الرئيسية / الأعداد / أزمة التزامن: الزمن والحداثة في شعر سوران محمد – ربيع ابراهيم

أزمة التزامن: الزمن والحداثة في شعر سوران محمد – ربيع ابراهيم

أزمة التزامن: الزمن والحداثة في شعر سوران محمد

ربيع ابراهيم*

 

تمهيد

لا يظهر الزمن في شعر سوران محمد بوصفه موضوعًا شعريًا من بين موضوعات أخرى فحسب، بل يبدو، في عدد من نصوصه، عنصرًا بنيويًا يسهم في تشكيل التجربة الشعرية ذاتها. فالقصيدة لا تروي أحداثًا تقع داخل زمن مستقر، بقدر ما تنشأ في كثير من الأحيان من اختلال العلاقة بين الإنسان والزمن، وبين أزمنة متعددة لا تتطابق فيما بينها.

ومن هنا يمكن اقتراح فرضية مركزية لقراءة جانب أساسي من تجربة الشاعر، مفادها أن الزمن عند سوران محمد ليس مجرد إطار تقع فيه التجربة، وإنما هو أحد مصادر أزمتها. فالساعة لا تعود بالضرورة أداة موثوقة لقياس الزمن، والجسد يمتلك إيقاعه الخاص، والطبيعة تتحرك وفق زمن مختلف، والمدينة تفرض سرعتها، بينما تقف الذات أحيانًا خارج هذا كله أو خلفه.

وبذلك لا يصبح السؤال: كيف يمر الزمن في شعر سوران محمد؟ بقدر ما يصبح: كيف يفقد الإنسان القدرة على العيش في زمن مشترك مع العالم؟

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة مجموعة من نصوصه بوصفها اشتغالًا على ما يمكن تسميته «أزمة التزامن»؛ أي حالة عدم التطابق بين الزمن الفيزيائي والنفسي والبيولوجي وزالكوني والاجتماعي، وبين زمن الإنسان وزمن الأشياء والطبيعة والمدينة.

الزمن بوصفه بنية شعرية

من اللافت في عدد من نصوص سوران محمد أن الزمن لا يبقى خلفية محايدة للأحداث، بل يتدخل في بنية القصيدة نفسها. ولذلك يمكن ملاحظة انتقال متكرر من الزمن بوصفه مقدارًا قابلًا للقياس إلى الزمن بوصفه تجربة مضطربة.

في قصيدة «خطوتان خلف أسوار الحداثة» تتكرر إشارات مباشرة إلى فقدان اليقين الزمني: «ضاعت ساعتك»، و«ليس الوقت وقتك»، و«خارج الوقت». وفي السياق نفسه تظهر مفارقة المترو الذي يصل أو لا يصل، بحيث تصبح وسيلة النقل الحديثة، التي يفترض أنها تجسد الدقة والسرعة، جزءًا من اضطراب الزمن بدل أن تكون أداة للسيطرة عليه.

تكمن أهمية هذه المفارقة في أن الساعة والمترو ينتميان إلى منظومة الحداثة التي تقوم على تنظيم الوقت وضبطه وتسريع الحركة. غير أن القصيدة تقلب الوظيفة المتوقعة لهذه الأدوات: كلما ازدادت وسائل قياس الزمن ودقته، ازدادت هشاشة العلاقة بين الإنسان والزمن الذي يعيش فيه.

ومن ثم لا يبدو اغتراب الذات اغترابًا مكانيًا فحسب؛ إنه اغتراب زمني أيضًا. فالإنسان لا يفقد مكانه في العالم فقط، بل يفقد يقينه بأنه موجود في «الوقت الصحيح».

 من الزمن الإنساني إلى الزمن الكوني

لا يظل الزمن في «خطوتان خلف أسوار الحداثة» محصورًا في الساعة اليومية، بل يتسع إلى المجال الكوني. فبداية الزمن ترتبط في النص بصورة الانفجار العظيم:

«صدر فواق من بيغ بانغ / عند 12 ليلا»

تكمن قوة هذه الصورة في الجمع بين مستويين متباعدين: الكوني واليومي. فالـ«Big Bang» يحيل إلى مقياس كوني يتجاوز التجربة الإنسانية بمليارات السنين، بينما «12 ليلا» تنتمي إلى أكثر المقاييس اليومية اعتيادًا.

وبهذا الجمع تُضغط المسافة بين الزمن الكوني والزمن البشري داخل صورة واحدة. ولا تعود الساعة مجرد وسيلة لقياس الوقت، بل تصبح مقياسًا صغيرًا يحاول الإنسان بواسطته الإحاطة بزمن يفوق قدرته على الإدراك.

ومن هنا يمكن قراءة حضور الزمن الكوني بوصفه إعادة نظر في مركزية الإنسان: الإنسان يقيس الزمن، لكنه في الوقت نفسه كائن عابر داخله.

  الساعة البيولوجية وتعدد الأزمنة

تتخذ المسألة شكلًا أكثر مباشرة في قصيدة «الساعة البيولوجية»، حيث يميز النص بين الساعة البيولوجية والساعة الكونية، مع الإشارة إلى أن كليهما يمنح «وقتًا دقيقًا».

غير أن الدقة هنا لا تعني التطابق.

فالساعة البيولوجية تمثل الزمن الذي يسكن الجسد، بينما تمثل الساعة الكونية زمن الطبيعة والكون، في حين تمثل الساعة الميكانيكية الزمن الذي ابتكره الإنسان لقياس حركتهما وتنظيم حياته وفقه.

وهكذا تتجاور ثلاثة أنظمة زمنية:

  • زمن الجسد.
  • زمن الطبيعة والكون.
  • الزمن الميكانيكي الذي تقيسه الساعة.

المشكلة لا تكمن في وجود هذه الأزمنة، بل في عدم تطابقها.

فالإنسان قد يستيقظ في وقت لا يتوافق مع إيقاع جسده، وقد تتحرك الطبيعة وفق دورة لا تتطابق مع نظام المدينة، فيما تفرض الساعة الميكانيكية معيارًا واحدًا على الجميع.

وهنا تتضح إحدى أهم سمات التجربة الزمنية لدى الشاعر: الزمن ليس واحدًا، حتى عندما تبدو الساعة وكأنها تجعل الجميع يعيشون اللحظة نفسها.

الزمن النفسي والانفصال عن الوقت المشترك

في نص «الوحيدون» يتحول التأخر من حالة مرتبطة بموعد إلى حالة وجودية. فالذات التي تستيقظ متأخرة لا تبدو وكأنها تأخرت عن حدث محدد فقط، وإنما تبدو وكأنها تأخرت عن العالم نفسه.

وهنا ينتقل السؤال من: كم الساعة؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: هل الزمن الذي أعيش فيه هو الزمن الذي ينتمي إليّ؟

هذا التحول يكشف عن الزمن النفسي بوصفه زمنًا لا يتطابق بالضرورة مع الزمن الخارجي. فقد يكون الجميع في الساعة نفسها، بينما تعيش الذات زمنًا مختلفًا بفعل الذاكرة أو العزلة أو الانتظار أو الاغتراب.

وبذلك يصبح الزمن الداخلي أحد أشكال المسافة بين الإنسان والعالم.

المكان بوصفه حاملًا لزمنه الخاص

يتخذ الزمن صورة أكثر كثافة في نص «وراء الجدار»، حيث يقول النص: «وقف الزمن في تلك الغرفة
عشرات السنين» لكن توقف الزمن داخل الغرفة يقابله استمرار العالم خارجها: السرو، والندى، والنرجس، والصيف، والربيع.

إننا هنا أمام زمنين متزامنين مكانيًا، لكنهما غير متطابقين وجوديًا: زمن متوقف داخل الغرفة، وزمن طبيعي مستمر خارجها.

وهذا يقود إلى نتيجة مهمة: المكان عند سوران محمد لا يحتوي الزمن فقط، بل يمكن أن ينتج زمنًا خاصًا به.

الغرفة تتحول إلى فضاء لتعليق الزمن، والجدار لا يعود حاجزًا مكانيًا فحسب، وإنما يصبح حدًا يفصل بين نظامين زمنيين.

ومن هذه الزاوية يمكن إعادة النظر في حضور الجدار والغرفة والنافذة في تجربة الشاعر: إنها ليست مجرد عناصر مكانية، وإنما أدوات لإعادة توزيع العلاقة بين الذات والزمن.

الزمن المفقود والأزمنة الميتة

يكتسب الزمن في نص «جداول تشرب أنفسها» بعدًا آخر، حين يظهر التعبير:

«بحثا / عن زمن مفقود» ثم: «صارعنا / أزمنة ميتة»

لا يعود الزمن هنا شيئًا يمر، بل يصبح شيئًا يمكن فقدانه، بل وأزمنة يمكن أن «تموت».

وتزداد الدلالة عمقًا مع محاولة «الخروج من خارج الزمن»، ثم العودة إلى البيوت واكتشاف عدم القدرة على التعرف إلى الذات في المرآة.

وهنا تتصل أزمة الزمن بأزمة الهوية: فقدان الزمن لا يعني فقدان لحظة فحسب، بل يمكن أن يعني فقدان استمرارية الذات نفسها.

فالذات التي لا تستطيع الوصول إلى ماضيها ولا تثق بحاضرها تصبح غير قادرة على التعرف إلى نفسها.

ومن هذه الزاوية يبدو أن هاجس الزمن ليس طارئًا على تجربة الشاعر، بل يمتد في نصوص مختلفة ويتخذ صورًا متحولة: زمن مفقود، زمن متوقف، زمن مختل، زمن خارج الذات، وأزمنة ميتة.

من الزمن الخطي إلى الزمن المتشظي

لا يبدو الزمن في هذه النصوص خطيًا بالمعنى التقليدي، لكنه ليس دائريًا أيضًا. الأدق وصفه بأنه زمن متشظٍ ومتعدد المراكز.

فالماضي حاضر من خلال الذاكرة، لكنه غير قابل للاستعادة الكاملة؛ والحاضر موجود، لكنه غير مستقر؛ والمستقبل يظهر بوصفه انتظارًا أو احتمالًا؛ والساعة تقيس زمنًا قد لا يتطابق مع الزمن النفسي؛ والطبيعة تستمر في الوقت الذي يمكن أن يتوقف فيه الإنسان.

وبذلك لا يتحدث الشاعر عن «الزمن» بوصفه وحدة متجانسة، بل عن أزمنة متعددة تتجاور ولا تتطابق.

ومن هنا يمكن صياغة الفرضية المركزية لهذه القراءة:

إن أزمة الإنسان في شعر سوران محمد ليست في مرور الزمن بقدر ما هي في فقدان القدرة على العيش في زمن مشترك مع العالم.

وهذه هي دلالة «أزمة التزامن»: الإنسان لا يتزامن تمامًا مع جسده، ولا مع ساعته، ولا مع مدينته، ولا مع الطبيعة، ولا مع ذاكرته، ولا حتى مع ذاته.

الحداثة بوصفها اختلالًا في إدراك العالم

إذا كان الزمن أحد المفاتيح الأساسية لقراءة تجربة سوران محمد، فإن الحديث عن الحداثة لا ينبغي أن يقتصر على الشكل الشعري.

فقصيدة النثر والسريالية والرمز وتحرير السطر الشعري ليست، في حد ذاتها، علامات كافية على الحداثة؛ فقد أصبحت هذه الأدوات جزءًا مستقرًا من الممارسة الشعرية العربية الحديثة.

لذلك يصبح السؤال الأكثر أهمية: ماذا تفعل هذه الأدوات في شعر سوران محمد؟

والإجابة الأولية أن الحداثة لديه تظهر، قبل كل شيء، في إعادة تنظيم العلاقة بين الإنسان والعالم.

لا يكتفي الشاعر بالتخلي عن الوزن والقافية، وإنما يعيد بناء العلاقات المعتادة بين الأشياء.

فالساعة لا تؤدي دائمًا وظيفتها المتوقعة، والمترو يدخل في مفارقة زمنية، والقلم ينام، والكوب يعطش، والمنفضة ترتدي قناعًا، والغرفة توقف الزمن.

وبذلك لا تصبح الحداثة مجرد تغيير في شكل القصيدة، وإنما تغييرًا في منطق إدراك الواقع نفسه.

العالم المألوف يفقد مألوفيته، والأشياء تتحرر من وظائفها التقليدية، والعلاقة السببية بين العناصر تصبح قابلة للانحراف.

وهنا تقترب القصيدة من منطق الحلم والسريالية، ولكنها تستخدم هذا المنطق لتصوير تجربة الإنسان الحديث، لا لمجرد إنتاج الغرابة.

  أنسنة الأشياء وتشييء الإنسان

من أبرز التقنيات المتكررة في النصوص تحويل الأشياء الجامدة إلى كائنات ذات صفات إنسانية.

في «وراء الجدار»، مثلًا، ينام القلم، ويكون الكوب ظمآن، ويصبح الإبريق صديقًا، وتظهر المنفضة في هيئة مقنّعة.

لا تكمن أهمية هذه الصور في كونها استعارات مبتكرة منفردة؛ فأنسنة الجماد تقنية قديمة في الشعر. لكن أهميتها هنا تتضح من تكرارها وتحولها إلى مبدأ من مبادئ بناء العالم الشعري.

فحين تصبح الأشياء قادرة على النوم والعطش والصداقة والانتظار، يتراجع احتكار الإنسان للوعي.

العالم لا يعود مسرحًا صامتًا تتحرك عليه الذات، وإنما يتحول إلى شبكة من الكائنات والأشياء التي تمتلك حضورًا مستقلًا.

ومن هنا يمكن القول إن الشاعر يميل إلى تفكيك المركزية الإنسانية التقليدية.

 العلم والتكنولوجيا داخل التجربة الشعرية

يظهر في شعره حضور واضح لمفردات العلم والتكنولوجيا: الانفجار العظيم، المترو، الساعة البيولوجية، الساعة الكونية، وسائل النقل، وآليات القياس وغيرها.

لكن الأهمية لا تكمن في وجود هذه المفردات، وإنما في الوظيفة التي تؤديها.

فالتكنولوجيا لا تظهر بوصفها رمزًا بسيطًا للتقدم، وإنما يمكن أن تصبح أداة لكشف الاغتراب.

المترو، مثلًا، يجسد السرعة والتنظيم الحضري، لكنه في «خطوتان خلف أسوار الحداثة» يتحول إلى عنصر في اضطراب الزمن. وبذلك تصبح التقنية جزءًا من المفارقة الحداثية نفسها: الأدوات التي صُممت لتنظيم الحياة قد تزيد شعور الإنسان بانفصاله عنها.

وهذا يجعل حضور العلم والتكنولوجيا في النصوص التي تمنح الطبيعة والأشياء قدرة على إنتاج المعنى، كما في النصوص جزءًا من البنية الفكرية للقصيدة، لا مجرد تحديث للمعجم الشعري.

مزج الكوني باليومي

من السمات اللافتة أيضًا الانتقال المفاجئ بين مستويات مختلفة من الواقع: الكون، والساعة، والمدينة، والشارع، والجسد، والأشياء اليومية.

فالانفجار العظيم يمكن أن يدخل في علاقة مباشرة مع «12 ليلًا»، والساعة البيولوجية يمكن أن تفتح على الزمن الكوني، والمترو يمكن أن يصبح وسيلة للتفكير في الوجود.

هذا المزج ينتج اختلافًا في مقياس الرؤية.

فالإنسان يظهر صغيرًا أمام الزمن الكوني، لكنه في الوقت نفسه الكائن الذي يقيس الزمن ويحاول منحه معنى.

ومن هنا ينشأ توتر بين محدودية الإنسان ورغبته في الإحاطة بالعالم.

تراجع مركزية «الأنا»

في كثير من الشعر التقليدي والوجداني تكون الذات الشاعرة مركزًا لتنظيم العالم: أنا أرى، وأنا أتألم، وأنا أصف.

أما في نصوص سوران محمد فتتراجع هذه المركزية لصالح حضور الأشياء والحيوانات والطبيعة والأدوات والأمكنة.

القلم، الكوب، السرو، القط، الشجرة، الساعة، المترو وغيرها ليست مجرد مفردات في وصف العالم؛ إنها تشارك في تشكيله.

ويظهر هذا الاتجاه بصورة واضحة في النصوص التي تمنح الطبيعة والأشياء قدرة على إنتاج المعنى، كما في «لمن صوّتت الأشجار؟».

وإذا صح وصف هذا الاتجاه بأنه تراجع لمركزية الأنا، فإن قيمته لا تكمن في غياب الشاعر، وإنما في توزيع الوعي الشعري على العالم المحيط بالذات.

النص المفتوح وتعدد التأويل

لا يغلق الشاعر دائمًا الدلالة في نهاية محددة.

في «خطوتان خلف أسوار الحداثة»، مثلًا، ينتهي البحث عن أشياء فقدت دون أن يعرف الباحثون ما هي.

يمكن النظر إلى هذه النهاية لا باعتبارها غموضًا فحسب، بل بوصفها جزءًا من بنية النص: عدم المعرفة يصبح هو نفسه معنى.

وبذلك لا تقدم القصيدة إجابة مكتملة بقدر ما تضع القارئ داخل سؤال.

وهذه السمة تمنح النص انفتاحًا تأويليًا، شريطة أن يبقى الغموض مرتبطًا بالبنية الداخلية للقصيدة وألا يتحول إلى غموض مجاني.

أين تكمن خصوصية التجربة؟

لا يمكن القول إن سوران محمد اخترع السريالية، أو قصيدة النثر، أو أنسنة الأشياء، أو تفكيك الزمن، أو إدخال التكنولوجيا والعلم إلى الشعر. فجميع هذه التقنيات لها جذور وتجارب سابقة في الشعر العربي والعالمي.

ومن ثم فإن البحث عن «الجديد» ينبغي ألا يتخذ صورة البحث عن تقنية لم يستخدمها شاعر قبله.

الأجدى محمد لا تتمثل، في حدود هذه القراءة، في اختراع شكل شعري جديد، وإنما في هو البحث عن طريقة تركيب هذه العناصر داخل تجربة واحدة.

وعند هذه النقطة يمكن ملاحظة منظومة تتكرر في عدد من النصوص:

زمن مختل + أشياء مؤنسنة + تراجع مركزية الأنا + علم وتكنولوجيا + طبيعة + فضاء سريالي + سؤال وجودي.

هذه العناصر، حين تتجاور بصورة متكررة، لا تعود مجرد تقنيات منفصلة، وإنما تبدأ في تكوين بصمة رؤيوية خاصة.

وعليه فإن خصوصية سوران محمد لا تتمثل، في حدود هذه القراءة، في اختراع شكل شعري جديد، وإنما في تركيب خاص لعناصر الحداثة داخل رؤية يهيمن عليها اضطراب الزمن والعلاقة بين الإنسان والعالم.

كما يكتسب عنوان قصيدة «خطوتان خلف أسوار الحداثة» دلالة خاصة إذا قرئ في ضوء ما سبق.

فالقصيدة لا تقول: «داخل الحداثة»، ولا «خارج الحداثة»، وإنما تضع الذات خلف أسوارها.

وهذا الموقع الوسيط مهم؛ لأن الإنسان حاضر في عالم الحداثة، لكنه لا يبدو مندمجًا فيه بصورة كاملة.

المترو، والساعة، والعلم، والسرعة كلها حاضرة، لكن الذات لا تمتلك بالضرورة السيطرة عليها أو الانسجام معها.

ومن هنا يمكن قراءة الحداثة عند الشاعر لا بوصفها خلاصًا أو تقدمًا خطيًا، بل بوصفها حالة يعيش الإنسان داخلها دون أن يمتلك بالضرورة زمنها أو منطقها أو وعودها.

وبذلك يصبح عنوان القصيدة أكثر من تسمية لنص منفرد؛ يمكن أن يُقرأ بوصفه مفتاحًا تأويليًا لجزء من المشروع الشعري كله.

فالذات ليست خارج الحداثة تمامًا، وليست داخلها تمامًا؛ إنها عالقة بين الاثنين.

ومن هنا تبدو «أزمة التزامن» مفهومًا قادرًا على جمع عدد من الظواهر المتفرقة في التجربة: اغتراب الذات، اضطراب الزمن، حضور التكنولوجيا، تفكك المركز الإنساني، أنسنة الأشياء، وانفتاح الدلالة.

وعليه يمكن لسوران محمد أن يبني جانبًا أساسيًا من عالمه الشعري على سؤال ضمني:

كيف يمكن للإنسان أن يعيش في عالم تتعدد فيه الأزمنة إلى الحد الذي يفقد معه الزمن المشترك؟

إن الإجابة الشعرية لا تأتي في صورة أطروحة فلسفية مباشرة، وإنما تتوزع على الساعة والمترو والغرفة والجدار والجسد والطبيعة والحيوان والأشياء اليومية. وهنا تكمن قيمة التجربة: فالزمن لا يُشرح، بل يُجسّد في بنية العالم الشعري.

أما خصوصية الشاعر، هي في طريقته الخاصة في تركيب هذه العناصر داخل منظومة واحدة: العلم والتكنولوجيا والطبيعة والجماد والإنسان، كلها تدخل في شبكة زمنية مضطربة، بحيث يصبح اختلال الزمن أحد الأشكال الأساسية التي تتجسد بها تجربة الإنسان الحديث.

وبهذا المعنى، فإن الحداثة في شعر سوران محمد ليست مجرد انتقال من شكل شعري إلى شكل آخر، وإنما هي أزمة في علاقة الإنسان بالزمن وبالعالم وبذاته.

 

ناقد من العراق

 

عن madarate

شاهد أيضاً

مقدمات أساسية في الوعي والنهوض بالثقافة والفكر – حسن إمامي

حسن إمامي*    (هذه مجرد مساهمة واقتراحات لا تكون لها قوة وجود وإمكانية تحقق ما …

اترك تعليقاً