المرأة بوصفها جسدًا وسلطة وذاكرة: جدلية الهوية في رواية بابنوس للروائية سميحة خريس

نجيب التركي*
مدخل
لستُ وحدي – بلا شك – ممن سيتوقف عند رواية الكاتبة الأردنية سميحة خريس، بابنوس (منشورات ضفاف). قراءتها لم تكن مرورًا عابرًا، إنما انغماسًا في نص يوازن بين الحكاية الشعبية والتأمل الفلسفي، وبين التوثيق والخيال. لم أكن من السبّاقين لقراءتها، لكن التمهل في التلقي سمح ببلوغ قدر من الرضا والانفعال، إذ وجدت في الرواية عوالم تتقاطع فيها قسوة الواقع مع رحابة الخيال، وصوت المرأة مع ذاكرة الجماعة.
العنوان: من قداسة متخيلة إلى رمزية محسوسة
يحمل العنوان (بابنوس) إيقاعًا مهيبًا يوحي منذ الوهلة الأولى بشيء من القداسة. لكن سرعان ما يتكشف أن المقصود شجرة قوية، ماكرة، تتفتح أزهارها باللمس، وحين تموت تتحول إلى منحوتة تباع للأجانب بثمن فاحش. هنا تنقلب الدلالة من فضاء المقدس إلى فضاء الرمزي المحسوس: قوة، مخاتلة، تحول. وهي سمات تنعكس على بطلة تحمل الاسم ذاته، وإن كانت بطلة ثانوية لا محورية. ولعل الرواية كانت ستغدو أشد التصاقًا بموضوعها لو حملت عنوان الخربقة، بوصفها المكان/الأصل الذي يحتضن الأحداث والشخصيات. وهذا ما يجعلها أحق بالعنوان من منظور نقدي.

العتبة الأولى: الفكرة قبل الحدث
يبدأ السرد بتمهيد فلسفي يؤكد أن لكل كائن أصلًا، ولكل فكرة رحمًا. وبعبارة تنبض بالمعنى قبل أن تنبض بالأحداث:
“لكل مخلوق أم وأب وخالق، لا شيء يُبعث من فراغ، حتى الفكرة في رأسي الأبيض المكلل بالشيب، تولد من أم تلدها.”
بهذه البداية، تضع الكاتبة القارئ أمام قانون كوني بسيط وعميق في آن؛ أن لكل وجود أصل، ولكل فكرة رحم يهبها الحياة. الفكرة هنا كائن يتشكل، ينمو ويولد، شأنه شأن البشر. ومع ذكر “الرأس الأبيض المكلل بالشيب”، نسمع صوت راوٍ حكيم، مثقل بالتجربة، يدعو إلى الإصغاء. هذه البداية تُهيئ المسرح لعمل يزرع في تربة السرد جذورًا فكرية وفلسفية، تُذكّر بأن الحكاية مهما بدت عابرة، فإنها ابنة سياق وأصل وذاكرة.
يلي ذلك نبرة تعريفية تمهّد لما سيأتي، كأن السرد يضع حجر الأساس قبل أن يبني حكاياته. من بين هذا التمهيد، تتقدم الحكّامة بصوتها الواثق لتكشف ملامح ذاتها وتعلن فرادتها:
“لا التباس في كوني امرأة، ولست في عداد الإناث، فأنا حكّامة، والحكّامة عادة مخلوق مغاير، فوق البشري، أعلى من المرأة قليلا، تصطف قريبا من موقع الذكورة ولكنها تتجاوزه.”
هنا، تتجلّى شخصية الحكّامة ككيان خارج التصنيفات المعتادة، مزيج من قوة الحضور وحرية التعريف الذاتي. فهي ليست أسيرة ثنائية الرجل والمرأة، بل تتموضع في مساحة رمزية خاصة، تمنحها سلطة الحكي وقدرة التأثير في مصائر الآخرين.
ومنذ هذه اللحظة، يدرك القارئ أن الرواية ستُساق من خلال صوت واعٍ بمكانته، يجمع بين إرث الشفاهة وقوة الحكمة الشعبية، ويعرف أنه أمام شخصية ستقود مسار الحكاية بسلطة الحكي وذاكرة الجماعة، لتتحول إلى رمز يتجاوز الفرد إلى الجمع.
الحكّامة في مواجهة الواقع
في مواجهة هذا الواقع المفعم بالتمييز، تتقدم الحكّامة بصوتها كرمز للمقاومة والاعتداد بالذات. فهي ليست مجرد شاهدة على الظلم، بل فاعلة في فضحه وتحديه. الحكّامة في الموروث الشعبي الدارفوري ليست امرأة عادية؛ هي صاحبة الكلمة المسموعة، وحافظة الذاكرة الجمعية، وناقلة الحكايات والأغاني التي تُلهم الناس وتؤجج فيهم روح الصمود.
ومع أن الرواية تمنح الحكّامة بعدًا إنسانيًا مليئًا بالتفاصيل الشخصية، فإن حضورها يتجاوز الفردي إلى الجماعي؛ فهي لسان حال الفقراء والمهمشين، وذاكرتها المجبولة بالشعر والحنين والأسى. ومنذ الصفحات الأولى، نلمح أن صوتها سيكون الخيط الذي يربط بين الحكاية الشخصية والمشهد الأوسع لدارفور.
الجسد كأرض للسيطرة والبوح
وإذا كان الفقر والعنصرية قد قيدا حياة الناس في الخارج، فإن الجسد الأنثوي بدا أرضًا أخرى للسيطرة في الداخل. وهنا نسمع صوت بابنوس ذاتها، ابنة ستّ النَّفر وماديو، وهي تكشف عن تجربة الختان:
“تجمع المتهامسات من النساء أن الختان إجراء احترازي كي لا أسلّم جسدي لنضج الشمس الحارقة وإغوائها، ولا أفكر في الرجال. في بقعة سرية في أعماقي، عرفت أن عقلي إذا ما انفلت فلن يفيد ختانهم، تصرفت في خيالي مثل بنت غلفا، وشعرت بالغيظ والغيرة وهم يغنون في ختان الولد “آدمو”، الذي صيره ختانه ذكراً فحلاً”
في هذا المقطع يتضح أن الختان محاولة لتقييد المرأة من الداخل، لترويض جسدها وإخماد احتمالات نضجه ورغبته. لكن بابنوس، في سريرتها، تكتشف أن عقلها وحريتها الداخلية أعصى من أن تُختزل أو تُستلب: “إذا ما انفلت عقلي فلن يفيد ختانهم” وهكذا يتحول القيد المفروض على الجسد إلى حافز لتحرر الذهن.
ثم تتضاعف المفارقة حين تضع عينها على الطقس الموازي لختان الذكور؛ فبينما يُغنّى للصبي ويُحتفى به باعتباره أصبح “فحلاً”، يُختزل ختان الفتاة في صمت وقمع وتهميش. هذا التناقض الفج بين التمجيد والوصم يفضح ازدواجية المعايير التي تحكم جسد المرأة والرجل في المجتمعات الأبوية.
هنا نقرأ تجربة وجودية تتكلم فيها بابنوس عن ذاتها، وتواجه سلطة المجتمع بوعي داخلي متمرّد. بهذا الصوت، تعطي الرواية للحكّامة–الأنثى مساحة لمواجهة الأسطورة بالبوح، والطقس الاجتماعي بالوعي الناقد.
مشهد جني الصمغ والعنصرية
حين تطرقت الكاتبة إلى موسم جني الصمغ، رسمت لوحة اجتماعية قاسية، حيث تعمل النساء – ومن بينهن بطلتنا – وهن بلا لون صريح يمنحهن انتسابًا واضحًا. فقراء، يفضح العرق على الأجساد العارية حقيقة البؤس المعيشي. وفي مقابلهم، يقف نفر من البيض و”الجلابة” الشماليين، أصحاب الإنتاج والتجارة، ليشترطوا على أطفال هؤلاء النساء ارتداء ثياب من قماش الدمور الخشن، بحجة ستر العورة أثناء العمل.
غير أن الغرض الأعمق لم يكن الستر، بل الإذلال، وإبراز الفارق الطبقي والعرقي بين “السيد” و”العامل”.
أن تكون عاريًا في هذا العالم، لا يعني بالضرورة افتقادك لقطعة قماش تسترك، بل يعني أن القماش نفسه لا يملك أن يشتريك أو يحدد قيمتك. فالعري الحقيقي ليس في الجسد، بل في نزع إنسانية المرء وتحويله إلى مجرد يد عاملة أو جسد مسيَّر.
بهذه الصورة، تتجسد العنصرية مكتملة الأركان؛ عنصرية تنطق بها ممارسات يومية قبل أن تُعلنها الكلمات. تقول الحكّامة:
“يظنون أنهم في منزلة أعلى من منزلتنا، ونحن عند الله سواسية.”
وهنا يحضرني بيت الشاعرة اليمنية “غزال المقدشية”:
سوا سوا يا عباد الله متساوية
محد ولد حر والثاني ولد جارية.
التاريخ بين الذاكرة والوقائع
يأتي على لسان با سالم – الشخصية اليمانية التي تحضر في الرواية – مقطع يتحدث فيه عن عودته إلى عدن، فيقول:
“عدت إلى دراستي وأسلمت روحي لعدن، تعج المدينة البحرية بفوضى محببة، غادرها بقايا الجيش المصري مع موت الزعيم جمال عبد الناصر، وقد بكيته بحرقة.”
للوهلة الأولى، يبدو هذا السرد محمّلاً بتناقض تاريخي، إذ لم يكن للجيش المصري وجود فعلي في عدن وقت رحيل عبد الناصر، فقد غادرت بريطانيا عدن عام 1967، فيما ارتبط الحضور المصري بالحرب في شمال اليمن (1962–1967). غير أنّ هذا الالتباس لا يمكن اعتباره مجرد “هفوة”، بل يُقرأ في ضوء طبيعة الصوت السارد نفسه: با سالم، رجل مهاجر تتداخل في ذاكرته التجارب الشخصية مع الصور الكبرى للتاريخ.
الكاتبة نفسها، كما أفصحت في حوار، عزت هذا الخلط إلى استدعاء الذاكرة كما أملته عليها التجربة. ومن هنا تتضح جمالية المشهد: فالتاريخ في الرواية ليس مرجعًا توثيقيًا صارمًا، بل مادة تعيد الشخصيات تشكيلها بما يناسب إحساسها بالزمن والحدث. يذوب المكان (عدن/اليمن) في رمز، وينصهر التاريخ (الوجود المصري/وفاة عبد الناصر) في لحظة وجدانية واحدة.
بهذا، تُظهر الرواية أن ما يبقى في الذاكرة الشعبية ليس بالضرورة تطابقًا مع الوقائع، بل هو تاريخ وجداني، تُعيد الشخصيات صياغته بما يلبي شعورها بالانتماء والخذلان والحنين. ومن هنا، فإن التناقض التاريخي يتحول إلى دلالة فنية: أن الحقيقة ليست دائمًا فيما وقع، بل فيما عاشه الناس كما اختزنوه في ذاكرتهم.
المرأة والسلطة في الأدب المقارن
يقول باسالم، أحد الشخصيات الساردة في بابنوس:
“لا يُعْقل أن هذه امرأة عادية يمكن مطارحتها الغرام، هي ميزان الحياة الذي يجدر تقديسه”
هذا الاقتباس يسلط الضوء على تقديس الحكّامة واعتبارها كيانًا يتجاوز الانفعالات الشخصية، بحيث لا يمكن الدخول معها في علاقة غرامية لأنها تمثل ميزان الحياة. يتقاطع هذا المنطق مع ما ورد في رواية مملكة الجواري للغربي عمران، حين تقول الملكة أروى لزوجها: “المرأة التي تصلح للفراش لا تصلح للحكم”، أي أن القدرة على السلطة تتطلب انفصالًا عن الانغماس العاطفي.
في كلا النصين، نلحظ فكرة رمزية متكررة في الأدب: الشخصيات النسائية القوية تُصوَّر على أنها أعلى من العواطف العادية، وتجمع بين الهيبة والاستقلالية والقدرة على التأثير في مسار الأحداث، وهو ما يضفي بعدًا أسطوريًا أو رمزياً على حضورها في السرد.
المرأة: من التبعية إلى القيادة
جليّ أن الرواية تشتغل على تقديم المرأة كقوة قادرة، لا ككائن تابع. الحكّامة تقود، تركية تنجب ست النفر، وست النفر تنجب بابنوس. أما حواء فتنجب آدم الذي يقوم بدور الأخ لا العشيق، في شبكة إنسانية تصنعها النساء وتحميها. حتى حين تتعرض النساء للقهر، يظل في حضورهن بذرة مقاومة، ورغبة في بناء فضاء فاضل بديل عن الخراب المحيط.
أسلوب الرواية: بين الشفاهي والتقريري
لا تخلو الرواية من مسحة تقريرية، لكن هذه التقريرية ليست ضعفًا بقدر ما هي جزء من أسلوب واعٍ يوظف التوضيح لشد القارئ إلى خلفية اجتماعية وتاريخية معقدة. ومع ذلك، فإن أضعف مقاطع السرد تبقى تلك التي جاءت بلسان السر، بسبب طغيان العامية عليها بشكل أربك انسجام النص.
بنية الفصول وختام الرواية
قسمت الكاتبة روايتها إلى تسعة فصول: (الرسالة، بابنوس، آدمو، ست النفر، حواء، السر، باسالم، قوس الحياة، عاج وأبنوس). هذا التوزيع أضفى تنوعًا على إيقاع السرد، لكنه لم يكن متوازنًا تمامًا. فالفصل الأخير “عاج وأبنوس” بدا زائدًا، إذ لم يقدم إضافة نوعية للسرد، وكان يمكن الاستغناء عنه دون أن يختل توازن الرواية.
ناقد من اليمن
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي