الرئيسية / الأعداد / نهى الخطابي بين صرامة الرياضيات وجزافية التشكيل – المختار النواري

نهى الخطابي بين صرامة الرياضيات وجزافية التشكيل – المختار النواري

 نهى الخطابي بين صرامة الرياضيات وجزافية التشكيل

المختار النواري*

 

تطل علينا الفنانة التشكيلية نهى الخطابي مرة من الرباط وأخرى من مونريال، وهي على تباعد الصقعين تجد لنفسها روابط، وتشد لروحها اواصر، تجعلها تجد نفسها على عراقتها في الهنا، ولا تتبرم على حداثتها في الهناك.

وربما قد لا يأخذ كل هذا برأس المرء، على قدر ما يفوق حجم استيعابه قدرة العقل الواحد والجسم المحدود، على انجماع الأول في الثاني والثاني في مساحة ضيقة، على القدرة على خلق التعايش بين صرامة الرياضيات، وتضبيط المنطق، وبين جزافية التشكيل، وتساهل الفن.

وهذا على غرابته فهو حال وواقع في شخص عالمة الرياضيات والأستاذة الأكاديمية والرسامة المبدعة والفنانة التشكيلية.

ولكن الذي يلتفت قليلا إلى تاريخ الفن والأدب سيجد بأن الفلاسفة والأطباء وعلماء الرياضيات والطبيعة لطالما أحبوا الفن، وانغمسوا فيه، فكان منهم عباقرة الموسيقيين والشعراء والرسامين والكتاب.

وكانت نهى الخطابي واحدة من هاته الحالات، ولقد طرحت السؤال على نفسها، ولا شك، مرارا، فكان جوابها الأخير: “أؤمن بوجود علاقة عميقة بين الفن والرياضيات. فـجمال نظرية رياضية متكاملة، أو برهانٍ أنيق، يمكن أن يُحدث في النفس ذات الانفعال الجمالي، الذي تثيره لوحة فنية بديعة.

وعلى الرغم من الشغف الطفولي بالفن، وطوال فترات التعلم المدرسي، إلا أن الرغبة الأبوية، والتزاماتها الدراسية، ثم مشوارها الأكاديمي، وتخصصها العلمي، وارتباطها بالتدريس الجامعي، كل ذلك شكل حجبا غشيت وهج الفن في روحها، وأخفته إلى حين.

ولكن ما إن خف الضغط، وتراخت القبضة قليلا حتى تنفست روح الفنانة المتيقظة نسيم الفن، وارتدت ألوانه البهيجة، واستجابت لنداءات شخصيتها العميقة، فكان التحول القوي نحو الفن، وبدون تردد، وبعزم قوي على عدم التراجع.

واختارت أن “تمثّل أعمالها الفنية رحلةً حقيقية، تتنقّل بين التجريد والتصوير، لتستقر في فضاء البورتريه التعبيري”.

إن اللوحة سفر من غيرما وجهة، وبدون خريطة.. إنها رغبة في الإقلاع، وعشق للمغامرة، دونما اكتراث بالنتيجة ولا اهتمام بالحصيلة: “أبدأ عملية الإبداع بتحرير النفس كلياً، وأتفاعل مع اللوحة دون خوف من النتيجة النهائية. أراقب، ثم أُبرز وألوّن المشاعر التي تظهر والموضوعات الكامنة خلفها. ومن هذه الغوصة العميقة في الفعل الإبداعي تولد وجوه مغطّاة بالسرّ، تنطق بقوة الخطوط وحرية الحركة”.

تبقى اللوحة سفر ماتع، والرسام ملاح بارع، يستلذ بالمجهول، ويحتلي مذاق الاكتشاف، بين أن يتعرف ويته، ويكتشف خبايا نفسه، ويفرغ موهنات عقله، ويخلق تصالحا داخليا، ينقلب معه المستحيل ممكنا، والمعقد بسيطا، وغير المدرك قريبا ومفهوما. إن اللوحة الحقيقية هي التي تتنقل بك في عوالم مختلفة وفي الأخير تجعلك تقتنع أن الاختلاف في الوحدة، والوحدة في الاختلاف، والتنقل عبرهما لم يكن يحتاج إلا لبعد نظر، وسعة خاطر، وراحة نفس: “ترتبط رحلتي الفنية بتأملٍ دائم حول العلاقة بين الفن والرياضيات: الحدس، الشكل، المنظور، الأبعاد المكانية والزمانية، أسرار العالم والطبيعة، الثوابت والمجهولات… كلها عناصر تُلهم لوحاتي الكبرى، وتغذي بحثي عن المغامرة والحرية. الألوان الدافئة والتباينات والضوء، تُثري هذه الرحلة الداخلية، وتضفي عليها حرارة الحياة”.

لقد كان لكل الرحلات دائما تذكارات، ولكل الرحالة مجلوبات، يحملونها من رحلاتهم، وتعني لهم جزءا من الرحلة، أو حدثا فيها، أو شخصا، ليقرروا الاحتفاظ به، وتفريج الأقرباء عليه، ولكن لا أحد ومهما أوتي من التفهم يدرك ما الذي يعنيه التذكار للرحالة، ولا يحس إحساسه به، لأنه يراه معزولا منزوعا من محيطه وسياقه، ومجردا من رفقته خلال الرحلة، واصطحابه مدة منها، وحرصه على الاحتفاظ به. وكلما طالت المدة زاد التعلق. لقد عادت الفنانة من رحلتها الفنية بالبورتريه، الذي تسكنه وجوه وأجساد أفريقية.. هذه نظرة الناظر من خارج اللوحة، ولكن النظرة مع اللوحة، ومن دخلها، تجعل الناظر يحس بالأرواح والأحاسيس والقيم، وربما سمع أصواتا، وأحس بأنفاس.

وقد ارتضت الفنانة للتعبير عن ذلك بلغتها الخاصة، ولكنها لغة مع اللوحة ومن داخلها، تقول:  “وفي هذا العالم، تتحول وجوه النساء الأفريقيات المجردة في لوحاتي إلى رموز، تحمل في طياتها بعداً ذاتياً، وسيرةً غير معلنة، فتُجسّد لقاءً حياً بين الصرامة الرياضية وحرية الإبداع”.

أدعو القارئ الكريم كي يقف أمام كل لوحة، أن يقف معها ومن داخلها، ليجرب حظه فيما تجود عليه من حس وسماع…

ناقد من المغرب

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

حلاق قريتي – عمر ايت سعيد

عمر أيت سعيد*   يبدأ الجمال حين يستقبلك الحلّاق الفنان في صالونه المتواضع بابتسامته الرقيقة …

اترك تعليقاً