إصدارات الهايكو
كتاب “محفل راقص في ساحة المقبرة” للشاعر والمترجم حسني التهامي، ودهشة المفارقات

“محفل راقص في ساحة المقبرة” هي مجموعة الهايكو الرابعة للهايجن المصري حسني التهامي. يتكون الكتاب من تسعة أبواب: هايكو الريح، هايكو النهر، هايكو الحرب، ثلاث فراشات عالقة في الضوء، دمية خزفية بكامل أناقتها، هالة الضوء والظلال، على سرير بين غصنين، هالةٌ نورانية فوقَ ظلّ المَلكْ، هايكو خيال علمي.
يعدّ الكتاب مغامرة في فنّ الهايكو الوافد على الذائقة العربية التي ظلّت تستقي الجمال الشعري من الأنماط المتعارف كالقصيدة العمودية، والتفعيلة والنثر، ولم تعتد على الأشكال القصيرة المختزلة، لا سيما الهايكو، القائمة في الأساس على المشاهد الحسية المحفّزة على التأمل الذهني، والتخلُّص من الأنا الشاعرة الغارقة في تأجيج المشاعر تجاهها دون الالتفات إلى مباهج الكون الفسيح وتفاصيل الشارع وإيماءاته الآسرة. إن خاصية التنحي تضيف إلى النص الشعري خصوصية، حيث يصبح الهايكو فنّ الاحتفاء بالآخر والحياة. تتوارى الذات حين يتخذ الشاعر موقعًا محايدًا، يقتصر دوره على التقاط المشاهد الحسية داخل كونٍ لا متناهٍ، زاخرٍ بالتفاصيل والكائنات التي تثير دهشته. فالذات هنا ليست محور النص الشعري، لكنها تنصهر في نسيج الوجود، وتتفاعل مع سائر الموجودات الكونية.
جدارِ مُتصَدّع
نسجُ العنكبوتِ
بكاملِ هيئتِه !
يظلّ حضور الأنا عائقًا أمام جوهر الهايكو في نقائه الأصيل؛ فالتدخل المباشر للذات يكدّر صفاء اللحظة المضيئة ـ لحظة الهايكو ـ ويُعتّم الشعاع الذي يقود إلى صفاءٍ روحيٍّ أعمق. من هنا يتنحّى الشاعر عن مركز الحدث، ويعبّر عن مشاعره عبر جزئيات المشهد الحسي ذاته، بحيث تتدفق العاطفة عبر تماهي الذات مع روح الأشياء.
ذكرى الأربعين
ياسمينةُ الشُرفةِ
تُورق مجددا
إن الهايكو الحقيقي هو دعوة صادقة ووفية للحياة، فكل شيء تدبّ فيه الحياة حتى في ساحة المقبرة. لا مجال للموت من منظور الهايكو؛ إنّه يُصغي لارتعاشة ورقة خريفية، لزوبعة هوائية عابرة. لا يرى الهايكو في العواصف مبعثا للخوف والفناء، بل محفلا راقصا يدعو العالم والأشياء للاحتفاء باللحظة الجمالية. هكذا هو الهايكو يرى في لحظات الحرب والانهيار بصيص ضوء للحياة والنهوض والانسجام الكوني بين أضدادها. ينبثق الجمال من القبح والوئام والسكينة من الصخب والنبتة المخضلّة من قاع حذاء منسي في حقل ناءٍ. وباشتباك شاعر الهايكو مع العالم المعقّد والمتصارع، فهو ينفي عن نفسه النزعة الهروبية، إذ يرى في الواقع الإنساني جوانب خفية مفعمة بالحيوية والجمال والحياة. يُركّز كاتب الهايكو على الأشياء الصغيرة التي تجعل الحياة ممتعة ومحتملة. وهذا يحتم على الهايجن أن يكون منتبها وواعيا في حالة من الصفاء الذهني لكل ما يحدث حوله ويتحرر من المشاعر السلبية ويتقبل الحياة كما هي ببساطتها وجمالها العفوي.
تقاطعٌ عابرٌ
على الماءِ
ظلي وظلُها
ارتكزت مجموعة “محفل راقص في ساحة المقبرة” على جمالية المفارقة، وهو ما جعل جلّ النصوص صادمة وغرائبية، لا يمرّ القارئ عند قراءتها مرورا عابرا، لكنها تستدعيه، وأحيانا تؤرّقه، حين يقف أمامها مشدوها، يتأمل بنيتها التي تعتمد على انسجام المتنافرات. يظلّ القارئ شريكا فاعلا في تكوين بنية الهايكو، وأمام ناظريه يتفجّر عنصر الدهشة نظرا لهذا التوتر الجمالي وانشغال حواسه بتأمل الأشياء الدقيقة والجمع بين تفاصيلها وهي تتشكل بطريقة غرائبية غير متوقعة.
عواصفٌ ثلجية
السماءُ والأرض
الماستان
تُعَدّ المفارقة جوهرَ الهايكو وسرَّ عبقريته، ومنها تتدفق شرارة الإبداع التي تضيء فضاءه الداخلي، مُحدِثةً صدمة وعي في لحظة الإدراك المفاجئ لجمالٍ آسرٍ مستمدّ من مشاهد الكون اللامتناهية. فعندما يحدث التمازج بين تفاصيل الوجود المتنافرة بفعل المفارقة، تنكشف أمامنا حقائق الوجود، إذ إن تجاور هذه المتناقضات، في بساطته الظاهرة، جزءٌ أصيل من بنيته الواقعية. وبهذا المعنى، تغدو المفارقة – على حد تعبير الألماني توماس مان (1875–1955) – “لمحة صافية تتسم بالحرية والهدوء، إنها لمحة الفنّ الصافي ذاته”. ولا يقتصر دور الهايجن على التقاط المتناقضات فحسب، بل يتجلّى في قدرته على تحويلها إلى صورٍ ذهنية حيّة، وتمثيلها ضمن نسيج الحياة اليومية، بما يتيح للقارئ التفاعل معها وإعادة تشكيلها عبر وعيه الخاص ورؤيته الفردية للعالم والوجود.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي