الوصايا“

السيد أحمد حمزة*
في إحدى سفريَّات الجدة ، لزيارة أختها جدة دمياط في القطار ، الذى يشق القرى والحقول والمدن ،ويطوى الليل والمسافات، كان الحفيد كثير الحركة ، يصْعدُ فوق المقْعد ، كى يُطِلَّ بنظره، على مناظر الحقول الجميلة ، التي تجذب ناظريه وتمرق مسرعة ، من أمام نافذة القطار، من فرط حركته وعدم طاعته للجدة، وعدم سماعه الكلام، نهرته الجدة أكثر من مرة ، كى يركنَ إلى الهدوء، ويكف عن التشبث بالنافدة، وإخراج رأسه أو ذراعه من الشباك ، قالت له مهدّدة زاعقة
- اللى ما يسمع “يأكل لمَّا يشبع”
ولكزته بقبضتها في كتفه ، وربطته في مقعد القطار، بقطعة حبل كانت تُؤمّن بها أحد الأمتعة .. وانتفضت تنهره قائلة :
- أنت مُرادك إيه ؟!. اهدأ يا ولد ، أنت قلبي يا ابنى .. أخاف عليك تقع .. فتتألم .. وتتوجَّع لا تتعب قلبي .
كان يتذكر ذلك الموقف دائمًا في كل سفرٍ له بالقطا، أو كلما، رأى القطار أو ركبه .
كبر الحفيد ، وحين بدأ يسافر بالقطار وحده ، إلى الجامعة ويسعى إلى الكلية ،التي يدرس بها ، لم ينس أبدا تلك الأيام وأحداثها ، ويتذكر دائما تلك المواقف ، وحتى الآن، بعد أن تخرَّجَ واشتغلَ بوظيفة ، وتزوَّج وأنجبت له زوجته الأولاد والبنات ، لا ينسى أبداً.. أبداً كلما مر على “قهوة” نظر وتأمَّل، ودارت في رأسه كلمات الجدَّة ، فيجد نفسه ، يتساءل ناطقًا دون شعورٍ منه غير مبالٍ، بمن يسير بجواره في الشارع مرددًا
- يا نهار أزرق، كل دُول ناس صيْعه ؟!!! ولاد ستين كلب ؟!!! دائمًا يتذكَّر حين نادته الجدة وقالت له :
- اجلس واسمتع .. واعقل كل كلمة، واجعلها حلقة في أذنك .
جلس الحفيد منصتًا إلى الجدة التي رنت إليه قائلة :
- اسمع الكلام واعمل به ، تطلع محطة القطار، تقف تنتظر القطار، لا تتعجل ، وتركض تقابله ، حين يقف على الرصيف .. اركب.. لا تتزاحم
.. ركبت القطار، اجلس على كرسي بسرعة، وإن كان مزدحمًا ، إياك أن تقف في فم الباب ، أو تذهب وتقف بين عربات القطار، حين تصل المحطة ، لا تنزل .. إلا حين يقف القطار، وتمشى فورًا إلى الكلية، وأنت راجع اذهب الى المحطة ،على ميعاد القطار بالضبط ، تركب يتحرك بك وبالركاب راجعًا، الجدة توصى والحفيد يومئ مبتسمًا دليل الموافقة ،وأكدت عليه نفس الوصايا مرات كثيرة . في إحدى المرات قاطعها قائلا:
- حفظته يا ستى وسوف أعمل بوصياك بالحرف ، لكن فيه أمور لا افهمها ،ردت الجدة حازمة وشارحة :
- لا تركب القطار إلا حين يقف ، حتى تركب مطمئنا آمنا لا تتأذى.
ولا تقف فى فم الباب ، حتى لا يصطدم بك أحد عامدًا أو غصبًا عنه ، فتسقط خارج القطار.
لا تقف يا ولدى بين عربات القطار، لا قدر الله انفصلت العربتان، أين تكون؟؟ يا حبيبي بعيد الشر .
وحين يقف القطار في محطة الوصول، استعجل وغادر المحطة مسرعًا بعد النزول ، حتى لا تكون صيدًا للصوص والمخبرين والحرمية ،وعند العودة اطلع على ميعاد القطار ، لأن المخبرين في منتهى الغلاسة ، ولا يتركون أحدًا في حاله ، وأبدًا لا تجلس على القهوة ، حسِّك عينك ، لأن كل الجالسين على القهوة ، عالم وحشة، كلهم صيعيين أولاد ستين كلب .
وقامت متكئة عليه، همَّ يقوم واقفًا في أثرها ، بعدما انتصبت واستقامت في وقفتها ، أشارت له علامة البقاء جالسًا ثم قالت له ، وهى تخطُّ بعصاها خطًًا حوله :
-اجعل هذه الكلمات ، حلقًا فى أذنك ، لا تسقط أبدًا ، وطوق حول رقبتك لا تنساها طول ما فيك روح .. ، وأكملت بصوت يملأه الحنو تسلم يا حبيبي .
انصرف الحفيد وصوت الجدة يخفت كلما ابتعد عنها أو ابتعدت هي وغابت ، لكن كلماتها ظلت ، يتردد صداها بصوت عال يزلزله ، وتتغلغل فى روحه دائما .. ساكنة سائر جسده وحواسه.
قاص من مصر
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي