القصيدة المعاصرة: من ثورة التجديد إلى فوضى التقليد

حليمة ازكري*
قُيِّدَ الشعر العربي لقرون طويلة بقواعد صارمة، شكلت فيها البحور الخليلية والقافية الموحدة ميزاناً دقيقاً لا يمكن تجاوزه؛ حيث كان للشعر عند العرب القدامى عمود، من سار على نهجه سُمي عندهم شعراً في غاية الجودة، وما وُجِد بضد هذا الحال سُمّي شعراً في غاية الرّداءة. ونستحضر في هذا السياق قول المرزوقي: “… فهذه الخصال عمود الشعر عند العرب، فمن لزمها بحقها وبنى شعره عليها، فهو عندهم المفلق المعظم والمحسن المقدم، ومن لم يجمعها كلّها فبقدر سُهْمته منها يكون نصيبه من التقدم والإحسان، وهذا إجماع مأخوذ به، ومتبع نهجه حتى الآن…”¹.
ومما لا شك فيه أن المرزوقي اختص بالذكر قبل هذا القول سبعة أبواب، ولكل باب معيارٌ، واستدل بأمثلة على ذلك قائلاً: “إنهم كانوا يحاولون شرف المعنى وصحته، وجزالة اللّفظ واستقامته، والإصابة في الوصف… فهذه سبعة أبواب هي عمود الشعر ولكل باب منها معيار”². فقد شكلت هذه الأبواب الركيزة الأساسية لكل شاعر قديماً أراد كتابة الشعر وحمل لقب الشاعر المفلق الفحل لكي لا يُسمى شويعراً.
ولذلك، كان الشاعر قديماً يحرص على اختيار أجود الألفاظ على أقدار المعاني؛ إذ كانوا يؤمنون بفكرة أن أفصح الناس أحسنهم لفظاً، وأن التعقيد يستهلك المعاني. وهذا ما أشار إليه الجاحظ في قوله: “أفصح الناس أحسنهم لفظاً وأحسنهم بديهة… والجزالة والفخامة من أكثر ما تستمال به القلوب وتُثنى به الأعناق وتزين به المعنى”³، وذكر أيضاً في نفس الكتاب: “التعقيد يستهلك معانيك ويُشين ألفاظك”⁴.
ومما رُوي سالفاً أن الشاعر كان يفتخر بصنعته وإبداعه الشعري، ويسهر الليالي وهو يحاول الوصول إلى القوافي والأوزان، وذلك خوفاً من أن يُلقي قصيدته على الأمراء والشعراء الآخرين أو تُرفض قصيدته. ومن هؤلاء الشعراء نذكر -على سبيل المثال- سويد بن كراع العكلي، الذي أنشد أبياتاً يصف فيها أهم المحطات التي يمر بها وهو يطارد القوافي ويجمعها وكأنها مجموعة من الوحوش، قائلاً:
أَبِيتُ بِأَبْوَابِ القَوَافِي كَأَنَّمَا أُصَادِي بِهَا سِرْباً مِنَ الوَحْشِ نُزَّعَا
أُكَالِئُهَا حَتَّى أُعَرِّسَ بَعْدَمَا يَكُونُ سُحَيْراً أَوْ بَعِيداً فَأَهْجَعَا
عَوَاصِيَ إِلَّا مَا جَعَلْتُ أَمَامَهَا عَصَا مِرْبَدٍ تَغْشَى نُحُوراً وَأَذْرُعَا
إِذَا خِفْتُ أَنْ تُرْوَى عَلَيَّ رَدَدْتُهَا وَرَاءَ التَّرَاقِي خَشْيَةً أَنْ تَطَلَّعَا
وَجَشَّمَنِي خَوْفُ ابْنِ عَفَّانَ رَدَّهَا فَثَقَّفْتُهَا حَوْلاً حِرِيداً وَمُرْبَعَا⁵.
يصف سويد في هذه الأبيات سهره الليلي الدّؤوب لإيجاد قواف وأوزان تُناسب قصيدته قبل أن تُلقى على ابن عفان، وقد تمكث القصيدة عنده حولاً كاملاً وهو يحاول تثقيفها وتنقيحها. ومما رُوي أيضاً أن من عادة الشاعر الجاهلي أنه “كان يحمل في بطنه شيطاناً موسوساً يُحب بين الفينة والفينة الخروج إلى الفضاء الواسع على شكل كلمات تتحول إلى أبيات. كان زهير يفاجئه المخاض كل سنة فيلد جنّياً يربّيه ويعتني به حولاً كاملاً”⁶. وهذا ما عُرف به كل من الحطيئة وزهير بن أبي سلمى، وهو ما نبه إليه ابن قتيبة في قوله: “ومن الشعراء المتكلف والمطبوع: فالمتكلف هو من قوّم شعره بالثقاف، وكان الأصمعي يقول: الحطيئة وزهير وأشباههما من الشعراء عبيد الشعر لأنهم نقحوه ولم يذهبوا فيه مذهب المطبوعين. ويقول الحطيئة: خير الشعر الحولي المحكك، وكان زهير بن أبي سلمى يسمي كبار قصائده بالحوليات”⁷.
واعلم -أيها القارئ- أن الشاعر القديم تراه ينتهي إلى البيت الجيّد فيجد فيه لفظة تشينه، فيجبر نقيصته من عنده، ويبدل الكلمة بأختها في نقده، ويلبث حولاً كاملاً دون أن يشعر بالملل؛ ومن هذا المنطلق كان الشعر قديماً مرتبطاً بالقافية الموحدة، والبحور الخليلية، ووحدة الشطرين المتناظرين.
لكن مع بزوغ حركة الشعر الحر -أو شعر التفعيلة كما يُطلق عليه- تحرَّر الشعراء من هذه القيود في نظرهم، وتحولت القصيدة التقليدية الموروثة والميزان الدقيق إلى مقاطع نثرية عادية، لا تمتُّ بأي صلة للشعر سوى في الشكل الخارجي (تكسير البنية)؛ وهي كتابة متقطعة على الورق، مما يفتح الباب لطرح تساؤلات عدة حول مدى أحقية تسمية هذا النوع من الكتابة شعراً بالأساس؟
زعموا أن التحرر من قيود القافية والبحور الخليلية يهب الشاعر حرية أوفر للتعبير عن دفقته الشعورية دون هذه القيود المصطنعة التي تُشكل عائقاً للبوح؛ وغدا الشاعر الحداثي يصنع أسطراً قائمةً على التفعيلة الواحدة ويظن أنه كتب شعراً في غاية الجودة، وأصبح القارئ أمام أسطر تُبتر بتراً فجائياً تعتمد على تقسيم صاحبها، دون الاستعانة بالقافية ولا الموسيقى الشعرية. هذا الإسقاط الإيقاعي لم يهدف إلى التحرر بقدر ما كان أولى الخطوات نحو تمييع الحدود الفاصلة بين الشعر الرصين والنثر المرسل؛ وإذا ما أردنا قراءة هذه الأشعار -كما صُنِّفت- نلاحظ غياب الإيقاع الشعري كما اعتدناه في الأشعار القديمة. ونتيجةً لذلك، تحول التحرر من الوزن والقافية إلى مبرر لكتابة كلام منثور لا يحمل مقومات الصورة الشعرية. كأن نجد شاعراً ما ينشد -ولعلنا لا نحتاج لتسمية الشاعر باسمه بقدر ما نطمح لتمثيل هذا التوجه؛ إذ يكفي أن يُنشد أحدهم هذا القول-:
أجلس في المقهى…، أرتشف قهوتي السوداء، وأنتظر قطار الذكريات، لكي أتذكر أحاديث، لم أنْسَها… لم أنْسَها.
ثم يبدأ بتقطيعها عمودياً هكذا:
أجلس في المقهى …
أرتشف قهوتي السوداء
وأنتظر قطار الذكريات
لكي أتذكر أحاديث
لم أنْسَها… لم أنْسَها.
ليزعم بعد ذلك أنه أنتج شعراً حداثياً، مزج فيه قصيدة النثر مع نثر مرسل دون دراية ببحور أو أوزان أو قواف، فالمتأمل في هذا الشكل التعبيري سيدرك حقا أنه لم يقدم شعرا حداثيا بقدر ما أصبحت فوضى إيقاعية، متخذاً من التحرر قناعاً لإخفاء عجزه عن إيجاد الأوزان والقوافي التي تناسب أبياته؛ وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على فتح الباب لمن لا يملك الموهبة اللغوية ليدَّعي الشاعرية.
غيرَ أنَّ هذا لا يعني أن ننكر بعض الرواد الأوائل كنازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، وشعراء آخرين ممن حافظوا على جزالة اللفظ وأفلحوا في هذا الاتجاه، لكن العائق الأساس يكمن في التقليد الأعمى؛ حيث أصبح كل من هب ودب يَدّعي الشاعرية بمجرد كتابته لنصٍّ نثريٍّ متقطع لا يحمل معنى في نفسه ولا في ألفاظه. وهذا ما أشار إليه الجاحظ أيضاً في قوله: “لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك”⁸.
كان الشاعر سالفاً ينتج قصائد لا يفهمها إلا ذو همة، وتتطلب البحث في المعاجم، وإذا ما التبس على القارئ أمر أو وجد صعوبة في فهم بعض المستغلقات -من الشعر-، هرع إلى المعجم لكي يفسرها أما بعض الأشعار فقد أصبحت في متناول الجميع، يفهمها الكبير والصغير دون العودة إلى أمهات الكتب؛ مما يؤدي باللغة إلى الركاكة ونسيان المعاجم، ومِن ثَمَّ يتم هجر كلمات وتظهر كلمات أخرى. ولذلك قديماً قيل: “أقسام الشعر ثلاثة: مَثل سائر، وتشبيه نادر، واستعارة قريبة…”⁹. والمراد بالتشبيه النادر؛ هو الذي لا يهتدي إليه عامة الناس، فالآتي به يدل على حسن فطنته وتخيله، مما يؤكد أن الشعر قديماً لا يكتبه إلا شاعر مفلق، ولا يفهمه إلا قارئ ذو همة، كقول أبي الطيب المتنبي:
وَمَا أَنَا فِي الَّذِينَ أَرَى مُلُوكاً كَأَنَّكَ فِي المَحَافِلِ أَوْ مَحَالِي
فَإِنْ تَفُقِ الأَنَامَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ فَإِنَّ المِسْكَ بَعْضُ دَمِ الغَزَالِ¹⁰.
ختاماً، لا ينبغي أن يُفهم من كلامي هذا أنني بصدد الدفاع عن الشعر القديم أو التعصب له، إنني أسعى فقط إلى التنبيه على القواعد التي لا بد من مراعاتها أثناء كتابة الشعر؛ فالشعر إذن هو: “ما أطرب، وهزَّ النُّفوس، وحَرَّك الطِّباع، فهذا هو بابُ الشِّعر الذي وُضع لهُ، وبُنِي عليه، لا ما سواه”. ¹¹
ناقدة من المغرب
المراجع:
¹-شرح المقدمة الأدبية لشرح المرزوقي على ديوان الحماسة لأبي تمّام، تأليف العلامة محمد الطاهر ابن عاشور، تحقيق ياسر بن حامد المُطَيري، تقديم فضيلة الشيخ الدكتور عبد المحسن بن عبد العزيز العسكر، مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض 1429 هجرية. ص: 148.
²- المرجع نفسه، ص :103- 104.
³- كتاب البيان والتبيين، تأليف الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر، تحقيق الدكتور عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي القاهرة، 1418 هجرية. ص: 14.
⁴- المرجع نفسه، ص : 138.
⁵- كتاب الشعر والشعراء، تأليف أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار المعارف، 1377 هجرية. ص: 619.
⁶- كتاب الأدب والغرابة دراسات بنيوية في الأدب العربي، تأليف عبد الفتاح كيليطو، دار توبقال للنشر. ص: 88
⁷-كتاب الشعر والشعراء، ص :77-78.
⁸- كتاب البيان والتبيين، ص : 115.
⁹- كتاب المقدمة الأدبية، ص : 140.
¹⁰- ديوان أبي الطّيب المتنبي بشرح العلامة اللغوي عبد الرحمان البرقوقي، تحقيق وتقديم الدكتور عمر فاروق الطَبّاع.
¹¹- كتاب الأدب والغرابة دراسات بنيوية في الأدب العربي، ص : 100-101.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي