الرئيسية / الأعداد / سرديات الذاكرة وتشكل الهوية في «الزنجي: مذكرات رجل» للعربي الحميدي – وسام علي الخالدي

سرديات الذاكرة وتشكل الهوية في «الزنجي: مذكرات رجل» للعربي الحميدي – وسام علي الخالدي

سرديات الذاكرة وتشكل الهوية في «الزنجي: مذكرات رجل» للعربي الحميدي

وسام علي الخالدي*

 

لا تبدو «الزنجي: مذكرات رجل» للعربي الحميدي سيرةً ذاتيةً بالمعنى الذي يجعل الحياة سلسلةً مستقيمة من الوقائع المتعاقبة، بقدر ما تبدو كتابةً تستعيد الإنسان من داخل ذاكرته، وتعيد تركيب ماضيه وفق ما ظل حيًّا في الوجدان، وما تركته التجربة من ندوب وأسئلة وصور لم تستطع السنوات أن تطمسها. فالسيرة هنا لا تبدأ من لحظة الميلاد لكي تمضي بهدوء نحو الحاضر، وإنما تبدأ من مناطق الذاكرة التي ما تزال تضغط على الحاضر، وتستدعي الماضي كلما وجدت الذات نفسها أمام سؤال يتعلق بأصلها أو لونها أو مكانها أو عائلتها أو معنى وجودها.

ومن هنا يكتسب عنوان الدراسة، «سرديات الذاكرة وتشكل الهوية»، مشروعيته النقدية؛ لأن الذاكرة في هذا الكتاب ليست مستودعًا للأحداث الماضية، وإنما هي قوة سردية فاعلة في إنتاج صورة الذات. وما يستعيده يونس من طفولته، ومن حكايات أسرته، ومن الأمكنة التي عبرها، ومن التجارب التي صنعت وعيه، لا يعود إلى الماضي لمجرد استعادته، وإنما يعود لكي يفسر الحاضر ويمنح الذات قدرةً أكبر على فهم نفسها.

ويعلن الكتاب منذ مقدمته عن وعي واضح بطبيعة هذا الخيار السردي؛ فالعربي الحميدي يرفض أن تخضع السيرة الذاتية لصرامة الخط الزمني وحده، ويؤكد حق الذاكرة في أن تستعيد الأحداث وفق منطقها الداخلي. فهو يرى أن الحياة نفسها لا تُعاش وفق ترتيب زمني منتظم، وأن الذاكرة لا تستعيد الماضي كما وقع تمامًا، وإنما تستعيد منه ما بقي مؤثرًا في الوجدان. ولذلك يذهب إلى أن «الذاكرة ليست مرآة صافية، وإنما هي مرآة جريحة»، وهي عبارة تكشف مفتاحًا مهمًّا في قراءة الكتاب؛ فالذاكرة لا تنقل الماضي نقلاً محايدًا، بل تعيد تشكيله بحسب أثره في النفس.

وهنا تتخذ الذاكرة وظيفة تتجاوز التذكر إلى التأويل. إن ما حدث في الطفولة لا يعود بوصفه خبرًا منتهيًا، وإنما بوصفه تجربة مستمرة في تكوين الشخصية. وما انقضى زمنيًا لا ينقضي وجدانيًا؛ ولذلك يصبح الماضي في «الزنجي» زمنًا مقيمًا في الحاضر. وهذه إحدى الخصائص الجمالية اللافتة في السيرة، إذ يتحول الاسترجاع من تقنية سردية إلى آلية للكشف عن الذات، ويصبح الماضي لغةً ثانيةً تتكلم بها الشخصية عن حاضرها.

ولعل المقدمة نفسها تمثل العتبة الأولى لهذا الاشتغال؛ فالكاتب يقف أمام «مرآة العمر» محاولًا استعادة سنوات تشابكت فيها الأحزان والآمال والخيبات والفرح، ثم يؤكد أن الزمن حين يبتعد لا يمحو التجربة تمامًا، وإنما يخفف تفاصيلها ويُبقي ظلالها وأصداءها. ولذلك تأتي السيرة بوصفها محاولة لاستعادة تلك الظلال لا لاستنساخ الوقائع.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن «الزنجي» يكتب سيرة الإنسان بقدر ما يكتب سيرة الذاكرة؛ فالموضوع الحقيقي ليس «ماذا حدث؟» فقط، وإنما «كيف بقي ما حدث داخل الذات؟». وهذه المسافة بين الواقعة وأثرها هي التي تمنح السرد كثافته الإنسانية.

تتأسس هوية يونس في الكتاب منذ طفولته على سؤال لا يبدو عابرًا: «من أنا؟ ومن أين أتيت؟». إنه سؤال يتجاوز الاستفهام عن النسب إلى البحث عن هوية كاملة، بعدما وجد الطفل نفسه محاصرًا بأسئلة اللون والانتماء والمكان. وحين يعرض السرد احتمال هجرة الأسرة إلى فرنسا، لا يأتي السؤال بوصفه احتمالًا جغرافيًا فحسب، وإنما يتحول إلى سؤال عن المصير والهُوية: هل كان يونس سيعرف جذوره لو هاجر مع والديه؟ وهل كان سيذوب في العالم الجديد وينسى «كابوس الهوية»؟ ثم يعود النص إلى العبء الذي كان يثقل طفولته: «من أنا؟ ومن أين أتيت؟».

وهنا تتكشف العلاقة العميقة بين الذاكرة والهوية؛ فالهوية ليست معطًى ثابتًا يولد به الإنسان مكتملًا، وإنما تتشكل عبر الأسئلة التي يطرحها على نفسه، وعبر نظرة الآخرين إليه، وعبر علاقته بالمكان والأسرة واللون والتاريخ. وكلما كان الإنسان محاصرًا بتعريفات خارجية، ازدادت حاجته إلى أن يبحث عن تعريفه الداخلي لذاته.

وفي «الزنجي» لا يظهر اللون بوصفه صفة جسدية فحسب، وإنما يتحول إلى علامة اجتماعية وثقافية تُحمَّل بدلالات تتجاوز الجسد. فالطفل لا يكتشف اختلافه من خلال النظر إلى نفسه فقط، وإنما من خلال نظرات الآخرين إليه، ومن خلال اللغة التي تُستخدم في وصفه، ومن خلال المواقف التي يشعر فيها أن لون بشرته قد أصبح سببًا في تصنيفه وإبعاده. ومن هنا يصبح الجسد أول نص تقرأه الجماعة، ويصبح اللون أول علامة تُحمِّلها الثقافة دلالات الهوية والاختلاف.

وتتضح هذه المسألة في المشاهد التي يستعيد فيها يونس طفولته وما تعرض له من نظرات وإيحاءات مرتبطة بلونه. فالطفل الذي كان ينبغي أن يكتشف العالم ببراءة، يجد نفسه مضطرًا إلى اكتشاف ذاته عبر عين الآخر. وهذه لحظة شديدة الأهمية في تشكل الشخصية؛ لأن الذات في هذه الحالة لا تسأل فقط: «من أنا؟»، وإنما تسأل أيضًا: «كيف يراني الآخرون؟ ولماذا يرونني على هذا النحو؟».

ومن أكثر المشاهد دلالةً على ذلك ما يرتبط بالمناسبات الاجتماعية والمدرسة، حيث يظهر التمييز بوصفه ممارسة يومية تنتج الإقصاء وتعيد ترسيخ الفوارق بين الأطفال. فالكتاب يستعيد مشهدًا يكشف كيف كان الأطفال السود يُخفَون عن أنظار المدعوين في أحد الأعراس، وكأن اللون تحوّل إلى مصدر خجل اجتماعي ينبغي ستره. وفي المدرسة أيضًا تتكرر أشكال التمييز والسخرية والتسمية الجارحة، فيتلقى الطفل رسائل ضمنية تقول له إن اختلافه الجسدي يمكن أن يكون سببًا في وضعه خارج المركز الاجتماعي. وهذه المشاهد لا تؤدي وظيفة التوثيق وحدها، وإنما تفسر جانبًا من القلق الداخلي الذي سيرافق الشخصية في مراحل لاحقة من حياتها.

ومن هنا فإن «الزنجي» لا يروي تجربة فردية مع اللون فقط، وإنما يكشف عن الطريقة التي يمكن أن تتحول بها النظرة الاجتماعية إلى جزء من الوعي الداخلي للإنسان. فالوصمة الخارجية، حين تتكرر، قد تصبح سؤالًا داخليًا؛ والسخرية العابرة قد تتحول إلى ذاكرة؛ والموقف الاجتماعي قد يستحيل مع الزمن إلى جزء من السيرة النفسية.

غير أن أهمية الكتاب تكمن في أن يونس لا يبقى أسير تلك النظرة. فالهوية التي تبدأ بوصفها سؤالًا موجعًا تتجه تدريجيًا إلى أن تصبح مشروعًا لاستعادة الذات. ومن هنا تتخذ الرحلة التعليمية والمهنية معنى يتجاوز النجاح الشخصي؛ إذ يصبح العلم وسيلة للخروج من التعريف الذي أراد الآخرون فرضه على الشخصية.

ويتجلى ذلك في مسار يونس التعليمي والمهني، حين ينتقل من مراحل التعليم إلى العمل، ثم إلى البرمجة، ويظل يسأل نفسه عن الخطوة التالية، ولا يرضى بأن يغلق الطريق عند حد معين. وتكشف هذه المراحل عن إرادة واضحة في بناء الذات بالفعل والإنجاز، لا بالدخول في صراع لفظي مع الآخرين. حتى العبارة التي ينقلها النص عن أستاذ اللغة العربية، «اقرأ بلغتك العربية على قبور الموتى»، تتحول إلى لحظة تحدٍّ في مسار الشخصية، لا إلى خاتمة. ويستمر يونس في تطوير نفسه، فيحصل على شهادة في البرمجة، ثم يتأمل مستقبله المهني والدراسي، وكأن التعلم يصبح إحدى الأدوات التي يعيد بها كتابة موقعه في العالم.

وهنا يمكن قراءة التعليم في «الزنجي» بوصفه فعل مقاومة للصور الجاهزة عن الذات. فالإنسان الذي جرى اختزاله في لون بشرته يعيد تقديم نفسه من خلال المعرفة والعمل والإنجاز. وبذلك تنتقل الشخصية من «هوية مفروضة» إلى «هوية منجزة»؛ أي من أن يكون الآخر هو الذي يحددها إلى أن تصبح هي القادرة على إنتاج صورتها عن نفسها.

ولا تنفصل هذه الرحلة عن الذاكرة العائلية؛ فالذات في «الزنجي» لا تتشكل بمعزل عن آبائها وأجدادها. ولذلك يستعيد السرد حكاية الجد حماد، القادم من قصر أغال أو درار في زاكورة، في ثلاثينيات القرن الماضي، في سياق الجفاف والمجاعة التي دفعت الأسرة إلى الرحيل. ويخبر النص عن رحلة الجد الطويلة، وعن قطعه مسافات شاقة سيرًا على الأقدام، وما رافق ذلك من خوف وأمل وقلة زاد، قبل أن يصل إلى الدار البيضاء بحثًا عن بداية جديدة.

وهنا تتحول ذاكرة الجد إلى جزء من ذاكرة الحفيد. فيونس لا يستعيد قصة أسلافه لمجرد المعرفة التاريخية، وإنما يكتشف من خلالها أن وجوده الحالي امتداد لسلسلة طويلة من التحولات والهجرات والمحن. إن الذات الفردية تتسع لتصبح ذاتًا عائلية، والذاكرة الشخصية تفتح أبوابها على ذاكرة الجماعة.

ومن أجمل ما يقدمه الكتاب في هذا السياق علاقة يونس بالمكان. فزاكورة لا تظهر مجرد جغرافيا بعيدة، وإنما تظهر بوصفها مكانًا أصليًا يستدعي الحنين. وظلت أرض قصر أغال أو درار تسكن خياله، إلى أن دفعه الزمن إلى العودة إليها سنة 1978. ولم تكن الرحلة سياحية بالمعنى المعتاد، بل كانت «بحثًا عن الجذور»، ورغبة في «مصافحة المكان الذي بدأت منه حكاية العائلة». وحين يمشي في الأزقة الضيقة ويتأمل الجدران الطينية وبقايا البيوت، يبدو المكان وكأنه يحتفظ في صمته بحكايات الأجيال السابقة.

وهنا يصبح المكان ذاكرةً مرئية. فالبيت القديم والجدار والطريق والواحة ليست عناصر وصفية محايدة، وإنما تتحول إلى علامات تستدعي ما غاب. وكأن المكان في الكتاب يمتلك ذاكرة خاصة به، أو بالأحرى يصبح وسيطًا تستعيد الذات من خلاله ما لم تستطع الذاكرة الفردية وحدها أن تحفظه.

إن رحلة يونس إلى الجذور تعادل، من الناحية الرمزية، رحلةً إلى الذات. فكلما ابتعد الإنسان عن بدايته، ازدادت حاجته إلى العودة إليها لكي يفهم الطريق الذي قطعه. ولهذا فإن «العودة» في الكتاب ليست عودة إلى مكان فقط، بل عودة إلى سؤال الأصل.

ويتعمق هذا البعد حين يستعيد يونس حكايات عمته عن الجد حماد. فالحكاية العائلية تنتقل شفهيًا من جيل إلى جيل، ثم تتحول في السيرة إلى كتابة. وهنا تتداخل ثلاثة مستويات من الذاكرة: ذاكرة الجد الذي عاش التجربة، وذاكرة العمة التي نقلتها، وذاكرة يونس الذي تلقاها ثم أعاد سردها. وبذلك لا تكون السيرة مجرد «أنا» تتحدث عن نفسها، وإنما تصبح شبكة من الأصوات والذكريات التي أسهمت في بناء هذه الـ«أنا».

وهذه النقطة تمنح الكتاب بعدًا سرديًا مهمًا؛ فالذاكرة ليست فردية خالصة، بل تتشكل عبر روايات الآخرين. فالإنسان يعرف نفسه أحيانًا من خلال ما يقوله أبوه عنه، وما ترويه عمته عن الجد، وما تحفظه الأسرة من حكايات، وما يختزنه المكان من آثار. وهكذا تتحول السيرة الذاتية إلى فضاء تلتقي فيه الذاكرة الشخصية بالذاكرة العائلية والثقافية.

وإذا كان اللون يمثل إحدى العلامات التي ساهمت في تشكيل سؤال الهوية، فإن المكان يمثل العلامة التي تمنح تلك الهوية جذورها. وبين اللون والمكان تتحرك الذات الساردة بحثًا عن توازنها: لونٌ جعل الآخر ينظر إليها بوصفها مختلفة، ومكانٌ تعود إليه لكي تقول لنفسها إنها ليست بلا أصل.

ومن اللافت أن السفر في «الزنجي» لا يقتصر على الحركة الجغرافية، بل يتحول إلى وسيلة لإعادة اكتشاف الذات. ففي رحلاته داخل المغرب وخارجه، يتعامل يونس مع المدن بوصفها نصوصًا ثقافية مفتوحة. وحين يسافر إلى مدريد مثلًا، لا يكتفي بالنظر إلى الأمكنة، وإنما يقرأ تاريخها وفنونها وثقافتها، ويكتشف أن المدينة تحمل ذاكرة الشعوب مثلما يحمل الإنسان ذاكرته. وفي متحف برادو يقف أمام اللوحات طويلًا، ويصل إلى إحساس بأن الفن لغة تتجاوز الحدود واللغات، وأن الطعام والموسيقى والعمارة كلها أجزاء من هوية الشعوب وذاكرتها.

وبهذا المعنى، يتسع مفهوم الهوية في الكتاب تدريجيًا. فبعد أن كان سؤال الهوية في الطفولة مرتبطًا باللون والأصل، يصبح في مراحل النضج أكثر انفتاحًا على الثقافة والسفر والفن والإنسان. أي أن الذات لا تعود تبحث عن نفسها في مرآة واحدة، بل تبدأ في اكتشاف ذاتها من خلال اختلاف الثقافات.

ومن أجمل المفارقات السردية أن يونس، وهو يعبر الأمكنة الجديدة، لا يفقد ذاكرته الأولى، بل تستيقظ ذاكرته على نحو أعمق. فالسفر لا يمحو المكان الأول، وإنما يعيد إنتاجه. وسيبيريا مثلًا، ببياضها القاسي وبردها الشديد، تستدعي في ذاكرته حرارة زاكورة وشمسها، فينشأ حوار بين مكانين متباعدين في الجغرافيا والمناخ. ويقول السرد عن سيبيريا إنها «القاتلة البيضاء»، في مقابل الذاكرة الحارة لزاكورة. وهكذا يصبح المكان الجديد مرآةً للمكان القديم.

إن هذه التقنية تكشف أن الذاكرة لا تعمل بطريقة خطية؛ فمشهد حاضر في روسيا يمكن أن يستدعي قرية بعيدة في جنوب المغرب، ومدينة أوروبية يمكن أن توقظ فصلًا قديمًا من حياة يونس، وعودة إلى الرباط يمكن أن تفتح فصلًا ظل مفتوحًا في الذاكرة سنوات طويلة. ولذلك فإن بنية الكتاب تتحرك وفق منطق التداعي والاسترجاع أكثر مما تتحرك وفق التسلسل التاريخي الصارم.

وهذا ما يفسر انتقال السرد بين الأزمنة والأمكنة دون أن يفقد وحدته الداخلية؛ لأن الوحدة هنا ليست وحدة الحدث، وإنما وحدة الذات التي تستوعب كل هذه الأزمنة. فالطفل والشاب والرجل الناضج والمسافر والأب والابن جميعهم يعودون إلى مركز واحد هو «يونس» بوصفه ذاتًا تتشكل باستمرار.

وتبرز صورة الأب في هذا السياق بوصفها واحدة من المرجعيات الأخلاقية التي تسهم في بناء هوية يونس. فالأب لا يظهر فقط باعتباره شخصية أسرية، وإنما بوصفه ذاكرة للقيم والعمل والصمت والكرامة. ويستعيد يونس صورة والده رجلًا بسيطًا يرفض أن يحوّل تاريخه الوطني إلى وسيلة للمنافع، حتى يصبح موقفه درسًا أخلاقيًا يبقى حاضرًا في ذاكرة الابن. ويصل السرد إلى معنى بالغ الدلالة حين يقرر أن الأب «انتصر مرتين»: مرة في مواجهة المستعمر، ومرة حين رفض أن يجعل من تاريخه سلعة.

وبذلك تتشكل هوية يونس أيضًا من خلال الإرث الأخلاقي. فالهوية ليست لونًا أو نسبًا أو مكانًا فحسب، وإنما منظومة قيم تنتقل من جيل إلى آخر. وما يتذكره الابن من أبيه ليس الأحداث وحدها، بل الدروس الكامنة خلفها.

وتأخذ الأم بدورها موقعًا عاطفيًا مهمًا في الذاكرة. وحين تستعيد الشخصية صورة الأم ودعواتها، لا تستعيد شخصًا غائبًا فقط، وإنما تستعيد مصدرًا من مصادر الأمان الأولى. ولذلك تظهر صورة الأم في لحظات السفر والابتعاد بوصفها إحدى العلامات التي تربط الحاضر بالماضي. وفي لحظة لاحقة، حين يكون يونس في رحلة بعيدة، تتوالى صور أمه أمامه، وكأن المسافة الجغرافية كلما اتسعت أعادت الأم إلى مركز الذاكرة.

وهكذا يمكن القول إن الأسرة في «الزنجي» تؤدي وظيفة تكوينية؛ فالجد يمنح الذاكرة جذورها، والأب يمنحها قيمها، والأم تمنحها دفئها، والمكان يمنحها جغرافيتها، بينما تمنح التجارب الاجتماعية الذاتَ أسئلتها وصراعاتها.

أما الزمن، فإنه لا يظهر في الكتاب بوصفه خطًا مستقيمًا، بل بوصفه طبقات تتراكب داخل الوعي. فالطفولة لا تنتهي حين يبلغ الإنسان الرشد، وإنما تبقى بعض صورها كامنة في داخله. ولهذا يستطيع موقف قديم أن يعود بعد سنوات طويلة بسبب مكان أو رائحة أو شخص أو رحلة. إن الزمن في «الزنجي» زمن نفسي أكثر منه زمنًا تقويميًا.

وهذا يفسر جمال العبارة التي يؤسس بها الكاتب مشروعه السيري حين يرى أن «الحقيقة الإنسانية» لا تقاس دائمًا بدقة التواريخ، وإنما بعمق الأثر الذي تركته الأيام في الروح. فهذه الرؤية تكشف أن الكاتب لا يطلب من السيرة أن تكون سجلًا وثائقيًا، وإنما يريد لها أن تكون سجلًا للوجدان.

ومن هنا تأتي أهمية «السرد الاسترجاعي» في بناء الكتاب؛ فكل استرجاع يؤدي وظيفة في كشف الشخصية. حين يعود يونس إلى طفولته، نفهم أصل قلقه؛ وحين يعود إلى قصة الجد، نفهم علاقته بالجذور؛ وحين يعود إلى الأب، نفهم منظومة القيم التي تحكمه؛ وحين يستعيد المدرسة، نفهم أثر التمييز والتعلم في شخصيته؛ وحين يستعيد أسفاره، نكتشف اتساع رؤيته للإنسان والثقافة.

وبهذا لا تكون الذكريات وحدات منفصلة، وإنما حلقات في سلسلة تشكل الهوية.

ولعل أهم ما يميز الكتاب أن الشخصية لا تُقدَّم في صورة مثالية مكتملة، وإنما تُبنى عبر التردد والخوف والصمت والحب والطموح والخطأ. حتى التجارب العاطفية في مرحلة الشباب تُستعاد من خلال حساسية عالية تجاه الصمت والعجز عن التعبير. ويستعيد السرد علاقة يونس بأمينة، زميلته في الدراسة، بوصفها حبًا أولًا ظل محكومًا بالخجل والخوف والصمت؛ فيراقبها ولا يستطيع الاقتراب منها أو التعبير عما يشعر به.

وهذه التفاصيل تبدو في ظاهرها بعيدة عن سؤال الهوية، لكنها في العمق تكشف جانبًا من بناء الشخصية؛ فالشخص الذي تربى تحت ضغط نظرات الآخرين قد يحمل معه قدرًا من الحذر إلى علاقاته، وقد تصبح اللغة نفسها أحيانًا عاجزة عن نقل ما يشعر به. ولذلك تتكامل الذاكرة الاجتماعية مع الذاكرة النفسية.

وحتى في مرحلة النضج، يظل الماضي قادرًا على اقتحام الحاضر. فحين يفرغ يونس حقيبته ويهدأ بعد رحلة، «تندفع الذكريات» من أعماقها كطوفان ظل حبيسًا سنوات طويلة. هذه الصورة السردية مهمة؛ لأنها تجعل الذاكرة قوةً حركية لا مجرد مادة ساكنة. الماضي لا ينتظر أن يُستدعى دائمًا، وإنما قد يندفع إلى الحاضر حين تتوافر لحظة التأمل.

إن «الزنجي» بهذا المعنى لا يكتب الماضي بقدر ما يكتب حضوره المستمر. وهذا هو جوهر السيرة: أن يصبح الماضي مادةً لفهم الحاضر، وأن تتحول الذاكرة من أرشيف إلى وعي.

ومن منظور ثقافي، يفتح الكتاب سؤالًا أوسع حول صناعة «الآخر». فالشخصية لم تولد بوصفها «آخر»، وإنما جرى إنتاج هذه الصورة عبر مجموعة من الممارسات الاجتماعية واللغوية والنظرات والأحكام. ومن هنا فإن الكتاب لا يكتفي بتقديم تجربة ذاتية، وإنما يكشف آلية ثقافية يتم من خلالها تحويل الاختلاف الجسدي إلى اختلاف اجتماعي، ثم إلى تصنيف إنساني.

غير أن السرد لا يتوقف عند كشف الجرح؛ بل يتحرك نحو تجاوزه. وهذا ما يجعل مسار الهوية في الكتاب مسارًا من «الوصمة» إلى «الوعي»، ومن سؤال الذات إلى امتلاكها. فكلما اتسعت خبرة يونس بالعلم والعمل والسفر والثقافة، أصبح تعريفه لنفسه أقل خضوعًا للصورة التي رسمها الآخرون له.

ومن هنا يمكن فهم دلالة الرحلة بوصفها بنيةً موازية لبنية الهوية. فكل انتقال في المكان يقابله انتقال في الوعي. والجد الذي هاجر من زاكورة إلى الدار البيضاء كان يبحث عن النجاة، أما يونس فيعود من الدار البيضاء إلى زاكورة بحثًا عن الجذور. الجد يتحرك من الأصل إلى المدينة، والحفيد يتحرك من المدينة إلى الأصل؛ وبين الرحلتين تتشكل ذاكرة عائلية كاملة. إن حركة الذهاب والإياب هذه تمنح السيرة بنيتها العميقة: الإنسان يبتعد لكي يستطيع أن يرى بدايته، ثم يعود إلى البداية لكي يفهم ابتعاده.

وإذا كان «قلب الحوت» جزءًا من العنوان الذي يحمله الكتاب، فإن هذه الصورة يمكن أن تُقرأ في ضوء تجربة يونس بوصفها استعارة لمسار طويل داخل فضاءات واسعة ومتقلبة، حيث يتحرك الإنسان في عالم كبير، لكنه يظل يحمل داخله مكانه الأول وأسئلته الأولى. فالسفر مهما اتسع لا يلغي الجذر، بل يكشف الحاجة إليه.

إن الكتاب في مجمله ينهض على جدلية واضحة بين «الذات» و«الآخر»، وبين «الماضي» و«الحاضر»، وبين «المكان» و«الاغتراب»، وبين «اللون» و«الهوية»، وبين «الذاكرة» و«النسيان». وهذه الثنائيات لا تعمل بوصفها تقابلات جامدة، وإنما تتحول داخل السرد إلى مسارات لتكوين الشخصية.

فالماضي ليس نقيض الحاضر، بل مادته الخفية؛ والمكان ليس نقيض السفر، بل ذاكرته؛ والاختلاف ليس نهاية الهوية، بل أحد دوافع البحث عنها؛ والذاكرة ليست استعادة للماضي فحسب، بل إعادة بناء للذات.

وعلى المستوى الجمالي، تتكئ الكتابة على المشهد أكثر من اعتمادها على التلخيص المجرد. فالطريق، والمدينة، والبيت، والمدرسة، والعرس، والسيارة، والنافذة، والمتحف، والمطار، والواحة، والجدران الطينية، كلها تتحول إلى مفردات سردية تحمل وظائف دلالية تتجاوز وجودها المادي. فحين يتأمل يونس الجدران القديمة في قصر أغال أو درار، لا يرى حجارة فقط، بل يرى ذاكرة أجيال. وحين يقف أمام نافذة في بلد بعيد، قد لا يكون نظره متجهًا إلى المكان الذي أمامه، بل إلى «الغد» أو إلى فصل من حياته ظل مفتوحًا في الذاكرة.

ومن هنا فإن «الزنجي» يجمع بين السيرة والتخييل في طريقة بناء المشهد واستحضار التفاصيل، دون أن يفقد مركزه السيري. فالمهم ليس فقط صدق الواقعة، وإنما صدق الإحساس بها، وهي نقطة يصر عليها الكاتب حين يمنح الذاكرة حريتها في ترتيب مادتها.

وتتأسس قيمة هذا الخيار على أن الذاكرة الإنسانية انتقائية بطبيعتها؛ فهي لا تحفظ كل شيء، وإنما تحفظ ما ترك أثرًا. ولذلك فإن ما يبدو في الظاهر خروجًا عن التسلسل الزمني يمكن أن يكون، في القراءة النقدية، انتظامًا أعمق تحكمه شبكة التداعي. فذكر الجد يقود إلى زاكورة، وزاكورة تقود إلى سؤال الأصل، وسؤال الأصل يعيدنا إلى الطفولة، والطفولة تستدعي اللون، واللون يستدعي نظرة الآخر، ونظرة الآخر تستدعي التعليم والعمل وإثبات الذات. وهكذا يتحول السرد من خط مستقيم إلى شبكة من الذكريات المتصلة.

ومن هذه الشبكة تتكون الهوية.

ولذلك فإن «سرديات الذاكرة» في الكتاب ليست جمعًا لذكريات متعددة فحسب، وإنما هي طرائق مختلفة لقول الذات: ذاكرة الطفولة تقول الذات الجريحة، وذاكرة العائلة تقول الذات المنتمية، وذاكرة المكان تقول الذات الباحثة عن الجذر، وذاكرة التهميش تقول الذات التي تريد أن تفهم سبب اختلافها في نظر الآخرين، وذاكرة التعليم والعمل تقول الذات التي أعادت بناء نفسها، وذاكرة السفر تقول الذات التي اتسعت رؤيتها للعالم.

وإذا كانت السيرة الذاتية التقليدية تنطلق غالبًا من سؤال «ماذا فعلت في حياتي؟»، فإن «الزنجي» يذهب أبعد من ذلك إلى سؤال أكثر عمقًا: «كيف صنعتني حياتي؟». وهذه النقلة هي التي تمنح الكتاب إمكانه النقدي؛ لأن السيرة هنا ليست حشدًا للأحداث، وإنما بحثٌ في القوى التي صنعت الشخصية.

وفي النهاية، يمكن القول إن «الزنجي: مذكرات رجل» للعربي الحميدي يكتب الذاكرة باعتبارها فضاءً تتصارع فيه الأزمنة وتتقاطع فيه الأمكنة وتتداخل فيه أصوات الأجيال، بينما تتشكل الهوية في قلب هذا التشابك لا خارجه. فالذات لا تظهر مكتملة منذ البداية، وإنما نراها تتكون أمامنا من سؤال الطفولة، ومن جرح اللون، ومن حكاية الجد، ومن صورة الأب، ومن حنان الأم، ومن المكان البعيد، ومن المدرسة، ومن العمل، ومن الحب، ومن السفر، ومن كل تلك التفاصيل الصغيرة التي تبدو في ظاهرها متفرقة، لكنها تتجمع في النهاية لتصنع إنسانًا واحدًا.

إن يونس لا يعود إلى الماضي لأنه عاجز عن مغادرته، وإنما لأنه أدرك أن الإنسان لا يستطيع أن يمضي إلى الأمام إذا لم يفهم ما تركه خلفه. ولذلك تصبح الذاكرة في «الزنجي» فعلًا من أفعال استعادة الذات، وتصبح الكتابة نفسها محاولة لاسترداد ما كاد أن يضيع بين المسافة والزمن.

ومن هنا تكمن القيمة الجمالية والفكرية للعمل: إنه لا يقدم لنا «سيرة رجل» فحسب، بل يقدم لنا سيرة سؤال الهوية وهو يتكون داخل الذاكرة. فالزنجي الذي يبدو في العنوان تسميةً خارجية، يتحول في عمق النص إلى سؤال عن الإنسان الذي يرفض أن تختصره تسمية، أو لون، أو نظرة اجتماعية. وبقدر ما يستعيد يونس ماضيه، يعيد امتلاك تعريفه لذاته؛ وبقدر ما يعود إلى الجذور، يتسع أفقه نحو العالم.

وهكذا تنتقل السيرة من تسجيل الماضي إلى مساءلته، ومن استعادة الذاكرة إلى إعادة تأويلها، ومن سؤال «من أنا؟» إلى فعل بناء الذات. ولعل أجمل ما تنتهي إليه تجربة «الزنجي» أن الهوية لا تُمنح للإنسان مرة واحدة، وإنما يظل يكتبها طوال حياته؛ يكتبها بما يتذكره، وبما يتجاوزه، وبما يختار أن يحتفظ به من آثار الأمكنة والأشخاص والأحداث. وفي هذا المعنى تصبح الذاكرة ليست بيت الماضي، وإنما المكان الذي تعود إليه الذات كلما أرادت أن تعرف من تكون.

ناقدة من العراق

 

عن madarate

شاهد أيضاً

مقدمات أساسية في الوعي والنهوض بالثقافة والفكر – حسن إمامي

حسن إمامي*    (هذه مجرد مساهمة واقتراحات لا تكون لها قوة وجود وإمكانية تحقق ما …

اترك تعليقاً