قصة أغنية تنكأ الجراح
الحسن أقديم*
من يلقي إطلالة على تعليقات الجزائريين في منصة اليوتيوب على الأغاني المغربية الرائدة، أغاني الزمن الجميل على وجه الخصوص، كأغاني بلخياط والدكالي والحياني ونعيمة سميح … إلخ، وكذا تعليقات المغاربة على الموسيقى الجزائرية الأصيلة والمعاصرة : كوردة، والحراشي، وإيدير، وحسني وخالد …إلخ، يكتشف فيضا من مشاعر الأخوة والود الذي يجمع المجتمعين، المغربي والجزائري. تعليقات عفوية محمولة بعواطف أخوية وجدانية جياشة وصادقة، مرفوقة في الغالب بصور عديدة للعلمين المغربي والجزائري المقترنين، وايقونات لقلوب حمراء، رمز الحب الأخوي والاقتران الوجودي بين الشعبين الشقيقين. إنها ملفوظات وعلامات حقيقية صادقة خالية من النفاق والزيف والمجاملة، صادرة من أناس أحرار متباعدين مكانيا، لكن يقربهم اللحن الجميل والكلمة المعبرة. ولا تخفى في هذه التعليقات نبرة التحسر على الحساسية السياسية التي فرقت الشعبين الشقيقين، وتعبر في الوقت ذاته عن رغبة جامحة في تحقيق الوصال بين مجتمعين يجمعهما كل شيء، والملاحظ كذلك في آلاف التعليقات التي ذيلت بها مئات الأغاني الجزائرية والمغربية الرائدة، الغياب التام لخطاب الصراع والسخرية الذي يظهر في سياقات دنيا، فالذي يعشق الغناء والموسيقى يبحث دوما عن الجمال والقيم المشتركة النبيلة وكل ما يتسامى بالروح الإنسانية، ويترفع عن الحزازات والنوازع والأحكام التنميطية.
الموسيقى صدى الروح والوجدان الصادق، وجسر لرحابة التواصل الإنساني الدافئ، والأغنية واللحن الشجيان يتواجدان دوما في مواجهة العقل السياسي الصراعي المأزوم. الأغنية تربة عاطفية خصبة وشجرة طيبة وارفة الظلال تنتصب أمام زحف الجفاف السياسي وتصحر القلوب الذابلة. إن روائع الأغاني الاجتماعية والعاطفية تزيل أدران النوازع السلبية عن النفوس، وتكشف مكنون الإنسان الهش والسمح الكامن في إنسانيتنا، إنها قادرة على النفاذ إلى دواخل إنسانيتنا الطيبة، فتحيي فينا التوق إلى مد جسور التواصل والمحبة والتعايش، ومقاومة كل أشكال الإبعاد والنبذ والصراع، باسم السياسة أو الدين أو العرق أو اللغة إلخ. فكيف لا تكون الأغنية فضاء وجدانيا للوصال بين شعبين شقيقين يجمعهما التاريخ والدين والثقافة والمصاهرة والمصير المشترك، حين أغلقت حدود البر والبحر والجو.
لقد تحولت التعليقات على الأغاني المغربية والجزائرية الخالدة من التعبير عن الإعجاب والتأثر العفوي بالأداء واللحن والعزف، إلى نكء جراح الحنين المشترك بسبب الحؤول دون تواصل الإخوة، فصارت التعليقات مجالا للتنفيس عما تجيش به لحظات التأثر الوجداني الموسيقي بتحويل هذا الإحساس الجمالي الفني إلى بوح بمشاعر الاشتياق والحنين إلى زمن الحدود المشرعة بين الشعبين. وتتيح خاصية التعليقات في العالم الافتراضي إمكانية البوح العاطفي العفوي، وابتداع قنوات لقاء رمزية، تعوض نسبيا الفراغ العاطفي الذي خلفته السياسة، وتقاوم بشكل رمزي الانسداد السياسي المفروض، لتنفلت من قبضة الكبت الذي كرسته الأنا السياسية العليا.
إذا أخذنا على سبيل المثال تعليقات الجزائريين على أغنية الراحلة نعيمة سميح ” ياك أجرحي ” على منصة اليوتيوب، ورائعة ” البوهالي ” لعبد الهادي بلخياط نجد تعليقات من قبيل : ” أنا من الجزائر من عشاق أغاني عبد الهادي بلخياط وعبد الوهاب الدكالي ونعيمة سميح وتحية للشعب المغربي الشقيق ” و ” تحية عطرة من وجدة، أنا من أم جزائرية وأحب الأغاني الجزائرية “، وآخر يعلق ” أنا من الجزائر الشقيقة، عاشقة للطرب المغربي حتى النخااااع روووعة ” . وتحت الأغنية الرقيقة للفنان دحمان الحراشي ” يا الرايح وين مسافر”، نجد تعليقات من قبيل : ” مغربي عاشق للجزائر، بعيدا عن سياسة الخمجة لي فرقات بينتنا. تحية لكم إخواني” و ” الفن يجمعنا والسياسة تفرقنا ” و ” تحية من المغرب لإخوتنا الجزائريين، الفن يوحدنا “. و تعليقات أخرى تختم بعد الاحتفاء بالجمالية الفنية للأغنية بعبارات من قبيل : ” تحية من المغرب إلى الجزائر الشقيقة ” و ” تحية من جزائري لإخواننا المغاربة “.
نلاحظ في هذه العينة من التعليقات وغيرها كثير جدا وبصيغ متنوعة، أن تأثير هذه الأغاني يتجاوز الإحساس بمواضيعها الإنسانية : كالمرض، وألم الفقدان، والغربة، والحب، والحنين …إلخ، إلى استدعاء مطرد وجلي لرابطة الأخوة المتينة بين المغاربة والجزائريين، والتعبير الصادق عن عمق الأواصر بين الشعبين الشقيقين، كما تنم عن الرغبة الجامعة في تمتين جسور التواصل وأواصر المحبة بين الشعبين، وتشير الملفوظات الدالة على الجمع مثل : ” نحن، المغاربة، الجزائريون، إخواننا، الشعب، الأحباب …” إلى الإحساس بوحدة الهوية والمصير المشترك، والتعبير عن الشعور والضمير الجمعيين، والذاكرة والوجدان الشعبي المشتركين، وهما اللذان تهيجهما روائع الأغاني المغربية والجزائرية والمغاربية بشكل عام.
إن الخطاب السياسي المغربي الرسمي يترجم هذه الأواصر الوجدانية والتاريخية الوطيدة بين الشعبين، وما فتئ الملك محمد السادس منذ توليه العرش، يذكر بالروابط المتينة بين الشعبين، ومدت الخطابات السامية دوما يد الود وروح الصداقة والأخوة بصدق وإصرار ” خطب العرش لسنوات : 2018، 2021، 2022 “، حتى صار مبدأ ” اليد الممدودة ” الثابت الذي لا يتغير تجاه النظام الحاكم في الجزائر، وهو ثابت أخلاقي أخوي صادق قبل أن يكون رسالة ذات بعد سياسي في العبارة المتداولة إعلاميا ” سياسة اليد الممدودة “، حيث عملت الخطب الملكية دوما على ترسيخ الشعور بالأخوة والتوأمة بين الشعبين، والتأكيد على الروابط الروحية والثقافية والتاريخية المشتركة التي تتعالى على الحسابات السياسية المفتعلة. من جهة أخرى تضمنت الخطب الملكية دوما دعوات صادقة للنظام الجزائري لتجاوز الخلافات، والاستجابة لنداء الأخوة. ويبرز التواصل الملكي مع الجزائر التمييز الدائم بين العلاقة الوجدانية تجاه الشعب الجزائري الشقيق، والتدبير التواصلي الحكيم مع قيادة النظام الجزائري في الأمور السياسية الخلافية، وعيا من الدولة المغربية، في انسجام تام مع الواقع التاريخي والثقافي والوجدان الشعبي، بمتانة الروابط بين الشعبين، التي لا يمكن أن تلغيها ألاعيب سياسة ظرفية.
في عز الانتصار الأممي لقضية وحدتنا الترابية، وفي غمرة الفرح الشعبي بالنجاز التاريخي، أبدى الملك في خطابه الأخير 31 أكتوبر 2025، مشاعر محايدة، لأنه لا غالب ولا مغلوب في قضية تهم السيادة الترابية المغربية، وجدد دعوته للرئيس الجزائري بصياغة أخوية تبرز الاحترام والتقدير رغم الخلافات السياسية : ” أدعو أخي فخامة الرئيس عبد المجيد تبون، لحوار أخوي صادق، لبناء علاقات جديدة تقوم على الثقة وروابط الأخوة وحسن الجوار “، وأراد الملك للجزائر أن تكون قوية، وأقر الملك بكون أمن الجزائر واستقرارها، من أمن المغرب واستقرارهّ، واعتبر أن العلاقة مع الجزائر هي المدخل الأساس لبعث الاتحاد المغاربي المعطل.
في الجهة المقابلة لا نجد صدى هذا الحب والإخاء المتبادل في المستوى الرسمي الجزائري، بالمقابل نجد صداه ورجعه في المحبة المتبادلة التي يكنها الشعب الجزائري للمغاربة، دون مبالاة بتعنت النسق السياسي، وسقنا مثال التفاعل مع الأغاني كفضاء عفوي كشاف للبنية الأخوية المتجذرة بين الشعبين التوأمين. ويظهر هذا الأمر بوضوح في ديار الغربة، حيث يكتشف المغاربيون جميعا حجم التقارب الثقافي والروحي الكبير بينهم، وينسجون علاقات إنسانية عميقة في العمل والمصاهرة والمساعدة في جميع المجالات .
يبدو أن الوقت قد حان ليكتشف مدبرو الشأن السياسي في الجزائر، أن نقل الصراع من الحقل السياسي إلى الحقل الاجتماعي عبر وسائل الإعلام توجه فاشل، وقد ينقلب السحر على الساحر، وعلى المغاربة أن ألا ينساقوا وراء هذه الأصوات التي تقتات من تأجيج الصراع بين الشعبين، عبر السخرية والتسفيه، لأن البنية الأخوية العميقة بين الشعبين أعمق وأمتن من أن تحركها رياح سياسية مزاجية مقيتة، تغلق الجو والبر والبحر، معتقدة أنها ستقطع وشائج التواصل في زمن صنع فيه الناس فضاءات تواصلية عابرة للحدود والقارات. ولعل التفاعل الافتراضي حول الأغنية المغاربية عامة والمغرب جزائرية بشكل خاص أمتن جسر ثقافي وجداني وروحي ودبلوماسي، وأرض خصبة للعاطفة الأخوية التي لا تعترف بالحواجز والحدود والحسابات السياسية الضيقة.
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
