه فوتوغرافية
عبد الفتاح رياض: رائد عدسة التصوير ومعلم الأجيال فن الصورة

فريد ظفور*
في البدء كانت الكلمة… ماذا نقول ونحن في حضرة وصومعة قديس الفوتوغرافيا؟ من على كرسي الاعتراف الضوئي، نعترف بأن المبدع المتألق عبد الفتاح رياض هو المعلم الذي علَّم العدسة أن ترى بالقلب. كان رائد الصورة المصرية والعربية، ومن زمالة لندن إلى ذاكرة القاهرة، أصبح الضوء مدرسة. من الحارة إلى قاعات الدرس، كان صانع رؤية. كان ضوء الصباح في صوره ناعماً كصلاة، وظلال الجدران تنطق كأنها أسطر في كتاب.
أحبّ توثيق الحياة الشعبية في المدن والأرياف، فخلّد بأعماله مشاهد الحارات، والأسواق، ووجوه الأطفال والفلاحين والفلاحات في الحقول، والنساء خلف النوافذ، والرجال في المقاهي.

رحلة رائد التصوير العربي
لعل تاريخ البشرية حافل بالعباقرة والمبدعين والملهمين الذين تركوا بصمة فنية أو أدبية في ساحة الوعي عند شعوبهم. وفي تاريخ الصورة العربية، هناك أسماء عابرة وأخرى باقية. أما اسم عبد الفتاح رياض، فقد انغرس في ذاكرة الكاميرا العربية كجذع نخلة لا يشيخ. لم يكن مجرد مصور، بل كان مُعلّماً ومُلهِماً ومرجعاً تتلمذت عليه عدسات الأجيال منذ ستينيات القرن الماضي وحتى انطلاقة عصر التصوير الرقمي. كان يرى أن الصورة تُلتَقَط بالقلب قبل العين، وأن مهمة المصوّر ليست في الضغط على زر الكاميرا، بل في تحرير لحظة من أسر الزمن، لتبقى حيّة بين الضوء والظل.
في زمنٍ كانت فيه الصورة خجولة، تحبو بين حدود الاستوديوهات التقليدية، وتختبئ خلف خلفيات مزركشة ومشاهد مصطنعة، وُلدت عدسة عبد الفتاح رياض لتكسر هذا الحاجز وتعلن ثورة صامتة في فن التصوير الفوتوغرافي المصري والعربي. كان فناناً مؤمناً بأن الصورة تُرى بالقلب قبل العين، وأن مهمة المصور لا تقتصر على التقاط لحظة، بل على تجسيد إحساس وتوثيق حياة الناس وكتابة تاريخ الأمة.
لقد جعل من الضوء لغة ومن التكوين لحناً. لم يكن أسيراً لتقنيات العدسة بقدر ما كان صانع رؤية، يرى في ضوء الصباح صلاة، وفي ظل الجدار نصاً شعرياً، وفي وجه الإنسان حكاية تستحق أن تُروى. عزف لنا سمفونية الضوء والظل بـ”كونشيرتو” الكاميرا، عبر السلم الضوئي السباعي بألوان الطيف، بل وحتى باللون الأحادي وتدرجات الرمادي بين الأبيض والأسود. فتخرج من مدرسته أجيال وجحافل وجهابذة في فن الفوتوغرافيا. فكان بحق رائداً ومنارة يهتدي إليها عشاق الفن الضوئي، وكان قبلة هداية وبوصلة يتوجه من خلالها طلبة الفن الضوئي في اللغة العربية.
من الأكاديمية إلى الشارع: رحلة إبداع
وُلد عبد الفتاح محمود رياض عام 1923، وبدأ شغفه بالتصوير منذ شبابه، قبل أن يلتحق بكلية الشرطة ويتدرج في السلك الأمني حتى أصبح وكيلاً لمصلحة الأدلة الجنائية. وهناك، أدخل التصوير العلمي إلى قلب التحقيقات الجنائية، جامعاً بين الصرامة العلمية والابتكار البصري.
نال زمالة الجمعية الملكية البريطانية للتصوير الفوتوغرافي (FRPS)، وهي أرفع الشهادات في مجاله، ودرّس فن التصوير في جامعات مصرية وعربية وأجنبية، وألقى محاضرات متخصصة في أوروبا. كان يرى أن المصور الحقيقي هو من يوازن بين العلم والفن، وأن الكاميرا بلا فكر ليست سوى صندوق أسود لا حياة فيه.
بصمة فنية خالدة
توجه رياض بعدسته إلى الحياة الشعبية، فوثّق الحارات والأسواق والمقاهي، وصوّر وجوه الأطفال والنساء خلف النوافذ، ورجال الحرف. كما أبدع في تصوير المعمار المصري، والآثار الإسلامية والقبطية، ملتقطاً الجمال في الزخرفة، والهيبة في الصمت الحجري. ظهرت بعض أعماله على أغلفة كتب أدبية وفكرية، ونشرت مجلات مرموقة مثل “العربي” و”الهلال” صوراً من أرشيفه.
المعلم الذي خرّج أجيالاً
منذ ستينيات القرن الماضي وحتى مطلع الألفية، تتلمذ على يديه معظم المصورين في مصر والعالم العربي، سواء عبر كتبه أو من خلال دوراته التدريبية. كان أحد مؤسسي نادي القاهرة للتصوير الفوتوغرافي، ومن أوائل الداعين لتأسيس نقابة للمصورين الفنيين في مصر. خرّج مصورين بارزين في الصحافة والفن، وأشرف على معارض كبرى في دار الأوبرا، وقصر الفنون، ومركز الهناجر.

منجزات ومؤلفات
ألّف أكثر من 15 كتاباً تُعدّ مراجع أساسية في تعليم التصوير، منها: “فن التصوير الفوتوغرافي”، “التصوير العلمي والجنائي”، “الإضاءة والتكوين في التصوير”، “التصوير بالألوان”، و”العدسات وتقنيات التصوير”. اعتمدت كتبه في كليات الفنون، واستُخدمت من قِبَل الهواة والمحترفين على حد سواء.
أهم مؤلفاته:
عبد الفتاح محمود رياض (1923–2007)، أحد أبرز روّاد التصوير الضوئي والفوتوغرافي في مصر والعالم العربي. هذه الكتب تُعد من أوائل المراجع العلمية والفنية المنشورة باللغة العربية في هذا المجال:
- أسس التصوير الضوئي (1958): أول مرجع باللغة العربية يشرح المبادئ التقنية والعلمية للتصوير الضوئي.
- آلة التصوير (1961): دراسة شاملة لأنواع الكاميرات، وكيفية عملها، واختيارها، واستخدامها بأفضل طريقة.
- التحميض والطبع والتكبير (1962): مرجع تقني عملي لعمليات تحميض الأفلام وطباعتها وتكبير الصور.
- الإضاءة والفيلم (1963): كيف يؤثر الضوء على الفيلم، وأنواع الأفلام المستخدمة، وتقنيات الإضاءة المناسبة.
- التصوير بالأشعة غير المنظورة (1964): يتناول استخدام الأشعة فوق البنفسجية، وتحت الحمراء، وأشعة إكس، وغاما في التصوير.
- التصوير الملون (1965): المبادئ الكيميائية والفنية للتصوير بالألوان.
- المرشد العملي للمصورين والسينمائيين (1968): دليل ميداني عملي لفنيي التصوير الفوتوغرافي والسينمائي.
- التكوين في الفنون التشكيلية (1990): دراسة في سيكولوجية الرؤيا ودورها في إثارة الأحاسيس الجمالية.
- كشف التزييف والتزوير (1993): تقنيات تحليل الصور لكشف التزوير.
- الأفلام الحساسة (1996): دراسة تقنية حول أنواع الأفلام الحساسة واستخداماتها.
- أحكام القضاء حول التقارير الاستشارية (1996): العلاقة بين التقارير الفنية القانونية والأحكام القضائية.
- تصوير ما لا تراه العين (1997): تطبيقات التصوير بالأشعة غير المرئية.
- الأدلة الجنائية المادية (2000): ربط التصوير بكشف الأدلة في التحقيقات الجنائية.
- الضوء والإضاءة في التصوير الضوئي (2003): مرجع معمّق عن الضوء وتقنيات الإضاءة في التصوير.
- التصوير في البحوث الجنائية (حجية الصورة الفوتوغرافية كدليل مادي أمين) (2004): يتحدث عن الاعتراف القانوني بالصورة كدليل في المحاكم.
إضافات ومساهمات أخرى:
- شارك في مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراه بكلية الفنون التطبيقية والمعهد العالي للسينما.
- حصل على جوائز عالمية وجوائز تقديرية من الدولة ومؤسسات فنية، منها وسام الاستحقاق وقلادة الريادة.
إرثه الفني
شارك في العديد من المعارض الدولية ولقي اهتماماً واسعاً في الأوساط الفنية العالمية. ساهم في تأسيس نقابات ومؤسسات تصوير فوتوغرافي في مصر. نال جوائز وشهادات تقدير على جهوده في توثيق الهوية المصرية بعدسته. ترك أرشيفاً نادراً يُعدّ من كنوز التصوير في العالم العربي.
أقوال عنه:
- “كان يرى في الضوء صلاة، وفي الظل معنى، وفي وجه الإنسان حكاية لا يرويها سوى الفن.” — أحد زملائه المصورين.
- “لم يصوّر مصر، بل جعلها تتنفس داخل كل صورة.” — ناقد فوتوغرافي فرنسي.
جوائز وتكريمات:
حصل على وسام الاستحقاق من الرئيس جمال عبد الناصر، والجائزة الذهبية لمعرض الصور العربية في بغداد، إلى جانب تكريمات من اتحادات التصوير في مصر والعراق والكويت ولبنان.
خاتمة: رجل اختزل وطنه في صورة
رحل الفنان المصري اللواء عبد الفتاح رياض عام 2007، لكنه ترك وراءه إرثاً يفيض بالضوء والمعرفة. بقيت كتبه تُطبع، وصوره تُعرض، وأجيال المصورين تذكره باعتباره المعلم الأول الذي علّمهم أن العدسة ليست مجرد أداة، بل ضمير، وأن الصورة الحقيقية هي التي تحترم اللحظة وتخلّدها. وكما قال أحد تلاميذه: “من لم يقرأ لعبد الفتاح رياض، لم يتعلم التصوير بعد”. شكراً لأم الدنيا مصر، الولادة بالمبدعين في شتى أصناف العلوم والفنون والآداب والفلاسفة والمفكرين.
حين نتمعّن في أرشيف عبد الفتاح رياض، لا نرى فقط صوراً جميلة، بل نلمس روحاً عتيقة تشبه رائحة الورق القديم، ونسمع ضجيج الشوارع، ونداء الباعة، وصمت الأضرحة. لقد عاش ليوثّق، وصوّر ليحكي، وترك إرثاً بصرياً يشهد على قرن من التحوّلات المصرية، بأمانة الفنان وحسّ المؤرخ وذائقة الشاعر.
سيظل اسمه محفوراً في ذاكرة الضوء العربي، كأحد الروّاد الذين آمنوا بأن الفوتوغرافيا وطنٌ يُسكن في القلب، قبل أن يُرى بالعين.
المصور المصري عبد الفتاح رياض يُعدّ من روّاد فن التصوير الفوتوغرافي في مصر والعالم العربي، وهو من الأسماء التي وضعت حجر الأساس للتصوير الفوتوغرافي كفن وكمهنة ذات بُعد ثقافي وتوثيقي في مصر خلال القرن العشرين.
ناقد في الجماليات من سورية
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي