الرئيسية / الأعداد / الجوكندا اللوحة اللغز – محمد سعود

الجوكندا اللوحة اللغز – محمد سعود

الجوكندا اللوحة اللغز

محمد سعود*

 

رسم الفنان الإيطالي” ليوناردو دافينشي ” لوحة الجوكندا من سنة 1503 إلى 1505 بمقاس 77 سم على 53 سم على سند من خشب شجرة الحور Populus التي تعتبر من فصيلة الصفصاف “. وهذه المادة جعلت اللوحة تصمد لمدة طويلة أي أكثر من خمسة قرون دون أن تتعرض للإتلاف أو التآكل ، واعتمد الفنان في تكوينها الهندسي على المثلث أو ما يعرف بهرم التجميع ، فأسفل اللوحة تشغل حيزه الجوكندا وكلما ارتفعنا إلى الأعلى تتناقص الكتلة إلى أن تبدو على شكل مثلث ، وهذه الطريقة في التكوين اعتمد عليها أيضا في لوحته ” العشاء الأخير ” كما نجدها عند الكثير من الفنانين ومن بينهم    بيكاسو في رسمه للوحته الشهيرة ” غيرنيكا ” والكثير من الفنانين .

    جعل” ليونادردو دافينشي” من أمامية اللوحة والتي تتشكل من الجوكندا أكثر بروزا من الخلفية ، وذلك باعتماده على تقنية ” سفوماتو” التي تبدو فيها الخلفية ضبابية . وبالنسبة لعنوان اللوحة ” الجوكندا” فكان مثار جدل كبير هل هو فعلا اسم لشخص أم أنه رمز فقط من رموز التشفير التي كانت سائدة في ذلك الوقت ، مادامت كلمة ” جيوكندو ” وهو اسم الزوجة المرسومة يعني بالإيطالية ( السعيد) ، ولمعرفة حقيقة التسمية  بحث  عالم الأنساب الإيطالي ” دومينيكو سافيني”  عن الشخص وزوجته في السنوات التي عاش فيها  ” دافنشي ” ووجد  أن الموناليزا تنحدر من سلالة المحاربين” ستروتزي” ، ويستند في ذلك إلى شهادة المعماري “جيورجيو فاساراي” الذي قال بان اسمها هو” ليزا غيرارديني ” وأن”ديل  جيوكندو”  زوجها عاش في تلك الفترة وكان تاجر حرير .

أما الاسم الثاني الذي عرفت به اللوحة وهو الموناليزا فلم يخل  أيضا من تأويلات ومن بينها نذكر التأويل الوارد في كتاب ” شيفرة دافينشي ” لدان براون ، الذي ورد في حوار بين شخصيتي الرواية على  الذي انه  مستمد من الإله آمون والإلهة ليزا أي أيزيس ،” ليرمزا إلى نوع من الكمال الذي يتحقق في المزج بين جمال الذكورة والأنوثة في لوحة الموناليزا التي ليست رسما لا لرجل ولا لامرأة”،   وإذا عدنا إلى اسم اللوحة نجد أن دافنشي لم يطلق هذا الاسم بتاتا على هذه اللوحة ، وأن من أطلق هذا الاسم على اللوحة هو “جيورجيو فاساري” بعد نصف قرن تقريبا من رسمها.

فهذه اللوحة التي توجد في متحف اللوفر أثارت الكثير من الشكوك حول السيدة المرسومة هل هي فعلا زوجة” دال جيوكندو” أم أنه رسم لشخصية دافنشي ” اوتوبورتريه” مادامت الكثير من ملامح وجهه تتقاطع مع ملامح الجوكندا ؟  ومادامت اللوحة رسمت بطلب من شخص معين ومعروف ، فلماذا لم يسلمها دافينشي له وكان يحملها معه أينما حل وارتحل ..وهل اللوحة التي توجد في المتحف أصلية ، لـأن اللوحة التي شاهدها رفائيل في مرسم ليوناردو دافنشي ورسمها بشكل سريع تختلف بعض الشيء عن هذه اللوحة ، ومنها اختفاء القوسين،  وشعر حاجبي ورموش الموناليزا . ولكن مع تطور التكنولوجيا اتضح أن اللوحة في طبقتها السفلى كانت فيها حواجب ورموش ، ولكن دافنشي عمد إلى إخفائها كما أن اللوحة تم قطعها من الجانبين فاختفى القوسان . والطبقات الكثيرة التي استعملها دافنشي في رسم هذه اللوحة كشفت في البحث الذي أجراه المجلس الوطني الكندي للأبحاث أن المنديل الذي كانت تضعه ” الجوكندا على رأسها كان حصرا على النشاء الحوامل والحديثات الولادة ،، وهذا سر رؤية الكثيرين للوحة من منظور أنها تجسيد للأمومة ومنهم   الناقد الفني” برونو ماتهون” الذي يرى أن الجوكندا ترى شيئا فيك ، ولكنه خلفك في ماضيك ، أي الطفل الذي كنته ، كأم تنظر إلى طفلها “ .. وكذلك يربط ” سيجموند فرويد ” بين اللوحة وطفولة دافنشي ،، فهذا الفنان الذي عاش طفولة مضطربة حيث كان لقيطا ، وتوفيت أمه وهو صغير السن وبعد ذلك مربيته ربما كان لهذا العامل تأثير في اللوحة ، إضافة إلى التهم الموجهة له بالشذوذ الجنسي ، وهو ما دفع” دان بروان “إلى اعتبار الجوكندا ليست بذكر ولا بأنثى بل هي خنثى .

ولا شك أن هذا المظهر الأمومي للجوكندا أثناء رسمها وهي حامل وأيضا وربما أثناء وبعد وضع مولودها مادام رسم اللوحة استمر 4 سنوات ، ولا نعرف بالضبط متى اقتنص تلك البسمة التي جعلها تبدو أكثر سعادة وإن كان البعض يرى في اللوحة أنها مطبوعة بالأمومة ، وأن سر ابتسامتها هو فرحها بهذا المولود ، في بحث نشرته المجلة الإنجليزية ” العالم الجديد ” The new Scientist من خلال اعتماد برنامج خاص يرصد المشاعر خلص إلى نسبة الفرحة في ملامح الجوكندا تصل إلى نسبة 83 في المائة بينما نسبة الغضب تصل إلى 2 في المائة .

وتبقى هذه اللوحة التي افتتن بها الشعراء والكتاب والفنانون ، وتناولها بالدراسة والتحليل علماء النفس ونقاد ومؤرخو الفن ، تحفة نادرة وجديرة بالإعجاب ، ورغم ما رسمه الفنانون من آلاف اللوحات لمريم العذراء كأم وكمنتحبة ¨Piéta ، فإن لوحة الموناليزا طفت على جميع هذه الأعمال الفنية ، والأجمل في ” الجوكندا “ أن الإنسان بمجرد رؤيته لها مرة واحدة تبقى خالدة في ذهنه ، عكس الملايين من اللوحات التي نراها وننسى شكلها الفني بمجرد الانتقال إلى لوحة أخرى.

 

  فنان تشكيلي وباحث من المغرب

المراجع

– MARANI Pietro C., Léonard de Vinci, Éditions Gallimard-Electa, Paris, 1996.

-Jérôme Coingnard, « L’énigme de La Joconde », Connaissance des arts, n°626 avril 2005. Paris

-دان براون – شيفرة دافينتشي . ترجمة سمة محمد عبدربه .الدارالعربية للعلوم .2003

-فن عصر النهضة : بيتر ولينداموري – ترجمة فخري خليل – المؤسسة العربية للدراسات والنشر .ط1 2003

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

من اليابان إلى المغرب… مين ميكوز- لبنى منان: قراءة مقارنة – محمد بنفارس

هايجن قرات لهن / لهم محمد بنفارس*     تقديم بعد صدور أنطولوجيا هايكو العالم …

اترك تعليقاً