الرؤية الاستشرافية والسرد المستقبلي في (برج التعاطف في طوكيو) للروائية (ري كودان)

حيدر علي الاسدي*
ري كودان هذه الروائية الشابة المبدعة والمولودة سنة 1990 ونالت عن عملها الاول ( موسيقى رديئة) جائزة بونغاكوكاي عام 2021 والتي تختص بالكتاب الصاعدين الجدد ، وبعدها صدرت لها رواية مهمة كذلك (تلميذة) وتلتها (الخيول التي تكتب قصائد) وكلاهما نالا جائزة نوما للكتاب المبدعين الصاعدين ولكن الاهم هو روايتها (برج التعاطف طوكيو)، وتترجم احيانا الى (برج الرحمة في طوكيو) فتعد رواية ( برج التعاطف في طوكيو) للأديبة اليابانية (ري كودان) والحاصل على الجائزة الاديبة العريقة في 2024 (اكوتاغاوا) والتي تم استخدام الذكاء الاصطناعي في توليدها بنسبة (5%) حسب اعتراف المؤلفة نفسها في خطابها حينما تسلمت الجائزة ولكن الرواية من حيث الموضوع فهي مثيرة اذ تصمم مهندسة معمارية (هي ماتشينا سارا) سجن مستقبلي في طوكيو وهذا السجن هو مكان مريح ينظر لمرتكبي الجرائم على انهم افراد يستحقون التعاطف وليس تلقي العقوبات وهي فكرة فلسفية جدلية تطرح العديد من التساؤلات الاخلاقية في اطار متن احداث هذه الرواية بحيث تشتبك اللغة والتطورات التكنولوجية في محاولة تغيير وجهات النظر السيسولوجية لقضايا جوهرية في بنية المجتمعات ومنها ( مفهوم العدالة/ الجريمة وكيفية التعاطي مع أصحابها) ولكن الرواية ذاتها توجه نقدها لمفاهيم الراحة وفقا للمفهوم المعاصر وترجيح كفة المنطق على التعاطف المفرط ، لذا نالت الرواية ارفع جائزة ادبية في اليابان وحققت نسبة مبيعات كبيرة في الآونة الأخيرة وبخاصة بعد فوزها بتلك الجائزة ، ان الفكرة التي الهمت الروائية اليابانية كانت منطلقة من احداث حقيقية تتمثل في لحظة اغتيال رئيس الوزراء الياباني (سينزو آبي) ي 8 يوليو 2022 خلال خطاب انتخابي في مدينة نارا اليابانية والذي اكسب القاتل التعاطف الشعبي الكبير وذلك نتيجة ظروف حياته ونشأته الأولى وتأثيراتها عليه ، الملفت للنظر ان الرواية استخدمت الذكاء الاصطناعي وبنسبة معينة ولم يكن ذلك موضع اتهام للروائية بالسرقة او الاستخفاف بالعمل الروائي لان التعايش السلمي بين الابداع البشري وما ينتجه الذكاء الاصطناعي من دور تنظيمي شكلي وتصنيفي ظاهري انما هو حقيقة سيجبر عليها العديد من الكتاب والمؤلفين في الفترات القادمة ،

لذا فان لجنة التحكيم في تلك الجائزة قالت عن الرواية ( عمل فني متكامل ومثالي كاد ألا يُعثر فيه على أي شائبة)وعدوا استخدام التقنية الالكترونية خدم التوظيف السردي الإبداعي في ثيمة هذه الرواية واتساق هذا التوظيف التقني مع فكرة الروائية عن ما يسمى بالمستقبليات وما بعد الانسان او ما بعد الإنسانية ودخول عوالم الذكاء والرقمنة ومزاحمتها للوجود البشري، ان مضمون الرواية تحدث عن هذا المكان الذي تحول من مكان معادي مغلق الى مكان رحب مألوف رحب ومريحا وفاخرا ، فالجدلية تحضر في هذا المضمون بين اللغة البشرية ومتبنياتها وبين لغة الذكاء الاصطناعي كما يستخدم البشر مفردات لا معنى دقيق وحقيقي لها في الواقع يفعل الامر ذاته الذكاء الاصطناعي بكلمات مفككة ونصوص مولدة بطريقة شكلية ولكنها خالية من الاحاسيس والانفعالات البشرية والمشاعر الحقيقية، هذا البرج المفترض في هذه الرواية تصفه البطلة بانه عودة برج بابل وبرج بابل كما تقول المصادر هو بناء تاريخي اسطوري يعتقد انه انشأ في مدينة بابل ببلاد ما بين النهرين ويعرف بالنصوص البابلية القديمة بـ (اتيمنانكي). وترجمت هذه الرواية الى لغات مختلفة ومنها: ( كوريا الجنوبية، ايطاليا، المانيا، فرنسا، إنكليزية) ونحتاج الى ترجمة عربية مميزة لهذه الرواية المهمة التي شارك الذكاء الاصطناعي في ابداعها مع المؤلفة اليابانية ،لكن الإيقاع اللغوي والرمزي في هذه الرواية يشكل الحضور الأهم في بنية النص السردي بالتناسق الجمالي مع (مضمون الفكرة) التي اشتغلت عليها الروائية اليابانية. الروائية كودان في بناء وتأثيث مشهدياتها ووصفياتها السردية تلاحظ بدقة سلوكيات المجتمع وترصدها في هذه الرواية بما فيها من توترات واشتباكات بين المعاني الظاهرية والحقيقية (اقنعة مغايرة ومتعددة) بالمشاعر والتبني للمفردات والكلمات ، هي تقدم رؤية للتفاعل بين انا الفرد وتناقضات المجتمع المعاصر لردم الهوة البونية بين الاحاسيس المجتمعية وما يخفون منها وما يعلنون لخلق حالة من التواصل الحقيقي، وترمز ايقونة البرج الى إنسانية المجتمع الياباني في هذه الرواية وطرق التعامل مع المدانين بالجرائم (بنوع من الرأفة والرحمة) ليوفر لهم الحياة الرغيدة ولو بصورة نسبية ، لجنة التحكيم في تقييم هذه الرواية قالت انها تجاوزت التجنيس الادبي لما تشتمل من التجربة اللغوية والبعد الفلسفي المتصل بهذه اللغة في الفضاء المعاصر للذكاء الاصطناعي والأخير كان من نوافذ الجذب في بنية هذه الرواية. الذكاء الاصطناعي في متن الرواية هو الجزء الأهم في يوميات الفرد (شخوص الرواية) وهو رؤية تنبؤية بالمستقبليات السردية التي تشيء بهيمنة مفردات الذكاء الاصطناعي على أوجه الحياة بصورة شبه كاملة.
ناقد العراق
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي