الفنان التشكيلي أمحمد الجراري من مشراط الجراح إلى ريشة الرسام

المختار النواري*
يولد الإنسان، وحينما يولد، وهو فنان، فإن الموهبة تولد معه، والفن يفطر عليه، وينضج حسه الفني في جانب من الجوانب، تتهيأ له ظروف، منها ما هو شخصي، ومنها ما هو اجتماعي، ومنها ما هو تعلمي، ومنها ما هو ظرفي. وقد ييسر الله أسبابا، لم تكن في الحسبان، ولا موضوعة في أحد مسارات خريطته الحياتية، فتنضج موهبته في هذا الفن، أو ذاك، رياضيا أو موسيقيا أو نحاتا أو رساما أو ممثلا أو مهندسا، وفي فروع شتى من هذه الفنون، وتخصصات عدة.

وأما الموهبة فإنها تنشأ في نفس صاحبها، وتترعرع شيئا فشيئا، وتنمو رويدا رويدا، ويكبر معها الإحساس الفني، وتتقن التقنيات، وتتطور المهارات، وتتعمق الخبرات، حتى إذا استوى الفن في الملكة، واستقام شأنه في الروح ملكها، وسكن الهواجس، وغلف الأحاسيس، واستبد بالنفس، فأصبح نبضها، الذي يتدفق في عروقها ويحييها، وهواءها الذي تضخه في رئتيها وتتنفسه، ومزادتها التي تقتات منها وتتقوى بها، وسقياها الذي ترتوي منه وينعشها، ويبقي عليها، حتى لا تضيع، أو تتلاشى، خلف ما تتلاشى فيه النفوس البشرية ممن لا موهبة لها، أو ممن لم تنجح في القفز عليها، والاهتمام بها، وبلورتها وإنضاجها. فيكون مرورها من هذه الحياة مرورا بلا أثر، وعينا بلا خبر. عبرت وكأنها لم تعبر، وملأت المكان ولم تؤثر، واستهلك طاقات الحياة ولم تُذكر.
وفي لحظة مقدرة من حياة الإنسان، يتفتق حسه الفني، وينفجر تعبيره عنه، انفتاقا يُنزِّل ملامح موهبته، وانفجارا يشهد على قوة قريحته.

وليس الأمر مقرونا بمرحلة من مراحل العمر، غير أن ذلك لا يمنع من أن تبقى الموهبة معلقة وإلى أن يأذن الله لها بأمرين:
ـ الأمر الأول أن تبقى الموهبة مطمورة، وفي وسط الشخصية مغمورة، ولا يُعرف لها وجود حقيقي، ولا تمظهر فعلي، وإن كان في أعماق النفس هاجس يتحرك بين الفينة والأخرى، وفي داخل الأذن وشوشة تُسمع من حين لآخر، تقول أن هناك ميل فني، وحس إبداعي، ولكن حقيقة أمره تُجهل، وتغيب صور تمظهره. وفي شعرنا العربي ما يقول أن النابغة الدبياني قال الشعر حين صار له من العمر أربعون سنة.
ـ الأمر الثاني أن تبقى الموهبة مؤجلة، يوثر تأخرها شواغل معجلة، وتدفعها اهتمامات ملحة، فيدرك المرء لا ميوله الفني وحسب، وإنما نوع الفن الذي يستهويه، ومنحاه الذي يستغويه، فيسرق في أزمان متفرقة فلتات زمنية، يعبر فيها عن ذلك الفن، ويمارسه فعلا، ولكن بصوره الفطرية، وتشكله القريحي، دون أن يمنح لنفسه وقتا للصقل، واهتماما للبلورة، واعتكافا للإنضاج. فاذا أنهى الشواغل، وقضت الاهتمامات من عمره وطرا، وأحس بأن ما بقي من عمر، لم يعد يسمح بالتأجيل، انبرى لموهبته، وفرغ الوقت لفنه، وأعطى لنفسه شيئا من حقها، كي ينضج الفن مستثمرا النضج العمري، ونضج العقل، ونضج الشخصية، لتأتي اللمسات رصينة واضحة، متخذة لها مسارا واحدا وموحدا، وغالبا ما يكون ذلك بعد انصرام شطر مهم من العمر.

ولنا في تاريخنا الفني في مجال الفنون التشكيلية مجال خصب، إذ عكفت مجموعه من المثقفين، وعلية المجتمع، ممن شغلتهم مساراتهم المهنية، وظروفهم الحياتية، عن الاستجابة لصوت النفس الفني، وبوحها الداخلي، فظلوا يؤجلونه حتى وجدوا أنفسهم على دكة استراحة المحارب، وقد سلمهم العمر لأرائك التقاعد. فاستفاق حسهم الفني، وفار تعطشهم الإبداعي، ثم انبروا لمعانقة موهبتهم، وتفرغوا للإنصات لبوح قريحتهم، وتبين لهم من أنفسهم ما لم تكن لهم فسحة من الزمن ليسمعوه، وتكشف لهم من ميولهم ما لم يتنازلوا له عن مساحة من عمرهم ليتعرفوه، ونتجت عن دهشة الانكشاف دفقة من جود القريحة، وتولد عن صدمة التكشف زخم من غزير الإبداع، وترتب عن الانبهار بخالب التبين زحمة من خالص العطاء، وانبنى عن الأخذ بالسماع هسيس يرقق النفس، ويرقي الإحساس.
ومن هذه الطينة نجد الأستاذ الدكتور أمحمد الجراري، الجراح المتخصص في طب العظام والفنان التشكيلي، الذي اشتهر من بين ما اشتهر به في مساره رسم البورتريهات، وإعطائه لمسة خاصة، وتأطيره بسياق متميز. وقد كانت لنا وقفة مع مجموعته، التي خصصها للفكاهيين المغاربة بالدرجة الأولى، ثم العرب والعالميين، وفيها تبين أن الرجل يمتاح من مصب الفن الكبير، تمثيلا ـ مسرحا وسينما وحلْقة ـ وفكاهة وطُرْفة وبهجة، وكل ما يمكن أن يرفه عن النفس ويمتعها، ويزين لحظاتها ويحسنها، لترتاح على ضفاف الحياة، وتتخلص من تعبها، وترتقي على مدارج الوجود، وتتعرى من نقصها، وتنبل في مسارب السلوك والنهوج، وتتحلى بقيمها.
وسنكتشف اليوم جانبا آخر من مساره في مجال التشكيل، من خلال اهتمامه بمواضيع أخرى، تنوع تصوره الفني، وتلون إحساسه بالحياة، حتى لا يظنن به وحدة الاهتمام، وضيق النظر، وقصر الباع. فللرجل مساراته الفنية المختلفة، وتشعباته الرسمية الغنية، إذ اتخذت لوحاته مواضيع مختلفة، جمعت بين حضور الإنسان من خلال رسم لظلال وجه رجل مغربي؛ واستحضار المناظر الطبيعية كالبحر، وأشكال للحصان، تبرز جمال القوة؛ وممارسة للمهن التجارية كالدكاني بائع العطارة؛ وموضوع العقيدة برسم الكعبة والحجيج؛ ثم موضوع الأثاث التزييني كالمزهرية مع باقة الورد، والصورة مع إطارها المعلقة على الجدران، ولوحة مائدة الطعام.
إن التركيز على الأثاث التزييني، يجعل الفنان أمحمد الجراري، ينطلق من دائرته الأقرب، من دفء البيت والمُعاش اليومي، المحتك معه بشكل مباشر ودائم. وهو حاضر بقوة، ومن خلال عدة لوحات، مما يدل على درجة الأهمية المعطاة له من طرف الفنان. وتقدم صور عدة للأثاث التزييني، الذي تعكس قوة حضور الموضوع، ودرجة تفاعل الفنان معه، وتبرهن على أن البيت يشكل بالنسبة له الركن الدافئ، والحضن العاطف، والملجأ الأمين، الذي يعيش فيه رفاهته الفنية، وطرفه التشكيلي، ويخلصه من كثير من أثقال الواقع وعوائقه، وانشغالاته واهتماماته، التي تصر على أن يظل مجرد إنسان متعيش ومتعايش، ويصر على أن يكون فنانا، يرتقي به فنه ليكون حيا متفاعلا، ومتذوقا متدخلا، ومناقشا مطارحا، له وجهة نظر مختلفة، ونظرة خاصة، يحرص على الاحتفاظ بها.
فلوحة مائدة الطعامن والفوضى التي باتت عليها بعد صولة طعامية، أفرغت بعض الآنية، وتركت أخرى نصف ممتلئة، وأطاحت بأخرى، وأبقت على الأخرى واقفة، وخلفت بقايا الطعام في صورته الطبيعية الأصلية، وقد تبعثرت بعض أجزائه إلى جانبه (حبات من عنب)، وبقايا أخرى في صورها المحولة (عصير)، وحذار من المغالاة في الافتراض.
إن كل ما على المائدة من مفرش الأطباق المزركش المنقوش، ونوع الآنية الزجاجية، ومحتواها من الأطعمة: الفاكهة في صورتها الأصلية، والعصير في القارورة، يدل على نهاية حفلة طعام صاخبة، وإن كان عدد أفرادها، لا يتجاوز الاثنين، فان فراغ كأس ووضعه المنكفئ على الطاولة، ونصف امتلاء الكأس الثاني، وحفاظه على وقفته، ونصف امتلاء القارورة، وتناثر حبات الفاكهة إلى جانب العنقود، كل ذلك يدل على صولة طعامية انتهت بهذه النهاية، ولا نملك تفاصيلها، بل نستشفها من نهايتها المعروضة علينا. وربما دللتنا اللوحة على فلسفة النهايات وأهميتها. وقد لا تكون نهاية واحدة على الرغم من أن المشاركين واحد ومشترك، والتفاصيل كانت مشتركة وواحدة كذلك.
والنهاية ليست دائما واحدة، بل إنها نهايات بحسب العناصر وطبيعتها، ومسارها الذي مرت منه، وحالها الذي انتهت إليه.

ولم يكن التركيز على العدد إثنين جزافا، ولا خيارا غير محسوب الأثر وبدقة بالغة، بل كان مستجلبا لغايات كبري، تعكس ما للرقم إثنين من رمزية وجودية في خلق الكون (الذكر والأنثى ـ آدم وحواء)، وما لها من حفاظ على الاستمرار (أخذ نوح من كل زوجين لإثنين في السفينة)، وما لها من بنائية تقابلية ضدية (النور والظلمة) وتكاملية (المشروب والمأكول ـ السائل والجامد ـ اللين والقاسي ـ الصناعي والطبيعي).
إن خلفية اللوحة، التي تبدو مغممة، تدعونا لأن نهتم بالأبعاد المحيطة بالمنظور، لأنه ليس مهما، وربما أغرقنا بتفاصيله، وشغلنا عن المهم. ولذلك يصر الفنان على تغميمه، وهو في الآن نفسه دعوة إلى الاقتصار على الموضوع المنظور، والتركيز عليه، وعدم الانشغال عنه، وذلك لأجل فهمه، وصرف الطاقه كلها إليه.
إن نوع الأثاث، ونوع الطعام والشراب، ونضج الفاكهة، كلها تدل على أن المستوى الاجتماعي مترف، وينغمس في بحبوحة من العيش، وينجر خلف كثير من الملذات، ولكن ذلك لا يمنع من أن يسوده نوع من الفوضى والاضطراب، وينتهي نهايات، قد لا تتماشى مع بداياته، ولا مع نظمه، وقواعدها وتقاليدها، التي يبني عليها حياته في الظاهر، ويحرص عليها. إن
نزوات الأفراد كثيرا ما تطيح بتلك النظم، وتبعثرها، وتوصلها إلى ما يتناقض مع أصلها، وما ظلت على الدوام تحرص أن تنافيه، وتتعارض معه.
شكلت لوحة مائدة الطعام اهتماما واحدا من اهتمامات الحركة التشكيلية عند فناننا المقتدر أمحمد الجراري، تتساوق مع اهتماماته المختلفة والمتعددة، التي سقناها آنفا. وكان بالوسع أن نتصرف مع كل واحد منها بنفس العناية والانكباب، ولكن مجال المقال لا يسمح. ولنا في هذه اللوحة المحللة نموذج وكفاية. ولكن الذي يجب أن نخلص إليه، سواء من خلال لوحة مائدة الطعام، أو غيرها، من لوحات الفنان أمحمد الجراري، أنها كلها تقدم اهتمامات، تتقاطع مع الواقع، الذي يعيشه الفنان ويعايشه، ويحاول أن يخلف فيه الأثر، من خلال الارتقاء به من الموضوع الواقعي الحدثي اليومي إلى الموضوع الفني المتجرد من الواقع، والمتعالي عليه، تعالي الفن، لا تعالي الترفع. ولعل هذا يضرب التصور الدارج من أن الفن التشكيلي فن تجريدي منقطع عن الواقع، بل إنه منغمس فيه أشد الانغماس، ولكن بطريقته الخاصة، وبأسلوبه الذي يراه مناسبا، وبالتقنية التي يتقنها الفنان، وتتماشى مع شخصيته، وبالفنية التي يؤمن بها، ويراها الأنسب لعرض وجهة نظره.
ولهذا فليس هناك فن، ومهما يكن نوعه، ينقطع كليا عن الواقع، ومهما بلغت درجة تجريديته، ومستوى تعاليه على الواقع، إذ ليس هناك فن مقطوع عن الواقع، أو يعيش خارجه. ولذلك تبقى الصلة به حاضرة عند كل فنان، وإن دقت، وإن خفيت، وإن عجزت نظرة المتلقي عن اكتشافها، والوصول إليها، والتواصل معها.
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي