الرئيسية / الأعداد / ميلانين: غواية الحرف وتعدد الأصوات – نجيب التركي

ميلانين: غواية الحرف وتعدد الأصوات – نجيب التركي

ميلانين: غواية الحرف وتعدد الأصوات

نجيب التركي*

 

كنت أزعم – أو هكذا حدثتني ذاتي القرائية – أنني على مواكبة ما يصدر في عالمنا العربي من إنتاج ثقافي، لكن وسط هذا التدفق السردي والمعرفي المستمر شعرت بأنني إبرة في كومة قش، إلى أن ساق إليّ القدر على غير موعد اقتباسًا للكاتبة التونسية فتحية دبّش من روايتها ميلانين. سؤال بسيط وُجه لها: هل يخيفك أن يسيء القارئ فهمك؟ هذا السؤال جعلني أتوقف طويلًا أمامه، قبل أن أجد بين يديّ الرواية نفسها.

غواية التمهيد: حين يبدأ النص قبل صفحته الأولى

من النادر أن يستوقفني نص قبل أن ألج صفحته الأولى، غير أن تمهيد فتحية دبّش فعل ذلك بي. قرأته مرة واثنتين وثلاث، وكل مرّة كان ينفتح لي أفق جديد، كنت أصغي إلى مقطوعة موسيقية تتبدل نغماتها دون أن تفقد انسجامها. الكلمات تتوزع بنبرة هادئة، تشي بما ينتظر القارئ من غواية سردية قادمة.

لعبة الضمائر وتعدد الأصوات

منذ السطر الأول تكشف الرواية عن بنيتها التجريبية: تبدأ بضمير الغائب: «يتداولون الهمهات، يستسلمون لنشوة عابرة بالنجاة…» لتضعنا في موقع الراصد للمشهد.

سريعًا ما تتحول إلى ضمير الجمع (نحن): «نتوالى كالنمل مغادرين…» فنذوب داخل الحشد، نتنفس ضيق الممر ونشعر بالازدحام. ثم تستقر الساردة في ضمير الأنا: «يسكنني هاجس ضجر»، لتعلن عن حضورها الذاتي ككيان مستقل يبحث عن معنى. هذه التحولات ليست شكلية، بل تؤسس لجوهر الرواية: علاقة الفرد بالجماعة، وعلاقة الذات بالعالم الخارجي، وكيف يتنقل الإنسان بين الانصهار في الكل والبحث عن صوت خاص.

موضوعات الرواية: هوية، اغتراب، كتابة

ميلانين نص يتقاطع فيه: الهوية والانتماء: حيث يتحول اختلاف اللون إلى سؤال وجودي. العنصرية والتمييز: تجربة البطلة في مواجهة الآخر تكشف هشاشة المجتمعات أمام الاختلاف. الكتابة كملاذ: النص نفسه يتحول إلى مساحة لمساءلة الذات، وكأن السرد محاولة للنجاة من الضجر والخذلان.

موسيقى اللغة

ما يميز الرواية حقًا هو أن اللغة بطل آخر. الكلمات تصطف كما لو كانت نوتات موسيقية، تتصاعد حينًا وتهدأ حينًا آخر، لتخلق إيقاعًا داخليًا يجعل القراءة شبيهة بالإصغاء إلى عزف منفرد.

 بين الرحلة الجغرافية والرحلة الوجودية

قد يبدو للقارئ للوهلة الأولى أنّ ميلانين تقترب من أدب الرحلات بما أنها تنطلق من مشهد سفر وتتوزع أحداثها بين تونس وفرنسا، غير أنّها لا تُعنى بالمكان في حد ذاته كما يفعل الرحالة التقليديون الذين يوثقون المدن والعادات والفضاءات. إنّ الرحلة هنا ليست انتقالًا جغرافيًا بقدر ما هي انتقال داخلي، رحلة وجودية تسائل الهوية واللون والانتماء. فالمطار والشوارع والفضاءات الفرنسية ليست سوى مرايا تُضاعف من حضور الذات وتكشف غربتها، وهو ما يجعل الرواية أقرب إلى أدب الهوية والاغتراب منها إلى أدب الرحلات الكلاسيكي.

  موسيقى السرد وأسئلة الهوية

من أبرز ما يميز ميلانين الموسيقى السردية التي تنسجها فتحية دبّش عبر تنقلها بين الضمائر، والإيقاع الداخلي للجمل، وتوزيعها للكلمات كما لو كانت نوتات متعاقبة في معزوفة هادئة. هذه اللغة ليست مجرد وسيلة لنقل الأحداث، بل أداة لإشراك القارئ في التجربة الشعورية للبطلة؛ حيث يتحول السرد نفسه إلى عزف يترجم قلق الهوية واغتراب اللون. ولعل هذا البعد اللغوي يذكرني بقراءتي لكتاب فوضى الهويات: بورتريه واحد لوجوه متعددة لحوراء النداوي، حيث تتقاطع الأسئلة حول الذات والآخر والانتماء، غير أن دبّش لا تطرحها عبر التحليل الفكري المباشر، بل عبر موسيقى الحرف وانسياب اللغة التي تجعل القارئ يعيش الإحساس قبل أن يعيشه ذهنيًا.

 الميلانين: اللون كاستعارة وجودية

اللون، أو الميلانين كما تشير الكاتبة في عنوان الرواية، ليس مجرد صفة جسدية للبطلة، بل يصبح استعارة مركزية لصراع الهوية والانتماء والغربة. من خلال هذه الثيمة، تتقاطع الرواية مع قضايا التمييز الاجتماعي والنظرة إلى الآخر، حيث يواجه الإنسان تحديًا مزدوجًا: التعايش مع ذاته كما هي، ومقاومة الأحكام المسبقة للمجتمع. الميلانين هنا يتحول إلى رمز للغربة الداخلية، وللحاجة إلى الاعتراف بالذات في فضاءات مختلفة، وهو ما يجعل القارئ لا يقرأ مجرد رحلة مكانية، بل رحلة وجودية تتنقل بين الذات والعالم، بين ما يُرى وما يُحس.

الخط السردي المكثف

أحد أبرز سمات ميلانين الأسلوبية هو ما يمكن تسميته بالخط السردي المكثف، الذي يقترب من لغة القصة القصيرة في اختزاله وتقطيعه. لا نجد جملًا مطولة أو حشوًا غير ضروري، بل تراكيب قصيرة ومركزة تحمل أبعادًا متعددة في كل سطر، مثل: «غادرت المكان مسكونة بأسئلة أخرى، زرت واحدًا من أجنحة اللوفر، أتوه بين ماضٍ وحاضر» أو: «أنزلق إلى نفق المحطة، أنتحي مقعدًا بانتظار رقية، مكثت ساعة أو بضع ساعة أبحلق في عربات الميترو، أتسلى بقراءة ملامح المرتادين». هذا الأسلوب لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يخلق إحساسًا باللحظة العابرة، ويتيح للقارئ الانغماس في تجربة البطلة الداخلية، حيث تتداخل الزمان والمكان والملاحظة الذاتية في نبض سردي سريع ومتقطّع، يجعل النص قريبًا من الموسيقى والإيقاع أكثر من كونه مجرد سرد خطي تقليدي.

النوستالجيا: ذاكرة المهاجرين

لا يخلو سرد ميلانين من نوستالجيا دقيقة، حنين للماضي الذي سبق وأن شكّله المهاجرون السابقون للكاتبة، والذين ساهموا في تأثيث المدينة بصور حياتهم اليومية وآثارهم المادية والمعنوية. يظهر هذا بوضوح في مقطع مثل: «أنفاق تأوي مدينة تحت المدينة، كلما ارتدت واحدًا منها انقبض صدري، أفكر في آلاف المهاجرين المغاربة والأفارقة الذين شيدوه وتركوا فيه ضحكات قليلة وآهات كثيرة طوتها السكك». هنا لا يقف النص عند الملاحظة الجغرافية أو التاريخية، بل يحوّل المكان إلى مرآة للذاكرة الجمعية، حيث تتداخل التجربة الشخصية للبطلة مع ذكريات جماعية، ويخلق إحساسًا بالارتباط العميق بالماضي وبالمهاجرين الذين سبقتها، مما يثري البعد النفسي للرحلة ويقوي حسّ الغربة والانتماء في الوقت ذاته.

 التناص: بين النص المقدس والذاكرة الجمعية

من السمات اللافتة في ميلانين حضور التناص، حيث تنسج فتحية دبّش نصها في حوار خفي مع نصوص أخرى، قرآنية وأدبية وثقافية. أبسط الأمثلة قولها: «وتسألينني: ما غرّك بي يا سهيل» على وقع الآية القرآنية: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم}. هذا التداخل ليس مجرد استعارة لفظية، بل هو إعادة شحن للغة بدلالات جديدة، إذ ينقل النص المقدّس من سياقه الوعظي إلى سياق وجداني/عاطفي، فيحوّل الخطاب من علاقة العبد بربه إلى علاقة المحب بالمحبوب. مثل هذا التناص يمنح الرواية عمقًا مزدوجًا: من جهة، يُغني النص بدلالات روحية وثقافية؛ ومن جهة أخرى، يكشف قدرة الساردة على ترويض التراث وإدخاله في نسيج ذاتي معاصر، فتتجاور في النص لغة الغربة والهجرة مع لغة المقدّس، بما يعكس طبقات الهوية التي تحاول الرواية تفكيكها.

لا يتوقف التناص في ميلانين عند النص القرآني وحده، بل يتسع ليشمل اللغة التراثية والذاكرة الجمعية. فحين تستعير الكاتبة عبارة «اليمن السعيد»، فإنها لا تحيل فقط إلى جغرافيا بعينها، بل تستدعي ما ترسّخ في المخيال العربي من تصوير لليمن بوصفه موطن السعادة والبركة. غير أن دبّش تعيد تدوير هذا التوصيف في سياق مختلف، لتوظفه بوعي ساخر أو مفارق، كما في قولها: «وانحنى منهم آخرون لتصنيعها بجمهورية الصين الشعبية». هنا يتقاطع الماضي الرمزي (اليمن السعيد) مع الحاضر الواقعي (الصين الشعبية) في مفارقة تكشف عن تحولات العالم واغتراب الإنسان فيه. بهذا المعنى، يصبح التناص وسيلة لتوسيع أفق الرواية، وربط تجربة البطلة الفردية بفضاءات ثقافية وجماعية متشابكة.

 الزواج بين الشرق والغرب

في مقطع دال، تطرح فتحية دبّش مسألة الزواج بوصفها نموذجًا لتصادم المرجعيات الثقافية: «الزواج مسألة شرقية لا يحتاج إلى الحب بقدر ما يحتاج إلى العذرية. بينما هناك في أوروبا مسألة غريبة، وهوس أوروبي، والعذرية لديهم ليست مسألة شخصية على الإطلاق». هنا تضعنا الكاتبة أمام تضاد صارخ بين ما يُعتبر في الشرق شرطًا اجتماعيًا جوهريًا وبين ما يُعدّ في الغرب مسألة هامشية لا تحدد جوهر العلاقة. هذا الطرح لا يأتي في سياق أحكام جاهزة، بل في إطار مساءلة مستمرة للذات وهي تواجه ثقافات مغايرة. وبين الشرق الذي يقيم على رقابة الجسد، والغرب الذي يخفف من وطأة هذه الرقابة، تتأرجح البطلة في منطقة وسطى، حيث تُختبر القيم وتُفكك التصورات النمطية. وهنا تكمن قوة الرواية: في قدرتها على كشف المساحات الرمادية التي تتخلل الهوية الفردية حين تعيش بين عالمين.

 الخاتمة: من الجينات إلى غواية الكتابة

تختم فتحية دبّش روايتها برسالة من أحمد إلى البطلة، يعلن فيها عن وصول نتائج التحليل الجيني (آ. د. ن)، ويخاطبها قائلاً إنها ستجد فيه تفاصيل كوابيسها، وأنهما معًا سيكتبان تفاصيل ذاكرة الميلانين التي سيحملها أحفادهما من بعدهما. بهذا المشهد الأخير، تصعد الرواية من التجربة الفردية إلى الأفق الجمعي؛ من الحاضر المأزوم إلى المستقبل الموروث. فالميلانين لم يعد مجرد دلالة على لون البشرة أو اختلاف شكلي، بل أصبح مجازًا لذاكرة ممتدة، تختزن معاناة الماضي، وأسئلة الهوية، وآمال الأجيال القادمة. إن نهاية الرواية بهذا الشكل تؤكد أن النص ليس فقط حكاية عن الغربة والتمييز، بل شهادة على انتقال الذاكرة بين الأجيال، حيث يتحول الألم الشخصي إلى ذاكرة جمعية، ويمتزج الحبر بالجينات في كتابة لا تنتهي. تختم أيضا ب: متثاقلة الخطى أغادر السرير، أسكب كاسا من الماء طمعا في إطفاء حرائق العطش، وتغرقني حواسي في تفاصيل روايتي لا تقف الرواية عند رسالة أحمد والتحليل الجيني بوصفهما مفتاحًا لمستقبل الأحفاد فحسب، بل تُسدل ستارها الأخير على صورة حميمة: «متثاقلة الخطى أغادر السرير، أسكب كأسًا من الماء طمعًا في إطفاء حرائق العطش، وتغرقني حواسي في تفاصيل روايتي». هذا الختام يُعيد القارئ من الأفق الجمعي إلى الأفق الفردي، من المختبر الجيني إلى لحظة الكتابة ذاتها. هنا تتماهى البطلة مع الكاتبة، ويتحول العطش الفيزيولوجي إلى عطش روحي لا يطفئه سوى الحرف. وكأن دبّش تقول إن كل رحلة، وكل ذاكرة، وكل تحليل للون أو للهوية، ينتهي في النهاية إلى فعل الكتابة نفسها؛ حيث السرد هو الملاذ الأخير، والكتابة هي التي تحفظ الذاكرة وتمنحها الحياة. ميلانين رواية قصيرة نسبيًا (166 صفحة)، لكنها تفتح أبوابًا واسعة على أسئلة الهوية والاغتراب واللون. كتابتها المشبعة بالشعرية تجعلها نصًا يفرض نفسه على القارئ بوصفه تجربة تُعاش.

ناقد من اليمن

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً