الرئيسية / الأعداد / سيميائيات الصناعة الثقافية في الخطاب الإعلامي، الخطاب الإشهاري نموذجا – أمين اضريف

سيميائيات الصناعة الثقافية في الخطاب الإعلامي، الخطاب الإشهاري نموذجا – أمين اضريف

سيميائيات الصناعة الثقافية في الخطاب الإعلامي، الخطاب الإشهاري نموذجا

أمين اضريف*

 تقديم:

شغل مفهوم الصناعة الثقافية حيزا مهما في مجالي العلوم الاجتماعية والإنسانية.. ويعود ظهور هذا المفهوم إلى مدرسة فرانكفورت مع ماكس هوركهايمر، وتيدور أدورنو في كتابهما “جدل التنوير” في الفصل الموسوم بـ “صناعة الثقافة-التنوير كخداع للجماهير”. وقد انصبّ اهتمام هذه المدرسة منذ نشأتها سنة 1923 بجامعة فرانكفورت، على صياغة نظرية نقدية للمجتمع، لمواجهة الأنظمة الاستبدادية الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية..، التي تمارس سلطتها الفكرية والاجتماعية.. على المجتمع، لتنميطه وبرمجته وإخضاعه واستعباده.

إن المتتبع لمسار تطور مدرسة فرانكفورت بالمعهد الاجتماعي لجامعة فرانكفورت، يجد أنها انطلقت في صياغة مبادئها وآليات اشتغالها، من الفلسفة الماركسية، والهيجيلية، والكانطية..، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، لبناء نظريتها النقدية، لفهم المجتمع وتحليل بنياته الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية..، وتشخيص أزمة العقلانية الأداتية في سياق التحولات الفكرية والتكنولوجية التي مسّت المجتمع وانعكاساتها على حياة الإنسان.

تعد مدرسة فرانكفورت من أهمّ المدارس الفلسفية والاجتماعية التي برزت في عشرينيات القرن الماضي، وشكلت منعطفا بارزا في مسار الفكر الأوروبي، وقد قامت على عدة أسس، أبرزها:

الأسس الفلسفية: أثرت الفلسفة الماركسية بشكل كبير في مدرسة فرانكفورت، فمفاهيمها وروحها النقدية حاضرة في أجيال المدرسة الثلاثة الذين انطلقوا من العمل على تحرير الإنسان من كل أشكال الاستلاب والهيمنة والإقصاء.. كما نجد أيضا حضور الفلسفة الهيغيلية وأثرها في فكر هذه المدرسة، وقد عبّر عن ذلك هوركهايمر في درسه الافتتاحي الذي ألقاه عند تعيينه مديرا للمدرسة، فقد استفاد إلى جانب أدورنو وباقي رواد المدرسة وخاصة الجيل الأول، من المنهج الجدلي الهيغيلي الذين ربطوه بالواقع الاجتماعي.

الأسس النفسية والاجتماعية: لاحظ رواد مدرسة فرانكفورت معاناة الفرد داخل المجتمع الصناعي وانحطاط قيمه، وهو ما دفعهم في نقدهم إلى العمل على إعادة الاعتبار للفرد من خلال إعادة قراءة الإرث الفرويدي في ضوء تحولات المجتمع الصناعي، عبر طرح مفاهيم من قبيل: الرغبة والشعور واللاشعور..، وعلاقتها بتطويع الفرد السيطرة عليه خدمة لمصالح الفئة المسيطرة.

استندت المدرسة على منهج التحليل النفسي لتحليل المشاكل التي يعاني منها الأفراد في سياق المجتمع الرأسمالي، فاعتمدت في البداية على أعمال إيريك فروم في علم النفس الاجتماعي الذي مزج بين التحليل النفسي الفرويدي والنظرة الماركسية، فجمعه بين مجالي علم النفس وعلم الاجتماع أسهم بشكل كبير في إغناء روافد النظرية النقدية وإثراء أدواتها الإجرائية، وخاصة بعد انضمامه لهذه المدرسة.

  • الصناعة الثقافية والخطاب الإعلامي (الإشهار أنموذجا)

الخطاب الإعلامي صناعة ثقافية، إنه ممارسة اجتماعية تعمل على تنظيم الرسائل المجتمعية عبر وسائل الإعلام، وفق الخصوصيات الثقافية للمجتمع، وتحولت هذه الوسائل من أداة لنقل المعلومات إلى وسائل لبناء/هدم الثقافات والحفاظ/تغيير على هويتها، وتبعا لذلك أصبح الخطاب الإعلامي اليوم عنصرا أساسا في توجيه المجتمعات لما يتوفر عليه من سرعة في نشر المعلومة.

في ظل هذه التحولات الفكرية والتقنية، أصبح نمط العيش في المجتمع المعاصر قائما على الوسائل التكنولوجية التي سخرها الإنسان للسيطرة على الطبيعة وقضاء مصالحه، فانتهى به الأمر إلى أن سيطرت عليه هو ذاته، وخاصة مع وسائل الإعلام التي تحاول تنميطه.

وقد وقف ماكس هوركهايمر، وتيدور أدورنو في كتابهما “جدل التنوير” في الفصل الموسوم بـ “صناعة الثقافة-التنوير كخداع للجماهير” عند دور الإعلام في تعزيز موقع الصناعة الثقافية ودورها في الضغط على حاجات المستهلكين، بإثارتهم وتوجيهم لحدّ الوصول إلى إلغاء التسلية أو البعد الفني للوصلة الإعلامية بصفة عامة، فلا حدود توضع على تقدم ثقافي من هذا النوع. (هوركهايمر، وأدورنو 168) “وإذا كانت حاجة التسلية بقدر كبير منها نتاج الصناعة التي استخدمت موضوع عمل لتفرضه على الجماهير، فإن إعادة إنتاج قطعة حلوى لامتداح صورة ملونة أو العكس صورة حلوى من أجل بيع الطحين الذي يستخدم في صنعها، فإن التسلية قد أظهرت كيف ترتبط بدورها بالتلاعب التجاري، وكلام البائع الذي يبهر وتنميق الأسواق” (هوركهايمر، وأدورنو 168 169) الذي يتوجه نحو الجماهير من أجل توجيههم لبلوغ السعادة المحققة نتيجة اقتناء المنتج.

فحسب أدورنو تنزع السلع الثقافية إلى تشابه وحداتها، وهي تبرز جزئيا من استخدام عمليات الإنتاج الضخم القائم على نظام التجميع، ذلك النظام الذي يجمع الآلات والعمال بحيث ينجز كل عامل عملية خاصة على سلعة ناقصة، والذي يدفع المنتجات بصورة طبيعية باتجاه التشابه والتماثل، لكن الأمر يختلف بالنسبة للسينما أو الموسيقى..، لإن إنتاج فيلم أصيل أو أغنية شعبية أصيلة لا يكلف أكثر من إنتاج فيلم مكرر أو أغنية شعبية مكررة. والحال أنّ “المعيارية” حسب أدورنو غالبا ما اتسمت بخاصية استعارية، بمعنى البحث عن طرائق فاعلة في تطويق الجمهور وفي “محاكاة” ما سبق له أن استعبدهم، وليس مجرد تكرار الشيء أو مضاعفته. وفكرة “المحاكاة” هنا أقرب إلى ما يعنيه أدورنو بـ “المعيارية” قياسا بمعنى التماثل الحرفي (هاو 109) الذي وسمناه في المقدمة بالتنميط، أي تنميط أفراد المجتمع.

انصب معظم نقد أدورنو للثقافة على صناعة التسلية الأمريكية، إلا أن سيرورة تصنيع الثقافة كانت قد برزت في عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته في كل من الولايات المتحدة وأوروبا ونظرت إليها النظرية النقدية كتتمة منطقية لذلك التحول من الرأسمالية التنافسية إلى الرأسمالية الاحتكارية. ومعنى ذلك بمصطلحات ماركسية، هو أنه في حين عملت الرأسمالية التنافسية على تمجید فضائل فردانية صارمة مثل فردانية رو بنسون كروزو، فإن الرأسمالية الاحتكارية اقتضت من الأفراد أن يحملوا أنوات أشد مرونة وتكيفا.ً هكذا صار على العمال أن يهينوا أنفسهم للاستسلام للشركات التي يعملون فيها وأن يشتروا إحساسهم الخاص بالفردية عبر السلع.” (هاو 62)

ولقد مثلت الثقافة لدى مدرسة فرانكفورت الزاوية الثالثة في نظام السيطرة المتزايدة. فالتغيرات في الاقتصاد السياسي (على سبيل المثال، تنامي الرأسمالية الاحتكارية وما رافقه من تنامي جهاز الدولة الإداري)، والتغيرات في علم النفس الاجتماعي، غدت تخدمها الآن سيرورة ثالثة: وهي إغراء صناعة الثقافة. وهذا ما دفع أدورنو بشكل خاص، كما دفع سواه، كل على طريقته بأن يسلط رؤيته المدمرة على الأفلام، والمذياع، والتلفاز، والموسيقى الشعبية، والصحف … التي عملت بكل سرور على تعزيز ذلك الوهم الذي مفاده أن “الحياة الحسنة” إنما توجد في السلعة. (هاو 62 63)

وفي سياق الانفجار المعلوماتي السريع الذي عرفه عالم اليوم، أصبح الخطاب الإعلامي عنصرا أساسا في بناء الفرد والمجتمع، ويعد الخطاب الإشهاري من أهم مضامين وسائل الإعلام، لاعتبارين:

الأول: يتمثل في أن الإشهار من أهم المضامين التي تقدمها وسائل الإعلام لما تدرّ عليها من أرباح مادية، إلى جانب أدوار أخرى تدعم ثقافة وإيديولوجية الفئة المسيطرة على هذه الوسائل.

الثاني: يتجلى في الوسائل والأساليب المتنوعة التي يستعين بها لتمرير الرسائل، كالخطاب البصري، واللغوي، والموسيقي..، التي تخاطب الشعور واللاشعور في الآن ذاته.

إن العلاقة بين الثقافة والإعلام بصفة عامة، والإشهار بصفة خاصة، علاقة هلامية مبنية على التمويه، نظرا لتداخل عناصر متعددة من مجالات مختلفة، تبدو للوهلة الأولى أنها متنافرة، لكنها تتآلف لتخدم بعضها لبعض لتأدية وظيفة هجينة، تخرج عن المغزى الاقتصادي للإشهار المتجلي في خلق الرغبات نحو منتج معين، إلى غايات توجيه ذوق الإنسان وعاداته وقيمه وسلوكه.. في غياب تام للرقابة الثقافية التي أزّمت بيئة بث الإرسالية الإشهارية، وزادت من تفاقم العنف الرمزي على مستهلك الإشهار والمنتَج، وهو ما أسهك في تحوير الخطاب الإشهاري عن مقصده التجاري، إلى توجيه قيم وسلوك أفراد المجتمع وتنميطهم.

سيطرت الجهات المتحكمة في وسائل الإعلام على مضامين الخطاب الإعلامي/الإشهاري، وسخرت أنظمتها للتوجيه والتحكم، لصناعة وعي الفرد ليصبح متماهيا مع توجهاتها التي تُفقده استقلاله الذاتي عبر الخطاب الإشهاري الذي غزا عالم الثقافة فحول القيم الثقافية إلى قيم تجارية استهلاكية “وأصبحت الثقافة باعتبارها صناعة تنتج سلعها … بل أصبحت صناعة من خلال الوسائل البيروقراطية المنظمة للتوزيع، وأصابها ما يصيب كل صناعة، وهو مرض الاحتكار، فوقعت فريسة احتكار الشركات الإعلامية الضخمة، التي تضمن أن تصل المنتجات الثقافية المعروضة للبيع والاستهلاك للجميع” (عماد 83)

لا شك أننا اليوم نعيش في قلب صراع يشق الطريق نحو نشوء ثقافة معولمة إدماجية تهيمن عليها ثنائية المركز والهامش، لخدمة موارد النخبة الدولية الأكثر دينامية في عالم اليوم التي تستثمر في الثقافة لنشر القيم والسلوكات وأنماط التفكير المعولمة. (عماد 253)

فحسب ماكس هوركهايمر وتيدور أدورنو في كتابهما “جدل التنوير”: فإن الثقافة تحولت إلى سلعة تخضع لقانون التبادل مع أنه لا يمكن تبادلها بحد ذاتها، وتذوب في الاستهلاك رغم عدم قابليتها لذلك، ويشكل الإعلام/ الإشهار إكسير حياتها، ولكن وبما أن نتاجها يجعل المتعة باستمرار مجرد وعد، فهو ينتهي بالتوحد مع الإعلان الذي تحتاج إليه من أجل التعويض عن الكبث الذي تخلقه، ففي مجتمع تغلب عليه المضاربة تصبح وظيفة الإشهار توجيه الأفراد وتنميطهم على الاستهلاك.

من هذا المنطلق صار ينظر إلى الثقافة على أنها تعبير عن ركود المجتمع وعنصر سببي في هذا الركود على حد سواء. وما جعل الثقافة لافتة بالنسبة للمنظرين النقديين هو ما تميزت به من غياب الدينامية حتى إن أدورنو صاغ المصطلح القدحي، مصطلح صناعة الثقافة كي يبين مدى تغلب القوى الصناعية على الثقافة وسيطرتها عليها. (هاو 62)

2– الخطاب الإشهاري وأدلجة الثقافة

أصبح الخطاب الإشهار في متناول الجميع، بل وأصبح يُفرض قسرا في كثير من الأحيان، فنجد الإرسالية الإشهارية تمارس عنفها المكاني/ الفضائي على المشاهد/ المستمع، باغتصابها كل الفضاءات التي يلجها، فيجدها في الشارع على اللوحات الإعلانية تعترض بصره، ويجدها في المذياع، والتلفاز، ووسائل التواصل الاجتماعي..، فتُفرض عليه وتوجه ذوقه العام، من خلال تسريب مجموعة من القيم عبر أشكال عرض المنتج عن قصد/ غير قصد. ويتوسل الإشهار بوسائل متعددة للإقناع “بوصفه موضوعا مركبا، يدين بفاعليته المريعة إلى كونه يراهن على كل سجلات الإقناع في وقت واحد، فكل هذه العناصر، هي في الغالب، شديدة الارتباط. وسيكون إذن من الأفضل أن نقوم بوصف هذه المواقف، حسب الحالات، مثل المواقف التي يهيمن عليها الإغراء ـ أو تلك التي يهيمن عليها الحجاج” (بروطون 26) الذي يستعين به الخطاب الإشهاري لبناء عوالمه، والوصول إلى عقل وعواطف المستهلك واستمالته.

يكوّن الخطاب الإشهاري جزءا من النظام الاجتماعي الذي تتقاطبه ظواهر ثقافية تشكل علامات تواصلية وأنساقا دلالية، تعكس أبعاد إديولوجية توجه هذا النظام. من هذا المنطلق أصبح الخطاب الإشهاري وسيلة للتثاقف بين الأفراد والمجتمعات لأنه يحمل ثقافة الآخر عبر المنتج، ويعمل على تحويلها إلى أفكار وقيم وسلوكات.. لخدمة الإشهار في ظاهره عبر ربط المنتج بالقيم لتطويع المستهلك عبر ثنائية الأنا/ الآخر التي تخول له الانتقال من بنية ثقافية إلى أخرى.

وفي هذا السياق يقول يوري لوتمان: “الحد يمكن أن يحدد بصفته الحد الخارجي لشكل بصيغة ضمير المتكلم، هذا الفضاء هو فضاؤنا، هو الفضاء الخاص بي، … وكل ثقافة تبدأ بتقسيم العالم إلى الفضاء الداخلي الخاص “بي”، وفضا” ئهم” الخارجي. الطريقة التي يؤول بها هذا التقسيم الثنائي تتوقف على تيبولوجية الثقافة المعينة. غير أن التقسيم الحقيقي هو الذي ينبع من الكليات الثقافية البشرية” (لوتمان 35) لأن الخطاب الإشهاري يراعي خصوصية المجتمع الثقافية، ويرى أن “الحياة الثقافية، تفرض بنية مكانية – زمانية خاصة، لأن ثقافة ما تنتظم داخل إطار ينتمي لمكان – زمن خاص، ولا يمكن أن يوجد خارج إطار هذه الحياة. هذا التنظيم يتحقق ماديا على شكل سيمياء كون تقوم في نفس الوقت بإنتاجه” (لوتمان 40)

وكما أشرنا سابقا فإن الخطاب الإشهاري لا يخلو من الحمولات الثقافية التي تعبّر عن ثقافة المجتمع المستهدف من الإشهار، للترويج للثقافة التي تتساوق وأهداف الجهات المرسِلة للإشهار، حيث تتحول الأفكار والقيم.. إلى سلع، ومعها يتحول الفرد داخل المجتمع إلى أداة لتصريف السلع/ الثقافة المُنمّطة، فيُشيّأ ويخضع لثقافة المجتمع المستهلك للسلع والأفكار والقيم والسلوكات.

إن الخطاب الإشهاري محكوم بنماذج وصور نمطية، تُطمس داخل الأبعاد المتعددة المشكلة للثقافة، وتسهم في تغيير سيرورة بناء الثقافة ومحدداتها، وتمنحها دلالات جديدة تتجاوز الذات في المجالين المكاني والزماني. “حيث تصبح وظيفة الثقافة، هي التنظيم المبنين للعالم الذي يحيط بالإنسان. إنها تشكل، حول الإنسان، كونا سيميوطيقيا واجتماعيا، وكل الأفراد داخل هذا الكون يقتسمون نموذجا معينا للعالم” (لوتمان 9)

يكتسي مفهوم الكون مكانة مهمة عند يوري لوتمان، فهو الذي يحدد شروط إنتاج وتبادل وتلقي العلامات وما تحمله من سمات ثقافية، على اختلاف أشكالها المجسدة في خطابات أدبية وجمالية وسياسية ومؤسساتية..، هذه الشروط هي التي تعمل على خرق الحدود بين الفضاءات والمجالات السيميائية، ومعه تغذو سيمياء الكون مثل فضاء حواري تلتقي فيه -كما يمكن أن تتعارض أو تتفاعل- عناصر معرفية وتواصلية وفنية وجمالية للتعبير عن الكون الثقافي الذي يؤطر الخطاب. (لوتمان 8) بصفة عامة، وخاصة الخطاب الذي يتخذ الظواهر الثقافية موضوعات اتصالية/ تواصلية، والخطاب الإشهاري من أكثر الخطابات التي تستثمر هذه العناصر في خطابه.

لأن الاستراتيجيات المعتمدة في بناء الخطاب الإشهاري، تتوسل بظواهر ثقافية متداولة في الحياة اليومية، وبأدوات بلاغية جمالية تُستعمل بشكل جميل وذكي، تخاطب النفس واللاشعور لتعطيل دور العقل في تلقي الإرسالية الإشهارية والتخلص من رقابته. وكلها أدوات لتطويع اللاشعور ومداعبة المخيال بلذة وشوق من أجل التماهي مع الوضعية الإنسانية-موضوع الغواية- التي قُدِّمت شكلا لعرض المنتج موضوع الإشهار، والوصول إلى ذهن المستهلك واستدراجه/ برمجته على تحقيق لحظات حالمة باقتناء المنتج المُشهَر به.

من هذا المنطلق “لا يمكن تحديد إرسالية إشهارية بعيدا عن تحديد دائرة قيمية يوجد ويُتداول ضمنها المنتوج. وعبر هذا المزج تلج الإيديولوجيا إلى ساحة الفعل في غفلة من الملتقي وتتسلل إلى لا شعوره. ولا يتم هذا إلا عبر المدلولات التوسطية التي لا تبدي علاقة مباشرة مع المنتوج” (بنكراد 52)

فإشهار العطر مثلا عندما يُعرض في الإرسالية الإشهارية على اللوحات الإعلانية في الشارع، أو على التلفزيون أو على مواقع التواصل الاجتماعي…، لا يعرض الرائحة في حدّ ذاتها، لأن المستهلك لا يمكنه شمّها، بل يعرض النشوة والثقة في النفس والسعادة.. التي يصل إليها عارض المنتَج عند استهلاكها، إلى جانب إبراز أن المستهلِك عند استعمال المنتج سيتميز عن الآخرين في مستويات عديدة، نذكر منها:

المستوى الاجتماعي: مثلا تبرز الإرسالية الإشهارية أن اقتناء المنتج المشهَر به واستهلاكه، سيجعل المستهلك ينتمي لطبقة اجتماعية أرقى، وهذا يرسخ عنفا اجتماعيا لدى المستهلِك الذي لا يستطيع اقتناء المنتج موضوع الإشهار، لأن عدم قدرته على اقتناء المنتج، توهمه أنه سيبقى حبيسا في طبقته الاجتماعية، وهذا الميْز الذي تلقاه مستهلِك الإشهار، يسهم في إبراز أن هناك طبقات اجتماعية تخضع لتراتبية بناء على نمط عيشها.

ويمكن أن يخلق هذا الخطاب الإشهاري، تمييزا آخر من حيث الجنس- ذكر/ أنثى-: بإعلاء الرجل على الأنثى. مثلا: عند استهلاك العطر المشهَر به، يوضع الرجل في منزلة قوة وشهامة..، وجعل الجنس الآخر-الأنثى- أقل من ذلك. أو جعل الأنثى عند استهلاك هذا المنتَج أكثر إثارة بلباسها وشعرها ومكياجها، وحركاتها..، وأكثر إعجابا واشتهاء وغواية للرجل، وهو ما يحصر في لاوعي مستهلِك الإشهار أن المرأة تعمل جاهدة لإرضاء وخدمة الجنس الآخر/ الرجل وأنها مجرد أداة.

خلاصة

إن تعاطي الإنسان مع الوسائل التقنية الحديثة في مجتمع اليوم، جعلت علاقته مع الآخرين ومع ذاته علاقة متصدعة، في مجتمع متسم بأحادي البعد الذي سخر وسائل الإعلام لتنميط المجتمع والسيطرة عليه، وممارسة كل أنواع العنف الرمزي لتحقيق مصالح الفئة المسيطرة.

من هذا المنطلق فإن تقنية الصناعة الثقافية تهدف عبر وسائل الإعلام إلى صناعة الإنسان المستهلك للسلع والثقافة، فالخطاب الإشهاري يعمل على إثارة الرغبات والحاجيات النفسية قبل الحاجيات المادية، لإشراط النفس على سلوك الاستهلاك، ليسهل فرض رقابة على وعيها، وبالتالي تحول الخطاب الإشهاري من آلية للترويج للسلع، إلى آلية لترويج لقيم الاجتماعية والثقافية..، لأنه لا يركز بالدرجة الأولى على مميزات المنتج، بل على كيفية وضعه في دائرة ثقافية يدافع عن قيمها من خلال تمثيلات لحالات إنسانية.

إن التساؤل الذي يمكن طرحه في هذا السياق، هو: كيف نساير الوسائل التقنية الحديثة والتحولات السريعة التي يعرفها عصرنا العولمي، والحفاظ على الهوية الثقافية في نفس الوقت، وتثبيتها وتعزيز قيم التمسك بهويتنا في عصر تغوّل ثقافة العولمة. وفي خضم هذه الإشكالات التي تعاني منها بيئة بث الإرساليات الإشهارية، يمكن خلق رقابة ثقافية على المؤسسات الإعلامية ووضع استراتيجيات تنظم الخطاب الإعلامي – اللغوي وغير اللغوي – المتداول في الوسائل الإعلامية بشتى أنواعها.

المراجع

بروطون، فيليب. الحجاج في التواصل. ترجمة مشبال، محمد. والتهامي العلمي، عبد الواحد. مصر: المركز القومي للترجمة، 2013.

بنكراد، سعيد. سيميائيات الصورة الإشهارية: الإشهار والتمثلات الثقافية. المغرب: أفريقيا الشرق، 2006.

عماد، عبد الغني. سوسيولوجيا الثقافة: المفاهيم والإشكالات…من الحداثة إلى العولمة. مركز دراسات الوحدة العربية. لبنان، 2016.

لوتمان، يوري. سيمياء الكون، ترجمة النوسي، عبد المجيد، المغرب: المركز الثقافي العربي، 2011.

هاو، آلن. النظرية النقدية: مدرسة فرانكفورت. ترجمة ديب، ثائر، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010.

هوركهايمر، ماكس. وأدورنو، ثيودور. جدل التنوير: شذرات فلسفية. ترجمة كتوره، جورج بطرس، لبنان: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2006.

 

باحث في الدراسات الأدبية واللسانية والثقافية، من المغرب.

 

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً