قراءات في خصائص بنية الهايكو (الجزء الثاني)
توفيق أبوخميس*
تتميَّز قصيدة الهايكو بشقيها القديم والحديث بعدَّة خصائص تحدِّد نوعها، وتبيِّن تفرُّدها بوجود فوارق واختلافات عن غيرها من القصائد المماثلة كقصيدة النثر والومضة الشعريَّة، ولم تكن هذه الأنواع لتشتبه مع قصيدة الهايكو في بيئتها الأصلية، وربما قد تواردت تلك التشابهات في بعض البيئات اللغويَّة الأخرى التي وصل لها شعر الهايكو مترجماً، سواء جاءت الترجمة مباشرة عن ذات اللغة اليابانيَّة أو عن لغة أخرى وسيطة، وهذه بعض الخصائص المميِّزة لقصيدة الهايكو.
- المقاطع اللفظيَّة: تُقسَّم قصيدة الهايكو إلى سبعة عشر مقطعاً لفظيّاً، وتأتي وفقاً للترتيب التالي5-7-5 وتكوِّن الخمسة مقاطع الأولى الجملة الأولى، ثمَّ تكوِّن السبعة مقاطع الثانية الجملة الثانية، بينما تكون الخمسة مقاطع الباقية الجملة الثالثة، وهذا ينطبق فقط على الهايكو في اللغة اليابانيَّة وذلك لملائمة المقاطع اللفظية بها لهذا التقطيع، ولقد أجازت جمعية الهايكو العالمية الاستغناء عن التقطيع اللفظي كأحد خصائص بنية الهايكو لباقي اللغات لعدم توافق هذا التقطيع مع عدد المقاطع بها
وذلك كما في هذه القصيدة للشاعر إيسا:
تعال إلي،
أيها العصفور اليتيم
لنمرح معاً
وهذه المقاطع وفقاً لهذا الترتيب هي ما يعطي قصيدة الهايكو رونقها وإيقاعها الموسيقى المميَّز في اللغة اليابانيَّة.
لقد وجد التوزيع الصوتي في مقاطع الهايكو الياباني بغرض إحداث إيقاع وجرس وموسيقى عند إلقاء الهايكيست له أو سماع النص من قبل المتلقي.
والإيقاع الموسيقي من ضروريات الشعر وهو أيضاً مكون أساسي من مكونات الهايكو، وعلى هذا يكون الهايكو أبتر بدون هذا الإيقاع
وليس الشكل الثلاثي بحد ذاته يعتبر إيقاعاً وإنما وجود الانسجام في الإيقاعات المنتظمة بين تلك السطور
والأذن العربية أذن موسيقية فلا يمكن ان تستيغ شعراً دون إيقاع موسيقي ولذا لا يمكن أن يكون هناك هايكو دون إيقاع ( رنة صوتية معينة) ، أم أن والشكل الثلاثي لا يختزل الإيقاع ولا يلغيه ومهما كان عدد المقاطع أو عدد الكلمات أو الطول والقصر.
وللتوضيح أكثر عن الجرس الموسيقي في الشعر
يُعَدّ الجرس الموسيقي من أبرز العناصر الجمالية في الشعر والشعر العربي خاصة، إذ يُضفي عليه إيقاعاً موسيقياً يجذب السامع ويمنحه إحساساً بالانسجام والتناسق، ويتحقق هذا الجرس من خلال مجموعة من العوامل الصوتية والإيقاعية التي تجعل الشعر أكثر تأثيراً وعذوبة.
- وللجرس الموسيقي في الشعر العربي عدة عناصر وهي:
البحر الشعري والتفعيلة:
حيث يعتمد الشعر العربي التقليدي على بحور “الخليل بن أحمد الفراهيدي”، حيث تمتاز هذه البحور بإيقاعات منتظمة تخلق موسيقى داخلية تنسجم مع المعنى. أما في الشعر الحر، فيظهر الجرس الموسيقي من خلال التفعيلة المتكررة، مما يجعل النص محافظاً على الإيقاع دون التقيّد بالقافية الصارمة. وهذا ممكن تطبيقه أيضاً على نص الهايكو.
2.القافية وحروف الروي:
يعتبر للقافية دور كبير وهام في إضفاء الجرس الموسيقي، إذ تخلق نوعاً من التناغم السمعي في نهاية الأبيات، مما يعزز الإيقاع العام للقصيدة. كما أن إختيار حرف الروي بعناية يؤثر في نغمة الشعر وإحساس المتلقي به.
3.التكرار والتوازي:
يُستخدم التكرار بمختلف أشكاله (تكرار الكلمات، الحروف، العبارات) ليعزز الموسيقى الداخلية للنص. أما التوازي، وهو تكرار التراكيب النحوية بنفس النمط، فيساهم في تقوية الإيقاع وزيادة الانسجام الموسيقي.
4.الجناس والتصريع:
يُضفي الجناس (تشابه الكلمات في النطق واختلافها في المعنى) إيقاعاً محبباً للأذن، بينما يحقق التصريع في البيت الأول من القصيدة تناسقاً موسيقياً بين شطريه، مما يمهد لنغمة القصيدة.
5.حروف المد والمخارج الصوتية
تلعب حروف المد (الألف، الواو، الياء) دوراً مهماً في امتداد الصوت وإعطائه موسيقى ناعمة، بينما يؤثر توزيع الحروف المفخمة والمرققة على تلوين الجرس الموسيقي في القصيدة.
وللجرس الموسيقي أهمية بالغة في الشعر العربي ومن مزاياه:
• جذب الانتباه والإمتاع: إذ يجعل القصيدة أكثر وقعاً في الأذن وأسهل في الحفظ والترديد.
•تعزيز المعنى والمشاعر: حيث تسهم الموسيقى في إيصال الإحساس والتعبير عن العواطف بشكل أعمق.
• تمييز الأسلوب الشعري: فالشاعر والهايكيست الماهر يستطيع توظيف الموسيقى لتعكس حالته النفسية أو رسالة النص.
وعليه يبقى الجرس الموسيقي عنصراً أساسياً في الشعر، سواء في القصائد التقليدية أو الحديثة أو الهايكو والومضة ..إلخ، لأنه يمنحها روحاً إيقاعية تجعلها أكثر تأثيراً. والشاعر/الهايكيست البارع هو من يستطيع توظيف الموسيقى الشعرية بحرفية تامة ليحقق بذلك التناغم بين الإيقاع والمعنى.
يتبع ..
ناقد وشاعر من الأردن
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
