الرئيسية / الأعداد / أشكال الانفتاح في النص الرحلي الأوروبي اليوميات النسوية″ في قصة حياتي لإيميلي كين نموذجا – مريم محفوظ

أشكال الانفتاح في النص الرحلي الأوروبي اليوميات النسوية″ في قصة حياتي لإيميلي كين نموذجا – مريم محفوظ

  أشكال الانفتاح في النص الرحلي الأوروبي اليوميات النسوية″ في قصة حياتي لإيميلي كين نموذجا

مريم محفوظ*

 

مقدمة

يشير انفتاح النص الرحلي إلى حيثيات متعددة، فلا يقتصر دوره على توثيق التجارب الجغرافية والمشاهد الخارجية فحسب، بل يمتد ليعانق أبعادا ثقافية، فكرية، ونفسية، مما يجعله جنسا أدبيا متداخلا مع غيره من الأجناس السردية. فالنص الرحلي يتأرجح بين التوثيق والتخييل، بين الوصف الموضوعي والانطباع الذاتي، وبين التأريخ واليوميات، كاشفا بذلك عن رؤيته لذاته وللعالم من حوله. ويتجلى هذا الانفتاح في تجاوز البنية التقليدية للسرد الوثائقي، ليغدو النص الرحلي فضاء مفتوحا، تتكامل فيه وظائف التوثيق والتخييل في بنية هجينة وغنية. كما يحضر ″الآخر″ في هذا الفضاء بوصفه مرآة تُعيد تشكيلغ وعي الرحالة بذاته، فتتحوّل الرحلة إلى تجربة داخلية، لا مجرد حركة في الجغرافيا.

انطلاقا من هذا الثراء ينفتح النص الرحلي على تقنيات السيرة الذاتية، واليوميات، والشعر والمقالة، مما يجعله جنسا ديناميكيا يحتفي بالتعدد ويعكس تعقيد التجربة الإنسانية.

ضمن هذا السياق تشكل يوميات إيميلي كين نموذجا دالًّا على هذا الانفتاح النصي؛ إذ تتجاوز فيه الكاتبة حدود الوصف السردي التقليدي، لتقدّم نصّا رحليا ممتزجا بروح اليوميات، فتتقاطع فيه التجربة الشخصية مع التمثّل الثقافي والاستكشاف الوجداني.  فـ″ قصة حياتي″ لا تسرد مجرد انتقال جغرافي لامرأة أوروبية إلى المغرب، بل تعبّر عن تجربة ثقافية وروحية، تسعى فيها الكاتبة إلى فهم ذاتها وإعادة تشكيلها في ظل التفاعل الحي مع ثقافة مغايرة.

تشتغل هذه اليوميات على أكثر من مستوى؛ فهي تُعيد إنتاج العلاقة بين ″أنا″ أنثوية استعمارية و″آخر″ محلي، وتُفعّل الذاكرة أداة للربط بين الأزمنة والتجارب، كما أنها تُوظّف الجسد الأنثوي فضاء دالّ على التوتر والاختلاف. ومن هنا، فإنّ ما تمنحه اليوميات الرحلية من انفتاح تعبيري يتيح أفقا جديدا لفهم الذات، وتفكيك أنماط التمثيل التقليدي·

انطلاقا من هذه المعطيات، يطرح هذا العرض إشكالات أهمها:

ما الذي يمنحه جنس اليوميات لرحلة إيميلي كين من خصوصية سردية لا توفرها أشكال السرد الذاتي الأخرى؟ وما الدور الذي تلعبه الذاكرة الأنثوية في بناء سردية اليوميات لدى كين؟ وكيف تمثل إيميلي الجسد الأنثوي في يومياتها؟

مفاهيم

تمثلات الجسد الأنثوي

تعد تمثّلات الجسد الأنثوي من أبرز الآليات الثقافية التي تعيد تشكيل معنى الأنوثة داخل المجتمعات، إذ يُنظر إلى الجسد الأنثوي لا باعتباره كيانا بيولوجيا خالصا، بل كحقل دلالي ورمزي تتقاطع فيه مفاهيم الطهارة، العفة، الشرف، الجمال والإنجاب. وفي هذا السياق، يُمثّل مفهوم الجندر أداة تحليلية مركزية لفهم كيفية تحميل الجسد بدلالات اجتماعية وأخلاقية متغيرة. فالجندر، كما تبيّن جوديث بتلر، لا يعكس حقيقة بيولوجية، بل يعبر عن ״أداء اجتماعي متكرر˝ يعيد تشكيل دلالة الجسد ويكرّس تمايز الأدوار بين الذكور والإناث. وهو ما يفسّر تفكك مفهوم ″المرأة الواحدة″، إذ تقول بتلر: ″على الرغم من أن وحدة النساء التي لا تخضع لأي استشكال هي في غالب الأحيان أمر يتم التذرع به من أجل بناء نوع من تضامن الهوية، فإن الانقسام ما قد أُدخل في صلب الذات النسوية من خلال التمييز بين الجنس والجندر″.[1]

وفق هذا المنظور، يصبح الجسد الأنثوي نصا ثقافيا تعاد كتابته وتأويله تبعا للسياق، لا سيما في اللحظات الطقوسية التي تجسد بشكل صريح تمثّلات المجتمع عن الأنوثة. وهنا تتقاطع نظرية جوديث بتلر، التي تشكك في وجود هوية نسوية موحّدة أو جوهر أنثوي سابق على القمع، مع تساؤلاتها النقدية: “هل ثمة شيء مشترك بين النساء يوجد قبل قمعهن؟ أم أن النساء لهن رابط بينهن بفضل قمعهن فحسب؟”[2]، مع الطريقة التي تتناول بها شريفة وزان في قصة حياتي تمثّلات الجسد الأنثوي في مشهد بالغ الدلالة: زفاف لالة هبة. في هذا الفصل، نكتشف أن الجسد الأنثوي لا يُترك على طبيعته، بل يُخضع لتقنيات دقيقة من الإعداد والتنميط. تقول المؤلفة: ″تستمر عملية التطهير من ساعة ونصف إلى ساعتين…″[3]، وهو ما يكشف عن تطهير رمزي للجسد، يعيد تأهيله ليصير مطابقا لمعايير الطهارة والعذرية. أما الحضور النسائي، فتصفه بقولها: ″الفتيات الصغيرات في ألبسة رائقة متحليات بأنواط من مصوّغات الفضّ والذهب… يجلسن مثل خرساوات صغيرات واعيات تمام الوعي بأهميتهن الشخصية″[4]؛ وهو ما يبرز كيف يُهيّأ الجسد الأنثوي منذ الطفولة على أداء الأنوثة، في طقوس صامتة تدمج الزينة بالتقييد والهيبة.

نجد العروسة في قلب هذا المشهد محاصرة بين التمثيل والإخضاع؛ تقول كين: ″إنها ما زالت متلحفة بملاءة ومستلقية فوق سريرها… عليها أن تتصنع الحياء والخَفر″[5]، ما يُحوّل الجسد إلى كيان ساكن، خاضع، مؤنث وفق الشروط الجماعية. وتُكمل: ″أما العروسة فتبدو مثل تمثال هامد…″[6]؛ وهي استعارة دقيقة تجسد لحظة التشييء الكامل للجسد، حين يُنزع منه كل فعل أو إرادة ليصبح موضوع نظرة وتقييم جماعي.

الذاكرة الأنثوية

“استجمعت شجاعتي وفكرت في إدخال بعض النظام الأوروبي على بيتي الجديد”[7] من هذا القول يتضح عمق الصراع الذي تعيشه البطلة بين هويتها الأصلية وواقعها الجديد المفروض. وجدتُ في هذا المقطع مدخلا لفهم ما يعرف في الدراسات النسائية ″بـالذاكرة الأنثوية″، تلك التي لا تقتصر على التذكر السردي للأحداث، بل تتجلى في التفاصيل اليومية، وفي محاولات المرأة حتى ضمن فضاءات القهر تحاول أن تستعيد شيئا من ذاتها. قول إيميلي ″استجمعت شجاعتي″ يبين أن مجرد التفكير في إعادة ترتيب البيت وفق تصوراتها السابقة كان فعلا يتطلب مقاومة داخلية، فالنظام الأوروبي هنا ليس مجرد ترتيب مادي، بل استدعاء لذاكرة وهوية تم طمسها. البيت باعتباره فضاء أنثويا خاصا يتحول إلى ساحة مقاومة ناعمة، تعبر من خلالها الساردة عن وعيها المتجذر بذاتها قبل الأسر. من خلال هذه المقاومة الناعمة تبدأ إيميلي بالوعي بضرورة فهم واختراق هذا المحيط الذي فرض عليها فتقول: “لكن جهلي التام في كيفية اشتغال الآلية الداخلية للمحيط الذي أعيش فيه دفعني إلى التفكير في الأمر، وحفزني على تعلم اللغة العربية”[8] فهذا المقطع يعكس لحظة تحول نوعية في تشكل الوعي الذاتي لدى البطلة، إذ أنها لم تظل متشبثة بالمقاومة الصامتة وحسب، بل انتقلت إلى مستوى آخر من التفاعل مع الواقع، قائم على محاولة الفهم العميق للمنظومة الثقافية التي تحيط بها. إن قرارها بتعلم اللغة العربية لا يجسد فقط رغبتها في التواصل، بل كتعبير رمزي لامتلاك أداة للتعبير عن الذات داخل ثقافة مغايرة.

إثر هذا تصبح الذاكرة الأنثوية مساحة تتشكل فيها الذات تدريجيا، من خلال التفاعل مع العالم من حولها، لا عن طريق الرفض والابتعاد عنه. هذا الوعي يجعل كين في موقع وسط، تتأرجح فيه بين التقبل والاعتراض·

تستكمل هذه الرؤية بما تطرحه جوديث بتلر، فتتساءل عن الأساس الذي يجمع النساء بقولها: “هل ثمة شيء مشترك بين النساء يوجد قبل قمعهن؟ أم أن النساء لهن رابط بينهن بفضل قمعهن فحسب؟ هل ثمة خصوصية في ثقافات النساء مستقلة عن إخضاعهن بواسطة ثقافات مهيمنة ذكورية؟ “[9] تثير بتلر في هذا المقطع أسئلة جوهرية في بناء الذاكرة الأنثوية، فتتساءل عن مدى إمكانية وجود هوية نسائية سابقة للتجربة القمعية. بناء على هذا الطرح، يمكن القول إن الذاكرة الأنثوية لا تتشكل فقط كردّ فعل على الهيمنة، بل تنبع من تراكم تجارب معيشية وثقافية وجسدية تتقاطع فيها النساء في مواقع مختلفة. فالخصوصية النسائية لا تنشأ بالضرورة من القهر، بل من أشكال التعبير والمقاومة والمعنى التي تُنتجها النساء داخل هذا القهر. بذلك، تتحول الذاكرة إلى أداة لإعادة بناء الذات، لا بوصفها ضحية، بل كفاعل يعيد كتابة موقعه ضمن نظام ثقافي يحاول تهميشه· وهذا ما نلمسه في تجربة ″إيميلي″، التي لا تنطلق من موقف رفض مباشر، بل من وعي متدرج يسعى لفهم الآليات الداخلية   للثقافة المهيمنة، والتسلل إليها من الداخل.

    اليومي بين الانفتاح النصي والتمثيل الذاتي 

تشكل اليوميات عند بوشعيب الساوري[10]، فضاء سرديا رحبا يتيح للذات الكاتبة أن تتحرر من صرامة الأجناس الأدبية وحدودها التجنيسية، إذ تمثل نمطا من الكتابة الصعيدية[11] التي تتداخل فيها الأشكال والخطابات: من الرسالة إلى المذكرة، ومن التعليق إلى المقالة، متقاطعة مع الوسائط المكتوبة والسمعية والبصرية، ما يجعل من النص الرحلي “نصا مفتوحا لا يمكنه أن يتسيج في خانة محددة تجنسه بصفة معينة تضيق من تحرره واتساعه وانتشاره و(هجومه الضروري) على حقول أخرى”[12]. هذا الانفتاح النصي لا يخدم فقط غنى البناء السردي، بل يفسح المجال لحضور الذات بوصفه محورا جوهريا في العملية الكتابية. إذ “تؤكد النصوص الرحلية بمختلف أشكالها أن الذات تحضر من خلال مستويين: تأثير الأهواء والانفعالات على طريقة السرد والوصف، ومن خلال اللقاء بالآخر والسعي إلى إثبات الذات”،[13] وهو ما يمنح الرحلة طابعا ذاتيا بامتياز. ويؤكد آدم بيرسي هذا المنظور حين يذهب إلى أن “محكيات السفر على مرّ العصور كانت ذاتية تماما، وكلما كانت أكثر ذاتية، زادت سهولة قراءتها وزادت قيمتها”، وهو ما يعيد الاعتبار للعنصر الذاتي لا بوصفه هامشا سرديا، بل عنصر بنائي ينهض عليه النص الرحلي في حد ذاته. فالذات التي تسافر ليست فقط جسدا ينتقل في المكان، بل وعيا يتحرك في الزمان، محمولا بأحلامه وتطلعاته وقيمه، مما يجعل من الرحلة “مشهدا سِيريا وذاتيا وبيوغرافيا يخص لحظة زمنية مؤثرة بسفر ˝ذات̏   تحمل أحلامها وتطلعاتها ومعارفها وقيمها.”[14] ولعل هذا البعد الذاتي لا ينفصل عما تمنحه اليوميات من إمكانات سردية وانفتاحات شكلية، إذ أن الطابع الهجين لهذا النوع من الكتابة يسمح بتجاوز الثابت والنهائي في الشكل والمضمون معا، ويفتح النص على العابر واليومي، على التلقائي والعفوي، دون أن يفقد كثافته المعرفية أو عمقه الوجداني. فهي كتابة تمارس انفتاحها من جهة، وتمثل ذاتها من جهة أخرى، في تفاعل ديناميكي يجعل من النص الرحلي اليومي فضاء لإعادة تشكيل العلاقة بين الذات والعالم، وبين السرد والتجربة.

في إطار هذا الانفتاح تشكل العفوية والتلقائية جوهر اليوميات، فتُنقّص من ثقل الضغوط التحريرية والقوالب السردية الجامدة، إلى درجة أن “شكل اليوميات المتسلسلة اعتراف مزدوج، إذ يعترف الرحالة بما رأى عند الآخر ويبوح بتعليقاته ومقارناته”[15]، فتتحول بذلك إلى فضاء مصداقي ينبض بالصوت الداخلي للكاتب بعيدا عن رتابة الحكي الكرونولوجي[16] العادي. بناء على ما ذكر، فإن “لجوء السارد إلى استعمال اليوميات ضرورة فنية وبنيوية تكسر رتابة الحكي”[17] وتعطي للذات فرصة تتبع أثرها الملموس في تجربة الحياة، ما يجعل منها مرآة صادقة لتطور الذات وتعاقب أفكارها ومشاعرها. ومن ثَم، تتعاظم قيمة اليوميات بوصفها مخزونا شخصيا يعزز التواصل مع الذكريات والأفكار، فيصبح وسيلة فعالة للتأمل وإعادة الكشف عن الذات واستشراف المستقبل. وعلاوة على ما تقدم، يوضح الساوري أن اليوميات “تتميز بحرية شكلية، وهو ما دفع الفيلسوف جورج غيسدورف إلى اعتبار اليوميات كتابا مفتوحا نبدأه في أي وقت نشاء وننهيه متى شئنا، ويمكن أن نوقفه حسب رغبتنا لفترة زمنية أطول أو أقصر”[18]، مما يؤكد مرونتها وقدرتها الفريدة على مواكبة إيقاع الذات وتعبيرها المستمر عن تجربتها الحية.

يمكن القول إن اليوميات تُجسد نموذجا سرديا يتقاطع فيه الذاتي بالنصي، ويكشف عن دينامية خاصة في تمثيل التجربة الفردية، إذ تنبني اليوميات على مبدأ الانفتاح الشكلي والحرية التعبيرية، مما يتيح للذات الكاتبة فضاء رحبا للتعبير عن انفعالاتها وأفكارها وتفاصيل تجربتها اليومية دون قيود منهجية صارمة. فهي كتابة تتأسس على العفوية والتلقائية، وتتحرر من التسلسل الزمني المألوف. وفي هذا الإطار، يمكن فهم اليوميات ضمن ما أشار إليه عبد النبي ذاكر في وصفه للرحلة باعتبارها “شكلا أدبيا هجينا يمتاز بتعدد أوجهه وتمظهراته، إلى حد أنه يمكن القول إنه جنس متكامل يحطم قانون صفاء النوع، وذلك بإدماجه أنماطا خطابية متنوعة من حيث الأشكال والمحتويات، الشيء الذي يعطي الانطباع بأنه شكل ماتع ومرن إلى حد كبير، إضافة إلى شدة تعقده واحتماله لأنماط وأساليب ومضامين كتابية تبعده عن البساطة الظاهرة لتجعل منه جنسا مركبا وشموليا وعاما وجنس الأجناس”[19]. وبفضل هذا التّوجه، تُصبح اليوميات أداة فَعالة لإعادة تشكيل العلاقة بين الذات والعالم، فيتداخل السرد بالحياة في حوار مستمر﮳ ولعل هذا الغنى والتنوع في المضامين والأشكال هو ما يمنح اليوميات طابعا شبيها بفناء بيت واسع، تتفَرّع منه أبواب متعددة، تفتحها الذات الكاتبة واحدة تلو الأخرى، لتجد في كل منها فضاء تعبيريا يلبي حاجاتِها ويمنحها إمكانية التمثيل الحُر لتجربتها الإنسانية، في تفاعل ديناميكي بين الكتابة والوجود.

اليوميات النسوية: تحليل الأنساق الضمنية في نصوص إيميلي كين

تتسم رحلة إيميلي كين المعنونة بقصة حياتي بطابع تأملي، إذ لا تقتصر على استعراض أحداث متفرقة من سيرة ذاتية، بل اعتمدت الكاتبة على جنس اليوميات كقالب لتصب فيه تفاصيل حياتها اليومية، من خلال إفصاحها عن هواجسها ومشاعرها الصادقة ومواقفها اتجاه المجتمع وثقافته. غير أن هذه الرحلة لم تكن سطحية، بل تضمنت بين سطورها انساقا خفية تتراءى للقارئ المتأمل كأنها قطعة قماش مطرز بدقة تبهر واجهته بجمال ألوانه وتناغم زخارفه لكن ما إن نزيح النظر إلى خلفه حتى نلمح خيوطا معقدة عقدا متشابكة تخفيها الواجهة الظاهرة· هكذا نسجت كين خطابها المركب؛ ظاهر بسيط وباطن ينطوي على نقد ثقافة مجتمع تمرره بأسلوب رمزي.

هذا ما سنلمسه من خلال بعض المقاطع المأخوذة من هذه الرحلة التي تكشف كين من خلالها عن مواقفها بصدق ظاهر لكنها في الآن نفسه تضمن خطابها رسائل خفية تتطلب قراءة تأويلية.

في قولها ” كان الجو صبيحة يوم 17 يناير 1873 سمحا طليقا، أتى والدي إلى غرفتي في وقت مبكر جدا، وناشدني للمرة الأخيرة، قائلا إنني إن أردت التراجع، حتى في تلك اللحظة، فإن له عدة أصدقاء بإمكانهم مساعدتي في الوصول إلى مركب، ̏[20] تكتب إيميلي بأسلوب يومياتي دقيق يميز هذا الجنس الأدبي؛ فهي تبدأ بوصف الطقس وتحديد التاريخ بدقة، مما يُظهر أن الكتابة متجذّرة في اللحظة، وتُسجَّل كما عايشتها، لا كما أعادت تأويلها فيما بعد. لكن ما يبدو في ظاهره وصفا بسيطا لصباح يوم عادي، يُخفي في عمقه نسقا ضمنيا مرتبطا بالسلطة الأبوية ومحاولة السيطرة العاطفية على قرار امرأة قررت أن تمضي في طريقها. فالأب لا يستخدم سلطة مباشرة، بل يناشدها “̏للمرة الأخيرة”، ويقترح عليها العودة عن قرارها. هذه العبارات، رغم نعومتها الظاهرة، تحمل في داخلها مقاومة خفية لاختياراتها. إذ تسجّل الحدث لا لتروي القصة، بل لتُثبت لنفسها أولا أنها تجاوزت لحظة الضغط دون تنازل. وهنا تتجلى قيمة اليوميات ليس كوثيقة سردية، بل كأداة مقاومة داخلية هادئة، تُستعمل لتثبيت الذات والتعبير عن استقلالها، دون حاجة للصراخ. وفي موضع آخر نجدها تكتب “قلت له إني قطعت وعدا، وأني على أتَمّ الاستعداد للوفاء به، سواء تعلق الأمر بسعادتي فيما يقبل من الأعوام أم غير ذلك″[21]. تواصل كين في هذا المقطع ترسيخ خطابها الذاتي من خلال شكل اليوميات، الذي يمنحها حرية التعبير المباشر والصادق عن قراراتها ومواقفها. فما يلفت الانتباه هنا هو حضور صوت المرأة الواعية بمسؤوليتها اتجاه ذاتها، بعيدا عن الخضوع لقرارات الأسرة أو سلطة المجتمع، ويظهر ذلك من خلال استخدامها لعبارة “قطعت وعدا”، التي تفيد التزاما شخصيا نابعا من إرادة فردية لا من إكراه خارجي. هذا الالتزام لا يرتبط بتحقيق السعادة فحسب، بل يتجاوزها، كما توحي بذلك عبارتها ″سواء تعلّق الأمر بسعادتي أم غير ذلك″، يشير ذلك إلى وجود نسق ضمني يرتكز على تحمل عواقب القرار، ومن خلال هذا التعبير يتضح أنه جزء من نص يومياتي.

يتضح من خلال هذا التعبير أنه جزء من نص يوميات، حيث يبرز الوصف التفصيلي لمظاهر الشخصية في المقاطع التالية: ″ارتديت رداء الركوب الأزرق الغامق واعتمرت قبعة عالية محلاة بريشة نعامة طويلة وأسبلت شعري على ظهر امتثال لرغبة من الشريف″،[22] فهذا الأخير هنا ليس مجرد شخصية اجتماعية بل رمز للسلطة والنسب الشريف، ويمثل مكانة مرموقة تفرض الاحترام والامتثال. ويظهر ذلك بوضوح في طلبه أن “تسبل شعرها”، وهو فعل يدل على خضوع وتواضع يعكسان نسقا سلطويا يحكم العلاقات بين الأفراد. أما “رداء الركوب الأزرق الغامق” فيرمز إلى الطبقة الأرستقراطية، حيث يرتبط اللون الأزرق الغامق بالرقي، ويشير الرداء إلى الانتماء لطبقة أرستقراطية. كذلك تعكس “القبعة العالية المزينة بريشة نعامة طويلة” رغبة في إبراز الفخامة والترف، فهذه الزينة ليست مجرد زخرفة، بل دلالة واضحة على الانتماء إلى طبقة اجتماعية عليا تتمسك بعادات وتقاليد تعبر عن مكانتها، ومن خلال هذا الزي تظهر كين كيف أنها أرغمت المجتمع المغربي على مواجهة حضورها وعدم التخلي عن هويتها الاجتماعية، هكذا يمكن الفهم في ضوء الذاكرة الأنثوية التي تحافظ مظاهرها كشكل من أشكال المقاومة وسط موجات التغيير التي قد تهدد هويتها الأصل.

مع استمرار رحلة إيميلي، تقدم اليوميات سردا تفصيليا للأحداث والمشاهد، فتفتح لنا نافذة على التفاصيل اليومية والمظاهر الحياتية. إذ يتجلى ذلك بوضوح في قولها ″يرافق الموسيقيون حملة الهودج الذي سأفيض في وصفه، إنه من الخشب العادي أشبه شيء بصندوق لتخزين اللحوم مع سقف مخروط، هناك فتحة بطبيعة الحال لكن لا يوجد باب رغم أن الهيكل الخشبي أمام المدخل يرتفع بضع بُوسَاط”[23]، يظهر هذا المقطع من اليوميات تمثّلا واضحا لنظرة استشراقية استعلائية اتجاه الثقافة المغربية، إذ تصف الكاتبة الهودج الذي يُعد رمزا تقليديا محمّلا بالدلالات الطقوسية والاجتماعية في المخيل المغربي بأنه “من الخشب العادي”، وتشبّهه بشكل ينطوي على التحقير بـ”صندوق لتخزين اللحوم”. هذا التوصيف ليس بريئا، بل يعكس موقفا ضمنيا يختزل الثقافة المحلية في مظاهرها المادية البسيطة، دون إدراك لأبعادها الرمزية أو الروحية. فإميلي كين، بوصفها شخصية تنتمي إلى طبقة اجتماعية مرموقة ومجتمع غربي مهيمن، لا ترى في هذا العنصر الثقافي سوى مظهرا من مظاهر البدائية، ما يكشف عن نسق مضمَر يسعى إلى التقليل من قيمة التقاليد المغربية وتمثيلها كشيء متخلّف أو غير حضاري. إن تجاهلها للبعد الجمالي أو الوظيفي للهودج، وغياب أي محاولة لفهم رمزيته في السياق المحلي، يكشفان نظرتها الدونية للثقافة المغربية. إذ لا تكتفي اليوميات بتوثيق تفاصيل الرحلة، بل تتحول أيضا إلى وسيلة تُعيد من خلالها الكاتبة إنتاج صور نمطية عن الشرق والمغرب. فهي لا تنقل الواقع كما هو بقدر ما تعيد تشكيله من زاوية تنظر إليه باعتباره غريبا ومتخلفا.

″هذه محنة كل عروسة مغربية، لكنهن يستمتعن بهذا الأمر غير الاستمتاع. وقد يركبهن حزن شديد إذا ما فقد طقس واحد من هذه الطقوس″[24]. هنا نرى كيف تصور كين الطقوس النسائية، وعلى رأسها ″العروسة″، كفعل ظاهره الفرح وباطنه القهر. فالاستمتاع هنا مشكوك في صدقه، وكأن العروس تُجبر على تمثيل السعادة تحت ضغط اجتماعي يفرض عليها التفاعل الإيجابي. يبرز هذا النسق تصورا للمرأة المغربية ككائن خاضع للطقس، تؤدي أدوارا موروثة دون وعي أو اختيار حقيقي.

في سياق اليوميات، تتكرر هذه النظرة من خلال تمثيل المرأة باعتبارها محكومة بإكراهات الجماعة، وتبدو إيميلي كين في هذا الإطار، وكأنها تمارس دور المراقِبة الأجنبية التي تفسّر الظواهر المحلية وفق تصور ثقافي مسبق: المرأة خاضعة، والمجتمع محافظ، والطقس مرآة للهيمنة الذكورية. من خلال هذا الخطاب، يمكن القول إن كين لا تسعى فقط إلى الوصف أو التوثيق، بل تتجاوز ذلك نحو تفكيك صورة الفرح الجماعي لتكشف ما تعتبره قهرا بنيويا مُقنّعا. فهي توجّه القارئ ولو ضمنيا إلى الشك في أصالة تلك الطقوس، وتدفعه للتساؤل عمّا إذا كانت المرأة المغربية فاعلة فيها أم مجرد متلقّية لأدوار جاهزة.

إذ يظهر أثر هذه الخلفية الأوروبية في مواقفها الذاتية: ″أظن أن مولاي علي لو أحس بأي تشجيع من طرفي لفضل الزواج بأوروبية، لكنه في نفس الوقت كان يعرف بأن هذا الاختيار قد يَضِر بمكانته″[25]. تُفصح هذه العبارة عن نسق مضمر يعكس حضور الخلفية الأوروبية المهيمنة داخل ذاكرة الكاتبة، ولو فيما يتعلق بحياتها الشخصية. فهي تفترض أن المرأة الأوروبية تمثل الخيار الأفضل، غير أنها في الوقت ذاته تدرك أن هذا الاختيار قد يتعارض مع القيم الاجتماعية والسياسية للمجتمع المغربي، وهو ما قد يهدد “مكانة” ابنها في بيئته. هنا يتجلى صراع هوياتي بين التمسك بجذورها الغربية من جهة، والسعي إلى مواكبة العادات والقيم المحلية. يُفهم من قولها هذا، أن الخيار الأوروبي لا يزال حاضرا كمرجعية مضمرة للتفوق أو التحضر، حتى وإن تم التراجع عنه بدافع الخوف من فقدان الاعتبار الاجتماعي. وهذا يبرز بشكل واضح أن الذات الكولونيالية، رغم اندماجها الظاهري، لم تتخل عن شعورها المتأصل بالتفوق الحضاري.

بناء على ما سبق، يمكن القول إن يوميات إيميلي كين ليست مجرد تسجيل لحياتها اليومية، بل هي وسيلة للكشف عن رؤيتها للعالم من حولها، رؤية تحمل في طياتها تصورات جاهزة عن المرأة والمجتمع المغربي. فعبر أسلوب بسيط وأحداث شخصية، تمرر الكاتبة أفكارا عميقة تعكس خلفية ثقافية أوروبية ترى في العادات المحلية شكلا من أشكال القَيد، وفي المرأة المغربية كائنا خاضعا لا يجرأ عن الإدلاء برأيه. هذه النظرة لا تَظهر فقط في حديثها عن النساء والطقوس، بل تمتد إلى حياتها الخاصة، كما يتضح في موقفها من زواج ابنها، تكشف عن تفضيل خفي للمرأة الأوروبية، رغم وعيها بتأثير ذلك على مكانته في المجتمع المغربي. هذا ما يجعل من يومياتها حسب بوشعيب الساوري، ليست فقط اعترافا ذاتيا، بل تمثيلا للذات والآخر، نجد أن الكاتبة تكتب عن نفسها كما تكتب عمن حولها، انطلاقا من مرجعية ثقافية ترى التفوق في الغرب والاختلاف والتخلف في الشرق.

خاتمة

في ختام هذا البحث يتضح أن انفتاح النص الرحلي، لاسيما في جنس اليوميات النسوية، كما في تجربة إيميلي كين، يمثل أكثر من مجرد سجل سردي لحياة سيدة أوروبية في المغرب. فهو لا يكتفي بوصف التنقل المكاني، بل يتحول إلى قالب يجمع بين الذاكرة والجسد والهوية الثقافية والاجتماعية؛ هذا الانفتاح النصي وفر لإيميلي كين حرية التعبير عن ذاتها بعمق وصدق، وأتاح لها إعادة بناء وعيها الذاتي في ظل التحديات المحيطة بها، مما يجعل اليوميات وسيلة فاعلة لتجسيد التجربة النسوية ومقاومتها من خلال الكتابة.

هكذا تصبح اليوميات الرحلية المفتوحة شكلا حيويا من أشكال التعبير، يعكس التفاعل بين الذات والغير، متجاوزة بذلك الحدود التقليدية للسرد الرحلي المعتاد، ومؤكدة على أهمية النص الرحلي المفتوح كأداة لفهم الأبعاد الإنسانية والثقافية العميقة التي تميز تجربة المرأة المسافرة. لذا، يمكن القول إن انفتاح النص الرحلي في اليوميات ليس مجرد شكل أدبي، بل نواة تعيد تشكيل الفهم حول الذات والهُوية، باعتبار اليوميات فضاء شاسعا يسمح بتوثيق التجارب والتفاصيل اليومية، كما يمنح للذات الكاتبة إمكانية التعبير الحر عن خصوصية تجربتها في تفاعلها مع العالم.

طالبة باحثة في سلك الماستر من المغرب

الإحالات:

[1] – جوديث بتلر، قلق الجندر، النسوية وتخريب الهوية، ترجمة فتحي المسكيني، المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية، ط الأولى، بيروت، 2022، ص75.

[2] – جوديث بتلر، قلق الجندر، النسوية وتخريب الهوية، ترجمة فتحي المسكيني، المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية، ط الأولى، بيروت، 2022، ص76.

[3] – إيميلي كين، قصة حياتي شريفة وزان، ترجمة حسن الزكري، منشورات باب الحكمة، تطوان، ط1، 2023، ص129.

[4] – المرجع نفسه، ص131.

[5] – نفسه.

[6] – المرجع نفسه، ص136.

[7] – المرجع نفسه، ص31.

[8] – المرجع نفسه، ص33

[9] – جوديث بتلر، قلق الجندر، النسوية وتخريب الهوية، ترجمة فتحي المسكيني، المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية، ط1، بيروت، 2022، ص71.

 -[10] بوشعيب الساوري، من مواليد سنة 1973، باحث وأكاديمي مغربي متخصص في الأدب العربي والسرديات. حصل سنة 2005 على شهادة الدكتوراه في الآداب، تخصص اللغة العربية وآدابها، من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، عن أطروحة متميزة معنونة: بالرحلة والنسق: بحث في تشكل النص الرحلي، رحلة ابن فضلان نموذجا. كما نال دبلوم الدراسات العليا المعمقة في الأدب العربي، ضمن وحدة السرد العربي من الكلية نفسها.

يشغل حاليا منصب أستاذ التعليم العالي مساعد بكلية اللغات والفنون والعلوم الإنسانية بجامعة الحسن الأول بمدينة سطات، حيث يسهم في تأطير الطلبة والبحث الأكاديمي في مجالات السرد والرحلة والنقد الأدبي. للسّاوري إسهامات فكرية وعلمية بارزة، تتجلى في عدد من المؤلفات والأبحاث التي تُعنى بالتحليل السردي والنقد الثقافي، مما جعله يحظى بمكانة متميزة بين الباحثين في مجاله.

[11] – تعد الكتابة الصعيدية عند بوشعيب الساوري مفهوما نقديا حديثا يعبر عن نمط من الكتابة المتحررة من ضوابط التجنيس الأدبي التقليدي، وهي كتابة هجينة تنفتح على أشكال متعددة من التعبير، مثل الرسائل والمقالات والمذكرات والتعليقات، وتستثمر كذلك الوسائط المتنوعة كالكتابة والمرئي والسمعي. وينطلق هذا المفهوم من تشبيه النص بالصعيد؛ أي الفضاء المفتوح الذي تتقاطع فيه الأصوات والخطابات والأنماط التعبيرية المختلفة، في بناء نصّي غير منغلق، يتجاوز الحدود التقنية والجمالية الصارمة. وتتميز الكتابة الصعيدية بأنها كتابة يومية، عفوية، تتوسل البساطة لتعيد تمثيل الذات في علاقتها بالعالم، من خلال مزج التخييل بالتوثيق، والانفعال بالواقع.

[12] – شعيب حليفي، الرحلة في الأدب العربي: التجنيس، آليات الكتابة، خطاب المتخيل، مكتبة الأدب المغربي، ص40.

[13] – بوشعيب الساوري، انفتاح النص الرحلي، أفريقيا الشرق، المغرب، 2023م، ص75.

[14] Percy G, Adams, Travel Literature and the Evolution of the Novel, pp280.

[15] – شعيب حليفي، الرحلة في الأدب العربي: التجنيس، آليات الكتابة، خطاب المتخيل، مكتبة الأدب المغربي، ص66.

[16] – الحكي الكرونولوجي: التسلسل الزمني

[17] – شعيب حليفي، الرحلة في الأدب العربي، مرجع مذكور، ص66﮳

[18] – بوشعيب الساوري، انفتاح النص الرحلي، أفريقيا الشرق، المغرب، 2023م، ص30.

[19] ‏- عبد النبي ذاكر، عتبات الكتابة، مقاربة لميثاق المحكي الرحلي العربي، منشورات مجموعة البحث الأكاديمي في الأدب الشخصي، المغرب، 1998، ص35.

[20] – إيميلي كين، قصة حياتي شريفة وزان، ص27.

-[21] نفسه.

[22] – نفسه.

[23] – المرجع نفسه، ص133.

[24] – المرجع نفسه، ص139.

[25]– المرجع نفسه، ص251.

عن madarate

شاهد أيضاً

الجمعية الإقليمية لرعاية الشؤون الثقافية تعقد اجتماعاً حاسماً لتنزيل موسمها الثقافي 2026 والتحضير لملحونيات

في إطار ديناميتها المستمرة وحرصاً على تنفيذ برنامجها السنوي الطموح، احتضن مقر الجمعية يوم السبت …

اترك تعليقاً