الرئيسية / إبداعات / الديكتاتور – محمد ضرفاوي

الديكتاتور – محمد ضرفاوي

الديكتاتور

محمد ضرفاوي *

 

اليوم هو يوم الإثنين، نحن الآن في إحدى المدارس العمومية جنوب البلاد، في شهر فبراير: عز فصل الشتاء، الجو بارد جداً كأنك في ألاسكا أو جزيرة غرينلاند، والساعة الحلزونية اللعينة تسير ببطء شديد تشير إلى الثامنة وخمس دقائق وبعض الثواني اليتيمة، وذلك في يوم كان مقداره سبعين ألف سنة مما تعدون.

القسم-الثلاجة مملوء عن آخره بالتلاميذ القادمين من كل حدب وصوب، ومن كل فج عميق، أكثر من أربعين نفراً يجلسون القرفصاء حائرين، أسنانهم -التي غزاها السوس مبكراً- تصطك من فرط الصقيع الشديد، لا يسمع لهم همس أو نفس كأن المساكين في ساعة المحشر بين يدي خالقهم! أعناقهم الصغيرة الفتية مثل أعناق الديكة غدت زرافة مشرئبة نحو الرأس الكبيرة الذهبية للنمرود معلم اللغة الفرنسية المعروف بـ”بيغ بوص” وهو يقف كالطود الشامخ، يرغي ويزبد: يذكرني بالمحاربين الخارقين في حكايات سيف بن ذي يزن: ميمون الهجام وسعدون الزنجي، وبطل الرسوم المتحركة آنذاك غريندايزر.

يقف أمام التلاميذ عبوساً قمطريراً مهدداً بالضرب من لا يحفظ جدول الضرب. كان طويلاً، طويلاً جداً، بل أطول مما قد يصل إليه خيالك الجامح. أغلب التلاميذ يحسبونه من سلالة العمالقة أحفاد عاد وثمود، وكانوا يتجادلون في طوله، وكل يدافع عن رأيه الذي يعتبره عين الصواب: منهم من يقول ثلاثة، ومنهم من يقول أربعة، ومنهم من يقول خمسة رجماً بالغيب -رغم رؤيته- والله أعلم بطوله، لكن الكل يجمع على أن هذا النمرود مخلوق غير عادي البتة، إذ إن لاعب كرة السلة الأمريكي كريم عبد الجبار المشهور بطوله الفارع يعتبر مجرد قزم مقارنة به!

كان مثل تمساح أمريكي، من وصل فكه سيقرأ بدون شك على روحه السلام. كلما غضب على أحد التلاميذ يرفعه بيد واحدة بلمح البصر، ثم يقوم بمسح سبورة القسم بأطرافه، فيغدو التلميذ بين يديه مثل عصفور لا حول له ولا قوة، وما إن ينتهي حتى يقوم بإسقاطه أرضاً دون رحمة، فيتأوه المسكين من فرط السقطة كاتماً دموعه الحرى وتوجعه، مؤجلاً نحيبه إلى بيته خوفاً من بطش المنتقم الجبار إذا لمحه يبكي، بحيث ليس له الحق حتى في البكاء بل يملك الحق فقط في أن يُضرب، أما زملاؤه فيراقبون المشهد المروع عن كثب، فاغرين أفواههم، دون أن ينبسوا ببنت شفة، هلعين، متوجسين حتى يحين دورهم القادم لا محالة، إذ المسألة مسألة وقت فقط، فالعقاب آتٍ ولا مرد لقضاء الإله المحتوم. وهم من شدة خوفهم يختبئون وراء بعضهم البعض كأكباش عيد الأضحى التي تحتمي ببعضها خوفاً من الذبح، لكن هيهات هيهات إذ لا مناص من سكين المعلم-الجزار جلاد “سنوات الرصاص المدرسي”.

حكى لي أحد التلاميذ بغبطة أنه -بحمد الله ومنته- قد نجا من افتراسه، بحيث لم يدرس عنده قط، واعتبر ذلك منة عظيمة أسبغها الله عليه، بيد أن أخباره كانت تصله تباعاً؛ تلك التي ملأت الدنيا وشغلت التلاميذ، والتي تصعق سامعها، ذلك لأنه كان نجم المدرسة بلا منازع.

أنا لا أعرف أبداً مدى قسوة المعلمين الآخرين بالمغرب في تلك الفترة السوداء، لكن أقسم بأن هذا الفرعون سيضمن مركزاً متقدماً فيما بينهم، بل لن أبالغ إذا رشحته للتنافس على إحدى المراتب الثلاث الأولى، قطعا لن يخرج خالي الوفاض. بالمقابل، كانت تدرس أخته غير الشقيقة مادة اللغة العربية بنفس المدرسة، وهي عكسه تماماً، فقد كانت طيبة جداً، حنونة، متسامحة إلى أبعد الحدود. وقد كان التلاميذ يطلقون عليها على سبيل التندر لقب “الحمامة البيضاء”، لكن إذا تعذر عليها السيطرة على بعض التلاميذ المشاغبين ذوي الرؤوس الساخنة، كانت تهددهم باستدعاء مدير البطش المدرسي: “الحاج” بلغة الجلادين في تلك الفترة، فيخرس التلميذ في الحال، ويجمد في مكانه كأن على رأسه الطير. جل التلاميذ كانوا يخشونه كثيراً لدرجة التبول في سراويلهم أحياناً، خاصة عندما تدق ساعة الحساب وقت استظهار الحساب، وكان انتظارهم للحساب أشد وقعاً من الحساب نفسه.

في صباح أحد الأيام من فصل الربيع، وصوت الراديو يصدح بصوت الممثلة المصرية سعاد حسني المرح وهي تردد أغنية: “الدنيا ربيع، والجو بديع”، دخل الديكتاتور المدرسة متأخراً وأغلب جسمه مليء بالضمادات: رأسه وبعض من أطراف يديه ورجليه كأنه مومياء فرعونية. هذا وقد تواترت بعض الأخبار همساً -بطبيعة الحال- مفادها بأن عصابة من الرجال -جزاهم الله خيراً، وبدل سيئاتهم حسنات- قد اعترضوا سبيله بأحد البساتين، وأشبعوه ضرباً، ولم يتخلص منهم إلا بمشقة الأنفس. كل التلاميذ وبدون استثناء عبروا عن اغتباطهم وسرورهم لهذا الخبر السار الذي أثلج صدورهم، والذي اعتبروه ربيعاً تلاميذياً مزهراً مثل “ربيع براغ”. صحيح بأن الطاغية لم يُقضَ عليه القضاء المبرم، لكن المهم أنه نال بعضاً مما يستحقه. كما أن الكثير منهم تمنى لو أن المولى أخذه أخذ عزيز مقتدر، فيرتاح التلاميذ وقطاع التعليم والبشرية جمعاء من شره المستطير إلى أبد الآبدين.

كما تناهى إلى مسامع التلاميذ -ودائماً همساً- بأن الكثير من المعلمين داخل المدرسة عبروا عن فرحتهم العارمة لما حصل للجلاد الديكتاتور، ذلك لأن علاقته بهم لم تكن في يوم من الأيام على ما يرام، بل كانت تشوبها دوماً الكثير من التوتر والريبة. كان عدواً للجميع، غير قادر على لجم انفعالاته الطائشة، ويتزلزل في كل لحظة، نرجسي الطبع بامتياز، فحبه لذاته لا يضاهيه أي أحد، شغوف بالتملك والعمل على إخضاع الجميع لنظامه الصارم والسيطرة بشكل مرضي. قسوته الشديدة تتجلى في تشيئ الآخرين بإحالتهم إلى أدوات. فبالنسبة إليه: وزير التعليم والنائب والمدير والمقتصد والمدرسون وحارس المدرسة والتلاميذ عبارة عن أشياء تافهة لا قيمة لها إطلاقاً.

كان يحسب نفسه نصف إله جبار: كل من وقف في طريقه مآله الدمار والاندثار. شعاره الأوحد: “من لم يخضع يُدمَّر”. أغلب التلاميذ يرونه طاغية لا مثيل له، سواء في نظراته القاسية الجامدة التي تشبه عيون “ميدوزا” الآلهة الإغريقية التي تجمد الناظر إليها، فلو تولى السلطة لقام بمجازر في حق الآلاف من البشر تشيب لها الولدان. المعلمون آنذاك كانوا يشبهونه بالروسي إيفان الرهيب، والبعض الآخر ينعته بنيرون حارق روما الأرعن، والذي لن يثنيه أياً كان في سبيل تحقيق مآربه الجنونية السادية الخرقاء. نجانا الله وإياكم من نيرانه الحامية.

قاص من المغرب مقيم بإسبانيا

 

عن madarate

شاهد أيضاً

من اليابان إلى المغرب… مين ميكوز- لبنى منان: قراءة مقارنة – محمد بنفارس

هايجن قرات لهن / لهم محمد بنفارس*     تقديم بعد صدور أنطولوجيا هايكو العالم …

اترك تعليقاً