الرئيسية / الأعداد /  “ميراث حزين”  اللوحة التي تحولت إلى كابوس – محمد سعود

 “ميراث حزين”  اللوحة التي تحولت إلى كابوس – محمد سعود

“ميراث حزين”  اللوحة التي تحولت إلى كابوس

محمد سعود*

 

– تعتبر لوحة “ميراث حزين”  إحدى التحف الفنية التي أُنجزت في أواخر القرن التاسع عشر.  رسمها الفنان خواكين سورويا Joaquín Sorolla الذي اشتهر برسام الشواطئ وكذلك بلقب سيد الأبيض لأنه كان يتقن التعامل مع هذا اللون.

اختار الفنان الشاطئ كموضوع للوحاته لأنه كان قريبا من مرسمه. ويقول سورويا عن رسمه للوحة “ميراث حزين” خلال صيف عام 1898 على شاطئ مالباروسا Malvarrosa في فالنسيا:

” هذا الميراث الحزين هو كابوسي.. كنت مشغولًا ذات صباح برسم تخطيطي لصيادي بلنسية، عندما رأيت على مسافة قريبة من البحر، مجموعة من الأطفال العراة ومعهم كاهن منفرد. كانوا أطفال مستشفى” سان خوان دي ديوس”، مخلفات من المجتمع، منهم الأعمى والمجنون، والضعيف والمجذوم.  وجود هؤلاء التعساء ترك في نفسي انطباعًا مؤلمًا، لم أضيع هذه اللحظة فطلبت من مدير المستشفى الإذن اللازم للعمل على في الميدان ونقل هذه اللوحة من الطبيعة”

      لم يكن هذا العمل سهلا بالنسبة للفنان لأنه لم يستطع متابعة رسم اللوحة ليس لصعوبتها بل للمشاعر التي كانت تنتابه وهو يرسم هذه الأجساد التي خرجت إلى العلن بعد أن كانت مخفية وراء جدران المستشفى، وكيف سينقل هذا المشهد المؤلم لخاصة الناس وعامتهم.. قرر ترك رسم هذه اللوحة الزيتية الصرحية التي تقارب ثلاثة ،،ولكن إلحاح أقرب أصدقائه على الاستمرار دفعه إلى متابعة إكمالها.

بعد الانتهاء من اللوحة اختار لها عنوان” أطفال المتعة ” لأن هؤلاء الأطفال متخلى عنهم، ولكن صديقه الكاتب الإسباني فيسينتي بلاسكو إيبانيزVicente Blasco Ibáñez صاحب روايتي “دم ورمال” (Sangre y arena) ورواية فرسان القيامة الأربع ( Los cuatro jinetes del apocalipsis)  اللتين تحولتا إلى شريطين سينمائيين هو من اختار له عنوان “ميراث حزين” .

ونظرا لصرحية اللوحة أي كبرها قدمها لخبير في التأطير لمراعاة خصائص أسلوب التأطير في القرن التاسع عشر حيث كانت الإطارات كبيرة الحجم ثقيلة الوزن وفيها الكثير من الزخارف عكس اليوم حيث يمكن الاستغناء عن الإطار أو الاكتفاء بإطارات رقيقة بسيطة دون زخارف.

و قد قام فيرناندو ميراندا كاسيلس سنة 1990 بصنع إطار للوحة ،يمكن تفكيكه وفصل سارياته الأربع لتسهيل عملية نقلها وفي نفس السنة شارك بها في المعرض العالمي بباريس أي سنة 1900 وتم تتوجيه فائزا بهذه الدورة بعد إجماع شبه كلي من طرف لجنة التحكيم على أعماله خاصة لوحة ميراث حزين التي أحدثت ضجة كبرى في الأوساط الفنية جمهورا ونقادا.  حاول الفنان بعد هذا التتويج بيع اللوحة للدولة الإسبانية إلا أنه اصطدم برفض النقاد الإسبان لهذا العمل. وبعد ذلك قدم الليبراليون اقتراحا لشراء العمل إلى البرلمان حرصًا على بقاء العمل في إسبانيا ، رفضه المحافظون .

فأودع سورويا لوحته في متحف مدريد للفن الحديث، في انتظار أن تصوت المحاكم الإسبانية على الائتمان اللازم لاكتسابها.  انتظر ما يقرب من عامين فباعها لخيسوس فيدال، وهو جامع أعمال إسباني يعيش في نيويورك. وبدأت اللوحة تنتقل من جامع أعمال فنية إلى آخر إلى أن بيعت في مزادات (ساوثباي) سنة 1981 .

بيعت هذه اللوحة ولكن لم يتخلص الفنان ولا من شاهد هذه اللوحة من كابوس هذا الميراث الذي لا زال يلاحقنا ، فما نراه ليس بالضرورة هو الواقع بل توجد شرائح كبيرة من المجتمع في حاجة إلى من ينقل معاناتها عبر كل الوسائل المتاحة خاصة من الجانب الإبداعي الذي يعمق الرؤية ويعبر بشكل مختلف .

 

فنان تشكيلي وباحث من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

حميد بناني المخرج السينمائي الذي هـجر الوظيفة العمومية من أجل التفرغ للإبداع – محمد بشار

محمد بشار* أو المبدع المكناسي الذي وضع حجر الأساس لسينما مغربية ناضجة ومدركة لهويتها ورسالتها …

اترك تعليقاً