حضور القصص في المقامة العربية القديمة

اسماعيل الـمركعي*
مقدمة
إنّ الحديث عن المقامة العربية بوصفها فنّا أدبيا قائم الذات؛ يتميز بعناصر ثابتة، تشكّلت لبنتها الأساسية، وتميّز بينها وبين سائر الفنون الأدبية الأخرى. لا ننكر أيضا أنها من الفنون التي تستوعب أنواعا أدبية مختلفة؛ فالمقامة في حد ذاتها تمزج بين نوعين كبيرين من الأدب هما: الشعر والنثر، وهذا المزج يجعل من فن المقامة وعاء تنصهر داخله مجموعة من الفنون الأخرى كالخطبة والموعظة والنادرة والرحلة والمفاخرة والقصة وغيرها.
تسعى الدراسة إلى الوقوف عند بعض النماذج القصصية في التراث العربي، وإلى إبراز تداخل المقامة والقصة؛ وذلك بالبحث عن صيغ حضور ملامح هذه الأخيرة في المقامة العربية، أي الحديث عن حظ المقامة العربية التراثية من القصة.

أولا: ملامح القص في الموروث العربي
إذا كان الاعتقاد بأن التراث العربي عرف فن القصة كما عرف الشعر، فإن هذا الاعتقاد سيؤدي حتما إلى الخطإ، لأنه لا وجود لما يميز فن القصة عن باقي الفنون الأخرى؛ بمعنى أنه لم يخضع لمعيار التقعيد حتى يعرف بعناصر قارة، تسمح بتصنيفه. وإن كان الاعتقاد بأن التراث عرف نوادر وحكايات وأحدوثات، ولم يعرف شكلا قصصيا متكاملا، فربما سيكون رأيا أقرب إلى الصواب؛ إذ لم نجد ـ في التراث ـ حضورا لمصطلح القصة، ولو ذكرا لغويا بهذا المعنى، فكل ما كتب في التراث يمكن تصنيفه ضمن الحكايات والأخبار والنوادر…؛ بمعنى لا يمكن عدّ القصة جنسا فنيا قائم الذات.
انطلاقا من العلاقة التي تجمع الإنسان بوجوده وظهوره على الأرض، كان من الضروري أن يعرف الأدب العربي قديما بعض أشكال القصص، بحكم أن طبيعة الإنسان منذ وجوده على الأرض، تميل إلى القص؛ لأن الإنسان “يمارسه دون أن يدري ما اسمه، فقد لاحظ الإنسان الأول الماء الذي يجري في النهر، وتساءل عن مصدره، وإلى أين سيمضي، فحاول أن يعرف قصته…”.[1]
وقد ظهر القص في صور مختلفة في التراث الأدبي العربي، وسنقف عند ذكر بعض النماذج، لتوضيح الفكرة أكثر:
إن من عيون الأدب العربي القديم مما يمتّ بصلة للقصّة؛ رسالة التوابع والزوابع لصاحبها أبي عامر أحمد بن شهيد (382 ـ 426 ه)، فهي عبارة عن قصة خيالية يحكي فيها ابن شهيد رحلة له في عالم الجن، اتصل عبر بشياطين الشعراء وتبادل معهم النقاش، معرضا في ذلك بعض الآراء في اللغة والأدب وكثيرا من نماذج شعره ونثره. واختار لقصته هذه التوابع والزوابع لتكون مسرحا لأحداثها، فالتوابع جمع تابع وهو الجنّ الذي يلازم الإنسان ويتبعه أينما حلّ وارتحل، والزوابع جمع زوبعة وهو اسم شيطان أو رئيس الجنّ. وقد وضعها للردّ على خصومه وحسّاده وكل منتقديه، ويستعرض فيها عدّة مشكلات بيانية وأدبية مع نَفَرٍ من الجنّ يظهرون في صور مختلفة، في أسلوب قصصي مرحٍ يجمع بين الهزل والجدّ.
ينتمي نص (التوابع والزوابع) إلى مجال القصّ العربي القديم الذي توافر فيه عناصر السرد الحديث، فشكل السرد والوصف والحوار والشخصيات أهم دعائمه الأساسية.
السرد: اعتمد السرد في نص التوابع والزوابع على الذات المتكلّمة، أي على راوي القصة والمتمثل في شخص ابن شهيد نفسه الذي لم يشرع في رواية وسرد أحداث قصّته من تلقاء نفسه، بل كان استجابة منه لطلب صديقه ابن حزم الذي طلب منه ذلك. وقد اعتمد السرد على زمن الماضي بصيغته المعروفة كقوله في استهلالٍ لقصّته:” كنت أيام كتّاب الهجاء، أحنّ إلى الأدباء، وأصبو إلى تأليف الكلام، فاتّبعت الدواوين، وجلست إلى الأساتيذ، فنبض لي عرق الفهم، ودرّ لي شريان العلم، بمواد روحانية؛ وقليل، الالتماح من النظر يزيدني، ويسيرُ المطالعةِ من الكتب يفيدني…”.[2]
الوصف: أخذ الوصف في رسالة التوابع والزوابع شكل التصوير؛ حيث تشكّلت الأحداث في مشاهد موصوفة وصفا مرئيا دقيقا، بما في ذلك وصف شخصيات القصة، فقد وُصفت وصفا دقيقا ملمّا بجزيئاتها المادية، يقول ابن شهيد في وصف أبي القاسم الإفليلي مثلا:” جني أشمط ربعه، وارم الأنف، يتضالع في مشيته، كاسرا لطرفه، زاويا لأنفه…”.[3]
الحوار: شكل الحوار ركيزة أساسية في نص التوابع والزوابع، وقام على حوار ثنائي بين الكاتب الراوي وتابعه زهير بن نمير، معتمدا على صيغة (قال) و (قلت). ومثال ذلك:”وقلت له بأبي أنت من أنت؟ فقال أنا زهير بن نمير من أشجع الجنّ، فقلت: وما الذي حداك إلى التصوّر لي؟ قال: هوىً فيك، ورغبة في اصطفائك، فقلت: أهلا بك أيها الوجه الوضّاح…”.[4]
الشخصيات: استوحت شخوص التوابع والزوابع طابع التخييل من تخييلية القصة نفسها التي جرت أحداثها في أرض الجنّ، فجاءت شخوصها توابع من الـجنّ لا وجود لها في الواقع. كما أتت مليئة بتنوع الشخصيات؛ منها ما ينتمي إلى مـجال الشِّعر، ومنها ما ينتمي إلى مـجال النثر، ومنها ما ينتمي إلى مـجال اللغة والنحو، ومنها ما ينتمي إلى مـجال النقد.
ب ـ حي بن يقظان[5]:
تعد من القصص الأدبية التي اشتهرت كثيرا، وذاع صيتها بين الأدباء، وترجمت إلى لغات كثيرة، وهي لصاحبها أبي الحسين بن عبد الله بن سينا (370 ـ 427 ه)، وهي رسالة فلسفية، يحكي فيها عن تجربة فلسفية تكمن في اكتشاف الفلسفة وتجاوزها نحو الإشراق، فحي بن يقظان يسرد تجربة إنسانية في علاقتها بالطبيعة والثقافة والحقيقة. فالقصة سمّيت باسمه وهو فتى صغير أُلقي في جزيرة خالية من السكّان، نـما بين أحضان ظبية مرضعا حليبها، وشبّ متوقد الذكاء فائق المهارة، كان يصنع لباسه ونعاله بنفسه من جلد الحيوانات، درس النّجوم، وقام بتشريح الحيوانات الحية والميتة حتى وصل بهذا إلى معرفة هامة بعلم الأحياء، ثم انتقل إلى الفلسفة وعلوم الدين، أثبت لنفسه وجود خالق للكون قادر على كل شيء.
ومن بين أهم العناصر القصصية التي تتوفر عليها قصة حي بن يقظان نذكر:
الشخوص: تعدّ شخصية (حي بن يقظان) العنصر الأبرز في القصة، صوّرها الكاتب تصويرا مفصّلا منذ مرحلة الطفولة إلى ما بعد الشباب، تميزت بالجاذبية والحضور على مدى أحداث القصة، لأنها هي التي تساهم في سيرورة الأحداث وتطوّرها وذلك عن طريق عملية التأثير والتأثر. كما تميزت أيضا بالفطنة والذكاء والقدرة على مواصلة العيش عن طريق عملية التكيّف مع مختلف الظروف.
الحدث والحبكة: شهدت أحداث القصة تطوّرا من البداية إلى النهاية، ونسجت بخيط ناظم يقوم على التسلسل والترتيب، فكان حي بن يقظان في البداية وحيدا ينتظر نهاية مصيره إلى أن ظهرت الظبية لتطور هذا الموقف بإنقاذه، ثم بعد ذلك مصير الفتى بعد موت الظبية وبعده موقف التأمل والتساؤل في سبب موتها، هكذا حتى وصلت بنا أحداث القصة إلى الحبكة المتمثلة في لقاء حي بن يقظان بإسال.
المكان والزمان: لم تكشف القصة عن زمانها ربما الكاتب لم يعط أولوية له، لكن عني كثيرا بالمكان، فجعل جزيرة الوقواق مسرحا لأحداثها بكل تفاصيلها، ثم جزيرة شخصية إسال الذي التقى به حي بن يقظان.
تعدّ رسالة الغفران من أهم وأعظم كتب التراث العربي لصاحبها أبي العلاء المعري (363 ـ 449 ه)، وهي قصّة خيالية تضمّنت رموزا وإشارات وإيحاءات، ظاهرها جوابا على رسالة تلقّاها المعري من حلبيّ يسمى ابن القارح، ونصّها عبارة عن عرض كل ما يتعرض له النّاس يوم القيامة في قالب قصصيّ هزلي؛ أخذت ” في شكلها وظاهرها صورة الرسائل الإخوانية، لكن كاتبها الذي لم تكن تربطه سابق معرفة بالمعري لم يعن بهذه المسائل بقدر ما عني بلعن الزنادقة والملحدين، وعني بعرض محفوظه من اللغة والأخبار والأشعار والإعلان عن معرفته لما يقول، والتحدث عمن لقيهم من الأئمة والعلماء وشيوخ الأدب”.[6]
اعتمدت رسالة الغفران صياغة قائمة على القص، وذلك باعتماد تقنية الوصف ومشاهدة ابن القارح يتجول في أرجاء الجنة سائلا أهلها عن أحوالهم وأسبابهم في دخولها، وفي فضاءات النّار مستفسرا أصحابها في السبب وراء ولوجهم لها.
ومن أهم العناصر القصصية التي تميّزت بها رسالة الغفران نذكر:
الشخصيات: شكّلت شخصية ابن القارح شخصية رئيسية في بناء وسير أحداث الرسالة، وظّفها الـمعري كذات فاعلة تـتمركز حوله كلّ الشخصيات والأحداث، فـقـد أدخـل ابن الـقارح الـجنة مرتين ” الـمرة الأولى أدخل بسبب رسالته التي بعثها إلى أبي العلاء وأخبرنا أبو العلاء عن هذا الدخول في بداية الرسالة، أما الـمرة الثانية فيخبرنا ابن القارح نفسه عندما بعث بعد الموت ويتحدث لنا عن مروره على الصراط ومعاناته يوم الحشر، ويخبرنا هذه المرة عن توبته في الدنيا “[7]. هذا وقد جعل المعري لرسالته مجموعة من الشخوص الثانوية التي تظهر وتـختفي بمجرد تأدية أدوارها، ومقسمة إلى شخصيات إنسانية مثل (الرسول صلى الله عليه وسلّم والإمام علي رضي الله عنه وأبو العباس المبرّد والأعشى والنابغة والذبياني والأصمعي وبشار بن برد وابن سريج ودنانير…إلخ، وشخصيات حيوانية مثل (الأسد والذئب والـحية).
الحوار: شكل الحوار حيّزا مهما داخل رسالة الغفران، يلجأ إليه المعري على لسان بطله ابن القارح للكشف على آرائه ووجهات نظره في قضايا ومسائل عديدة منها لغوية ونحوية وعروضية… وغيرها، يجعل من بطله هو المبادر لطرح السؤال على من يصادفهم في جولاته بين الجنّة والنار، خاصة عن سبب دخول بعضهم النار دون البعض الآخر؟
ومثال ذلك حديثه مع الشنفرى:” ويسأل عن الشنفرى الأزدي فيلقيه قليل التشكّي والتألم لما هو فيه، فيقول: إني لا أراك قلقا مثل قلق أصحابك ! فيقول: أجل، إني قلت بيتا في الدار الخادعة فأنا أتأدب به، وذلك قولي:
غَوى فَغَوَتْ، ثُمَّ ارْعَوى بَعْدُ فَارْعَوَتْ وَلِلصَّبْرِ إِنْ لَمْ يَنفَعِ الشَّكْوُ أَجْمَلُ”.[8]
المكان: هيمن على رسالة الغفران مكان الجنة والنار، وهو أمر فرضته طبيعة الموضوع الـمتمثل في رحلة ابن القارح من الأرض إلى السّماء ليجول في فضاءات الجنة والنار، سائلا عن أحوال أصحابها ومآلهم. فوصف فضاء الجنة ونعيمها، وصوّر مكان الجحيم وعذابه.
تتوفّر رسالة الغفران على بنية قصصية تقوم على السرد والحوار والحدث والزمان والمكان والحبكة وغيرها من السمات التي تشكل عناصر أساسية لفنّ القصة بمفهومه الحديث.
هي مجموعة من الحكايات، نسجت على شكل ليال ممتعة، تقوم بسردها شهرزاد لشهريار كل ليلة بشكل نابع من الخيال، استبدلت فيه فكرة القتل بلعبة السرد وتخييل الصور. وهي لم يعرف صاحبها ولا زمن ومكان تأليفها.
نجد بعض الحكايات اتخذت نمطا قصصيا من إنتاج المخيال الشعبي؛ مثل ” الحمال وثلاث بنات “، التي افتتحت شهرزاد الحكاية فيها بقولها:” بلغني أيها الملك السعيد أنه كان إنسان من مدينة بغداد، وكان أعزب وكان حمالا…إلخ”.[9]
فهذه أشهر الكتابات التي اتخذت من أشكال القصص في التعبير قبل القرن التاسع عشر. والشيء الذي لا شك فيه أن نقاد وأدباء العرب قبل هذا التاريخ لم ينظروا إلى هذه الكتابات السابقة كفن أدبي قائم الذات، ولم يحاولوا استنطاق هذه النصوص، والعمل على تجنيسها، وتحديد عناصرها وخصائصها، إلا بعد ظهور القصة الغربية في الأدب الأوروبي.
ولم يعرف مجال الأدب في العالم العربي ماهية القصة بمفهومها المعروف اليوم، إلا في أواخر القرن التاسع عشر، بعد أن تأثر كتّاب العرب بالآداب الغربية، التي يعود إليها الفضل في تقعيد هذا الجنس وتأطيره ضمن فنون الأدب الحديثة. من بين السمات القصصية في كتاب أليف ليلة وليلة نذكر على سبيل التمثيل:
السرد: يعتمد السرد على ذات متكلمة (شهرزاد) تحكي قصتها كل ليلة لِـ (شهريار) ترتكز على متوالية سردية بين لياليها، حيث تؤجل نهاية كل قصة إلى الليلة اللاحقة كيف تنجو بنفسها من الموت.
نسجت حكايات ألف ليلة وليلة في قالب متوالية سردية مترابطة تؤدي كل ليلة إلى الليلة الموالية، تسعى فيها شهرزاد من التخلص من الموت على يد شهريار، وذلك عن طريق سرد حكاية مليئة أحداثها بالتخييل.
الشخوص: لعبت شخصية شهرزاد في حكاية ألف ليلة وليلة دورا محوريا في سيرورة أحداثها، كونها ذات متكلمة تنسج الأحداث وتسردها بنفسها على مسمع الملك شهريار الذي يعد شخصية هامة إلى جانب شهرزاد بكونه ذات مستمعة للأحداث.
التشويق: يعدّ عنصر التشويق من بين السمات التي ميّزت حكايات ألف ليلة وليلة، فكان عاملا مساعدا لشخصية شهرزاد في سرد حكاياتها للملك شهريار، وذلك بإضفاء عنصر الإثارة والتشويق عند نهاية كل قصة بجعل تتمتها إلى القصة الموالية في الليلة التي بعدها، وهو الأمر الذي جعل الملك شهريار متشوقا لإتمام أحداث القصة ومنتظرا لليلة أخرى.
الموضوع والحبكة: إن موضوع الحكايات بأكملها في ألف ليلة وليلة يتمثل في كيفية التخلص من الموت الذي فرضه الملك شهريار على النساء انتقاما لخيانتهن. فكانت فكرة سرد حكاية كل ليلة على مسمع الملك قبل تنفيذ قراره بقتل شهرزاد عبارة عن منفذ لإنقاذ نفسها من الموت، وقد صيغت بحبكة سردية تخييلية تضفي على نهايتها تشويقا يدفع الملك إلى النوم منتظرا استكمال أحداث القصة في الليلة اللاحقة.
ثانيا: حظ المقامة التراثية من القصة
ارتبطت المقامة بالمجلس؛ لذا لا غرابة أن تستعمل بمعنى “أحاديث” يتداولها القائمون في المجلس؛ فتكون المقامة، وفق هذا المعنى، عبارة عن أحاديث يلقيها راو من الرواة على مسامع جماعة من الناس، في قالب فني قصصي يميل إلى التشويق والتسلية.
وبالعودة إلى العصر العباسي، الذي اشتهرت فيه المقامات، نجد بديع الزمان الهمذاني، يلتزم في عرض موضوعات مقاماته، بالغاية التعليمية والترفيهية؛ وذلك باستعراض قدراته اللغوية والبلاغية في الكتابة؛ لذا جاءت أحاديثه مشحونة بالمحسنات البديعية؛ من سجع وطباق وجناس وتورية، وبالتشبيهات والاستعارات وغير ذلك من أنواع البديع والبلاغة التي طغت على المقامة.
إذ فهذا النوع من الكتابة، الذي يتسم بالطابع القصصي، الذي يتخذ من الفكاهة والمرح أحد عناصره، يفتح المجال للتفكير والبحث عن ملامح القصة في المقامة العربية القديمة عامة، ومقامات الهمذاني خاصة.
لقد عرفت المقامات عند الهمذاني بتنوع موضوعاتها؛ إذ” منها المقامات الأدبية اللغوية، ومنها الفقهية، ومنها الطبية، ومنها الخيالية، ومنها الـمجونية، ومنها الأخلاقية”،[10] ولكن القاسم المشترك بين كل هذه الأنواع هو الأسلوب الأنيق الذي كتبت به. ويفتح هذا التنوع مجالا للأسلوب القصصي ليكون إحدى صيغ التعبير عن الموضوعات المطروحة في المقامات.
وسنعرض في هذا السياق أنموذجا من مقاماته للقراءة، وهي ” المضيرية “،[11] وسنحاول في أثناء ذلك تتبع مظاهر توظيف العنصر القصصي فيها.
يقول بديع الزمان:
” حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشامٍ قَالَ: كُنْتُ بِالبَصْرَةِ، وَمَعِي أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ رَجُلُ الفَصَاحَةِ يَدْعُوهَا فَتُجِيبُهُ، وَالبَلاغَةِ يَأَمُرُهَا فَتُطِيعُهُ، وَحَضَرْنَا مَعْهُ دَعْوَةَ بَعْضِ التُّجَّارِ، فَقُدِمَتْ إِلَيْنَا مَضِيرَةٌ، تُثْنِي على الحَضَارَةِ، وَتَتَرَجْرَجُ في الغَضَارَةِ، وَتُؤْذِنُ بِالسَّلاَمَةِ، وَتَشْهَدُ لِمَعَاوِيَةَ رَحِمَهُ اللهُ بِالإِمَامَة،ِ فِي قَصْعَةٍ يَزِلُّ عَنْهَا الطَّرْفُ، وَيَمُوجُ فِيهَا الظَّرْفُ، فَلَمَّا أَخَذَتْ مِنَ الخِوانِ مَكانَهَا، وَمِنَ القُلُوبِ أَوْطَانَهَا، قَامَ أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ يَلْعَنُهَا وَصَاحِبَهَا، وَيَمْقُتُهَا وَآكِلَهَا، وَيَثْلِبُهَا وَطَابِخَهَا، وَظَنَنَّاهُ يَمْزَحُ فَإِذَا الأَمْرُ بِالضِّدِّ…فَقُلْتُ: كُلْ أَنْتَ مِنْ هَذا الجِرابِ، لَمْ يَكُنِ الكَنِيفُ فِي الحِسابِ، وَخَرَجْتُ نَحْوَ البَابِ، وَأَسْرَعْتُ فِي الذَّهَابِ، وَجَعَلْتُ أَعْدُو وَهُوَ يَتْبَعُني وَيَصِيحُ: يَا أَبَا الفَتْحِ المَضِيرَةَ، وَظَنَّ الصِّبْيَانُ أَنَّ المَضِيرَةَ لَقَبٌ لِي فَصاحُوا صِياحَهُ، فَرَمَيْتُ أَحَدَهُمْ بِحَجَرٍ، مِنْ فَرْطِ الضَّجَرِ، فَلقِي رَجُلٌ الحَجَرَ بِعِمامَتِهِ، فَغَاصَ فِي هامَتِهِ، فَأُخِذْتُ مِنَ النَّعَالِ بِما قَدُمَ وَحَدُثُ، وَمِنَ الصَّفْعِ بِمَا طَابَ وَخَبُثَ، وَحُشِرْتُ إِلَى الحَبْسِ، فَأَقَمْتُ عامَينِ فِي ذلكَ النَّحْسِ، فَنَذرْتُ أن لا آكل مضيرة ما عشت. فهل أنا في ذا؟ يا آل همذان، ظالم؟
قال عيسى بن هشام: فقبلنا عذره، ونذرنا نذره، وقلنا: قديما جنت المضيرة على الأحرار، وقدّمت الأراذل على الأخيار”.[12]
يظهر لنا من خلال هذا المقطع من المقامة المعنونة بالمضيرية توافر العنصر القصصي فيها بشكل واضح، وهو يكشف لنا صور الهمذاني؛ ذاك الوصاف الذي يتقن الوصف الدقيق، وذاك المصور البارع الذي يعتمد التصوير القائم على خفة الروح والمرح. ففي المقامة نلمس حضور الروح القصصية، التي تُظهر الأشخاص يترددون في صفاتهم وأخلاقهم، ويتمثلون في صور ملونة تشعر بوجود البراعة والفكاهة فيها.
فهذه المقامة عبارة عن قصة يسردها الهمذاني على لسان عيسى بن هشام، ومضمون هذه القصة هو ” أكلة المضيرة “، لكن طريقة سردها تميزت بالطابع القصصي، الذي يتخذ من الفكاهة والمرح شكلا لها؛ فعنصرا الوصف والتصوير فاقا حدود الواقع المباشر؛ كما نجد في وصف التاجر لزوجته ومحلته وداره، فهو وصف خيالي يجعل القارئ ينبهر انبهارا شديدا، ويخلق له نوعا من التنكيت والفكاهة.
والسارد خلال قصته مع المضيرية استطاع أن يقدمها في قالب قصصي مثير؛ حيث جاءت أحداثها مشوقة، سلكت مراحل عديدة، نبينها على النحو الآتي:
أكلة المضيرة.
وصف الزوجة.
وصف المحل.
الحظ في الحصول على الدار.
العودة إلى المضيرة.
كشف الكيل.
حضور الكنيف.
حرمان أكل المضيرة.
إذن هذا نموذج لبعض ملامح القص في المقامة القديمة عند الهمذاني، فالحدث الموجود، والشخصيات الحاضرة، والقالب البياني البديعي. كلها أمور توحي بوجود حكاية متماسكة؛ كما تبين لنا قيد التحليل؛ فبناؤها جاء متضمنا لمقدمة تتحدث عن أكلة المضيرة، وعرضها يتضمن مجموعة من الأحداث الوصفية والتصويرية، وخاتمة خلصت إلى حرمان المضيرة.
يمكن القول إن المقامات عند بديع الزمان الهمذاني تحوي بعض ملامح القصة بمعناها الحديث، لكن ضمن السياق والظرف التاريخي لها. بيد أن هذه الملامح لم تتطور لتصير فنا قصصيا مع مرور الزمن، وإنما تطورت بوصفها شكلا لغويا قصد به الصنعة فقط.
خاتمة
من خلال ما سبق ذكره يتبيّن أن الموروث الأدبي عرف أشكالا مختلفة من القصّ استطاعت أن تحقق شهرة واسعة في الساحة الأدبية العربية، وقد فاضت أقلام النقاد والدارسين لدراستها ومقاربتها كرسالة الغفران والتوابع والزوابع ومقامات الهمذاني والحريري. لكن تبقى مجرّد ملامح قصصية (سرد وشخوص وحوار ووصف وزمان ومكان ومواضيع… وغيرها) لم تسلك طريق التقعيد لتصبح فنا إبداعيا قائم التصنيف والأجناس.
المصادر والمراجع:
ألف ليلة وليلة، ، إعداد، خليل حنا تادرس، مكتبة رجب، ط1، 2012م، الجزء الأول.
دراسة الطابع القصصي في رسالة الغفران، هومن ناظميان، مجلية فصلية إضاءات نقدية، ع 9، السنة 3.
رسالة التوابع والزوابع، ابن شهيد، تحقيق: بطرس البستاني، دار صادر، ط3، بيروت، 2010م.
رسالة الغفران، أبو العلاء المعري، تحقيق كامل كيلاني، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2013.
الغفران، دراسة نقدية، عائشة عبد الرحمان، دار المعارف، مصر، ط4، 1999.
فن كتابة القصة، فؤاد قنديل، الهيئة العامة لقصور الثقافة، يونيو 2002.
القصص اللغوي والفلسفي، موسى سليمان، دار الكتاب اللبناني، ط1، 1985.
مقامات بديع الزمان الهمذاني، مارون عبود، دار مارون عبود، بيروت، الطبعة الثانية، سنة 1993.
ناقد من المغرب
الإحالات:
[1] ـ فن كتابة القصة، فؤاد قنديل، الهيئة العامة لقصور الثقافة، يونيو 2002، ص 21.
[2][2] ـ رسالة التوابع والزوابع، ابن شهيد، تحقيق: بطرس البستاني، دار صادر، ط3، بيروت، 2010م، ص 88.
[3] ـ نفسه، ص 124.
[4] ـ نفسه، ص89.
[5] ـ يقول يوسف زيدان”: وبينما ابن سينا في سجنه بقلعة همذان إذ تلتمع في ذهنه الوقّاد. قصة.. فيكتب أول صياغة عربية لحي بن يقظان. وطارت قصة بن يقظان من بين قضبان سجن ابن سينا، وسمت إلى ارتفاعات شاهقة في تراثنا العربي، فتناولها النساخ واقتحم مفاوزها الشرّاح.. ومن بعد ابن سينا بقرنين، يلتقط ابن طفيل القصة، فيستبقي عنوانها، ويعيد كتابتها على نحو جديد، يخرج بها من إطار القصة إلى عالم الرواية.. ومن رواية بن طفيل يتخذ حي بن يقظان سبيله، سربا، إلى الأدب الأوروبي. وقريبا من زمن ابن طفيل كان زمان الشاب العجيب، الملقب بشيخ الإشراق شهاب الدين السهروردي.. وكأن بالسهروردي، وقد أراد أن يجعل من قصة ابن سينا الفصل الأول من عمل إبداعي أطول، فكتب هو الفصل الثاني من حي بن يقظان، ويجعله بعنوان الغربة الغربية.. ويمضي زماننا الإبداعي المتواصل، حتى يصل إلى علامة بارزة في التراث العربي الإسلامي، هو العلامة ابن النفيس.. فنراه يعاود الكتابة في الإطار الروائي لحي بن يقظان، مخالفا العنوان والمحتوى، في قصته فاضل بن ناطق التي رواها عن الرجل المسمى كامل”. كتاب حي بن يقظان، النصوص الأربعة ومبدعوها، يوسف زيدان، دار الأمين، ط2، 1998، ص 5ـ6.
ـ الغفران، دراسة نقدية، عائشة عبد الرحمان، دار المعارف، مصر، ط4، 1999، ص44.[6]
[7] ـ دراسة الطابع القصصي في رسالة الغفران، هومن ناظميان، مجلية فصلية إضاءات نقدية، ع 9، السنة 3، 2013م صص 210 ـ 191.
[8]ـ رسالة الغفران، أبو العلاء المعري، تحقيق كامل كيلاني، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2013، ص 97.[8]
ـ ألف ليلة وليلة، ، إعداد، خليل حنا تادرس، مكتبة رجب، ط1، 2012م، الجزء الأول، ص 33. [9]
ـ القصص اللغوي والفلسفي، موسى سليمان، دار الكتاب اللبناني، ط1، 1985، ص 9.[10]
[11] ـ سميت بالمضيرية نسبة إلى المضيرة، ويقصد بها اللحم الذي يطبخ باللبن المضير؛ أي الحامض.
ـ مقامات بديع الزمان الهمذاني ، مارون عبود، دار مارون عبود، بيروت، ط2، سنة 1993، ص ص 122ـ 136. [12]
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي