الرئيسية / الأعداد / اقتصاد العلامة في “لا علاقة للحذاء بالأمر” مقاربة سيميائيّة، بنيويّة، ونفسيّة في المنجز الإبداعيّ لخولة سامي سليقة – أنس حسين

اقتصاد العلامة في “لا علاقة للحذاء بالأمر” مقاربة سيميائيّة، بنيويّة، ونفسيّة في المنجز الإبداعيّ لخولة سامي سليقة – أنس حسين

اقتصاد العلامة في “لا علاقة للحذاء بالأمر” مقاربة سيميائيّة، بنيويّة، ونفسيّة في المنجز الإبداعيّ لخولة سامي سليقة

أنس حسين*

 

استهلال: في تحوّل الهامشيّ إلى بؤرة مركزيّة

تشرع خولة سامي سليقة في تشييد عوالمها انطلاقاً من عنصرٍ يمعن في البساطة واليوميّة: “الحذاء”.

بيد أنَّ هذا الاختيار يتجاوز كونه تفصيلاً عرضيّاً في البناء السرديّ؛ إذ يبرز العنوان بصفته عتبةً إشكاليّة تضع القارئ أمام نفيٍ صريح لصلة هذا الشيء بالمتن:

“لا علاقة للحذاء بالأمر”.

ومنذ هذه اللحظة الاستهلاليّة، ينسج النصّ جدليّةً مفارقة بين منطوق العنوان ومسارات السرد، حيث يتخلّق المعنى في تلك المسافة المتوتّرة بين النفي الظاهر والحضور الطاغي.

أبصر هذا العمل النور في طبعته الأولى بالكويت عام 2014، عن دار “المبدأ للنشر والتوزيع والإنتاج الفني”، وتصميم م. غسان العيسمي، وتنفيذ وإخراج مينا رؤوف.

بيد أنّ الثِّقْل النقديّ لهذا المنجز لا يتّكئ على أبعاده السياسيّة أو الإنسانيّة فحسب، بل ينبع من براعته في صهر التفاصيل اليوميّة وتحويلها إلى “نسق دِلاليٍّ” تتقاطع في رحابه تجلّيات الذاكرة والجسد، وصراعات الطبقة والعنف، وأواصر الحبّ والأسرة والوطن.

وفي هذا السياق، ينسلخ “الحذاء” عن رتابة المعنى الواحد؛ ليتّخذ صفة الحركة والتحوّل، فمع كلّ حركة يبدّلها، يعيد رسم إحداثيّاته في شبكة الدلالة، فاتحاً آفاقاً جديدة للتأويل.

وهذا ما يمنح المقاربة السيميائيّة أفقاً تأويليّاً أكثر ثراءً، بدلاً من حصر النصّ في بوتقة الاختزال التي تصم الحذاء بكونه مجرّد “رمز للحرب”؛ فدلالة الحذاء تفيض عن هذا التأطير الضيّق لتشمل فضاءات أرحب.

أولاً: العنوان بوصفه استراتيجية قرائيّة

لا يتحدّد العنوان بوصفه توسيماً خارجيّاً للنصّ، بل هو العتبة السيميائيّة الأولى واللبنة البنيويّة لافتتاح المعنى.

واللافت أنّ العنوان لا يكتفي بإحالة اسميّة مجرّدة (الحذاء)، بل ينسج مفارقة تقوم على النفي في قوله:

“لا علاقة للحذاء بالأمر”.

وتنهض هذه الصياغة بوظيفة مزدوجة؛ فهي إذ توهم بتهميش العلامة وتقليص شأنها، فإنّها في الآن ذاته تستدرج وعي القارئ وتضعها في بؤرة التركيز.

وهنا تنبثقُ لعبةُ القراءةِ ومناوراتُها؛ فبقدر ما يسعى القارئُ إلى نفي “الحذاء” نحو الهامش بوصفه تفصيلاً عابراً، يصرُّ النصُّ على استرداده إلى المتن وإحلاله مَحلَّ المركز.

فمنذ الاستهلال، يبرزُ الحذاءُ في فضاء الذاكرة مثقلاً بشجونِ الماضي وندوبِ زمنٍ خذلَ الشخصيّة، ثم يتماهى هذا الحضورُ ويتصاعدُ حتى يبلغَ الذروةَ حين يُتوِّجه الساردُ بكونه “أساس الأزمة”.

وبهذا يستحيلُ العنوانُ ركيزةً جوهريّةً في “هندسة التلقّي”؛ إذ لا تقتصرُ وظيفتهُ على الإنباء بمحتوى النصّ، بل تتجاوزها إلى زعزعةِ اليقين وبثِّ الريبة في العبارة المقروءة، وفي تلك الممانعةِ تكمنُ عبقريّةُ العتبةِ وسطوتُها.

ثانياً: من السيميائيّات إلى “اقتصاد العلامة”

يُمكن تفكيك “الحذاء” من منظور سيميائيّ بوصفه دالّاً مراوغاً يأبى الارتهان لمدلولٍ واحد، إذ يتجاوز في كينونته كونه مجرّد مادة مصمتة، ليستحيل عبر التحوّلات السياقيّة إلى علامةٍ موشومة بالفقر، أو صدىً للطفولة الغاربة، أو مستودعاً لذاكرة الخوف.

وتتعدّد تجلّياته حين يتخذ لبوس السلطة العسكريّة، أو يغدو أثراً دامياً وشاهداً تراجيديّاً على رحيل الأخ، وصولاً إلى رقة حذاء الباليه الذي يخص الابنة.

إنَّ الدلالة هنا لا تقبع في جوهر الشيء ذاته، بل تنبثق من جدليّة العلاقة بين الحذاء وسياقه الذي يعيد إنتاجه في كلّ مرة؛ وهذا التعدّد هو ما يمنح العلامة المركزيّة وهجها وقدرتها على النفاذ. لو انحبست دلالة الحذاء في أفق الحرب وحده، لاستحال رمزاً جافّاً ومباشراً؛ لكنَّ ارتحاله بين مدارات الفقر والطفولة، والسلطة والحبّ، والموت والجمال، هو ما بثَّ فيه نبضاً سرديّاً وأكسبه حيواتٍ متعاقبة.

وعليه، يتشكل مسار هذه العلامة وفق التراتبية الآتية:

حذاء الأب ← حذاء الطفل ← الحذاء العسكري ← الحذاء المضرَّج بالدم ← حذاء الأخ ← حذاء الباليه.

وما يثير التأمّل أنّ هذه الأحذية ليست تكراراً لجوهر واحد، بل يختزن كلٌّ منها طبقةً متفرّدة من التجربة الإنسانيّة؛ إنّها ذاكرةٌ تجسّدت في هيئة أشياء.

ثالثاً: الحذاء بوصفه أرشيفاً طبقيّاً

تُسبغ الكاتبة على الحذاء وظيفةً سوسيولوجيّةً رصينة، محوّلةً إيّاه إلى وثيقة اجتماعيّة بالغة الأهمّيّة.

تغدو الأحذية في النصّ مرآةً كاشفةً للتراتب الطبقيّ، وعلامةً سيميائيّة توثّق البَونَ الشاسع بين عالمين متنافرين:

عالم المسحوقين الذين يرزحون تحت وطأة العوز،

وعالم المتنفذين المترعين بالسلطة والجاه.

هنا، يتجسّد الفقر في تجربة حسيّة مريرة؛ فبينما يستميت الفقراء في البحث عما يستر حفاءهم، تستحيل الأحذية في أقدام الأقوياء أدواتٍ للتنكيل والقهر.

وفي مفارقةٍ سرديّةٍ بالغة الدلالة، يعقد السارد تقابلاً حادّاً بين تلمّس المعوزين لما يقي أقدامهم، وبين توظيف الأحذية العسكريّة كأدواتٍ للإخضاع وإهانة الذات؛ ليفضح الحذاء بذلك ماهية العلاقة الشائكة بين الإنسان وجسده، وبين كينونته وكرامته.

تغدو القدم، بكونها العضو الأكثر تماسّاً بالأرض، علامةً سيميائية في اللحظة السياسيّة، تجسّد تموضع الإنسان في دوائر السلطة؛ وبذلك يرتقي النصّ من “سؤال المظهر” إلى رحابة “سؤال الكرامة”.

رابعًا: القدم.. برزخ الاتصال بين الإنسان والتراب

ليست القدم في هذا العمل مجرّد جارحة جسديّة، بل هي نقطة الاشتباك الوجوديّ بين الإنسان والعالم، فيما يبرز الحذاء وسيطًا بينهما.

ومن هنا، يكتسب أيّ اعتداءٍ على الحذاء أو القدم أبعادًا رمزيّة تتجاوز حدود الأذى الماديّ؛ فإذا كان الحذاء درعًا للقدم، فإن القدم هي الركيزة التي تُقيم صلب الجسد، والجسد هو المستودع الذي يختزل الذاكرة.

وحين يستحيل الحذاء العسكريّ أداةً للسحق، لا تكتفي السلطة بوطء الماديّ العابر، بل إنّها تدهس تلك المسافة الوجدانيّة التي تربط الإنسان بالأرض.

من هنا، تنكشف ماهيّة العلاقة بين الحذاء والوطن؛ فالوطن في النصّ ليس مجرّد حيّزٍ جغرافيّ مجرّد، بل هو الثرى الذي تحسّسَه الإنسان بقدميه، قبل أن يجد نفسه مهدّداً بالاقتلاع منه أو الفناء فوق أديمه.

خامساً: الثقب ــــ العلامة النقيض

إذا كان الحذاء يمثل التجلّي الخارجي للعلامة، فإنّ “الثقب” يمثل غورها الداخليّ، وتعدُّ هذه الثنائيّة من أكثر البنى عمقاً وفلسفةً في العمل.

فالحذاءُ انغلاقٌ وإحاطة، والثقبُ انفتاحٌ واستباحة؛ الحذاء يطوّق القدم، والثقب يخرق هذا الطوق.

يغدو الثقبُ كشفًا يعرّي الجسد؛ فإذا كان الحذاءُ يقتفي أثرَ الطريق، فإنَّ الثقبَ يختزلُ حكايا الداخل، ليتجاوزَ ماهيتَهُ كجرحٍ ويغدو مَسربًا للذاكرة.

وفي مفاصل النصّ، يتآلفُ الدمُ مع فوّهةِ الثقب، فيشرعُ الألمُ في اقتيادِ الروحِ نحو فيافٍ زمنيةٍ لا يدركُ كنهَها العقل.

هنا، يتجلّى الجسدُ كبنيةٍ سرديّةٍ بامتياز؛ فالذاكرةُ لا تستنطقُ الماضي بالوعيِ وحده، بل تُحيلُ المهمّةَ إلى الرائحةِ والدمِ والوجعِ وهذا الثقبِ النابض.

وحين يفوحُ من جرحِ الثقبِ عطرٌ يستعيدُ طيفَ الأخِ الشهيد، تذوبُ المسافةُ بين الجسدِ والذاكرة، ويستحيلُ الجرحُ مأوًى يسكنُ فيه الغائب.

سادسًا: الثقب والوطن

تتسامى الدلالةُ في ذروةِ تجلّيها حين يتماهى “الثقبُ” بفكرةِ “الوطن”؛ إذ يرسمُ الساردُ ملامحَ عالمٍ يبرأُ من الندوب، متخيّلاً صدراً مكتملاً وقميصاً صقيلاً، وحتى حرف “الواو” يطمسه لئلا يتخلّله فراغ، رغبةً في تقويمِ اعوجاجِ الوطن.

تجسّدُ هذه الصورةُ ارتحالَ الرمزِ من حيّزِ الجسدِ إلى فضاءِ الشأنِ العام؛ فالثقبُ الذي انبثقَ بوصفه جرحاً جسديّاً، استحالَ في مرآةِ النصِّ تمثيلاً لوطنٍ مخرومٍ بالضياع.

وفي هذا السياق، تذوبُ الحدودُ الفاصلةُ بين الذاتيّ والمشاع، فيغدو الجسدُ وطناً مُصغّراً، والوطنُ جسداً مُترامياً، وهي الرؤيةُ التي تهبُ النصَّ طاقةً تعبيريّةً تتخطّى حدودَ الحكايةِ الفرديّةِ نحو آفاقٍ إنسانيّةٍ أرحب.

سابعاً: انشطارُ الذاتِ وتشكيلُ الصوتِ الداخلي

لا ينحصر أثر العمل في تشظية العالم الخارجي إلى ثنائيّة الضحية والجلاد، بل يتجاوز ذلك ليشطر كينونة الشخصيّة ذاتها؛ فتغدو الذات موزعةً بين “نصفٍ طيب” و”آخر مضطرب”، و”نصفٍ شريف” و”آخر نقيض”، ما يحيلها إلى ساحة لسجالٍ باطنيّ سرمديّ.

إنّ هذا الانشطار ليس مجرّد براعة تقنيّة، بل هو التجسيد الأسمى للصراع الأخلاقيّ؛ إذ تعجز الشخصيّة عن سرد ماضيها بصوتٍ أحاديّ، فبين ثنايا السرد ينبعث صوتٌ يتذكّر، وآخر يُصوّب، وثالثٌ يسوّغ، ورابعٌ يُدين.

ويتجلّى ذلك بوضوح حين يتدخّل “النصف الآخر” ليُحوّل “المرّة” العابرة إلى “مرّات” متكرّرة، فتتحوّل الذاكرة من مجرّد مستودع للحكايا إلى محكمة لاستنطاق الحقيقة.

تُفضي هذه التقنيّة إلى صياغة ساردٍ “مراوغٍ” بصورةٍ منتجة؛ فهو لا يقدّم نفسه بوصفه سادناً للحقيقة، بل كذاتٍ تشتبكُ في صراعٍ محموم مع مرويّتها الخاصّة.

ثامنًا: الذاكرة مِحكمةٌ لا مستودع

من هذا المنطلق، يُعاد تعريف وظيفة الذاكرة في المتن السرديّ؛ إذ لا تتجلّى الذاكرة بوصفها مخزناً للأحداث الخالية، بل تستحيلُ إلى “منصة قضاء”.

فكلّ استحضارٍ للماضي هو بمثابة إعادة محاكمةٍ لواقعةٍ سابقة، ولهذا نرى الشخصيّة ترتدُّ بوعيها نحو زواجها، وعلاقتها بأخيها، ومراتع طفولتها، ومواقفها تجاه زوجها، وويلات الحرب، لتُعيد تأويل ذاتها في كلّ كرّة؛ وهو ما يمنح العمل عمقاً سيكولوجيّاً رفيعاً.

الماضي لا يستيقظُ نزولاً عند رغبة الذاكرة، بل لكونه لم ينتهِ في وجدان الذات بعد؛ فيستحيلُ “الثقبُ” تجسيداً مادّيّاً لذاكرةٍ لم توصد أبوابها.

تاسعاً: انكسار الزمن

ينساقُ النصُّ وراء تداعي الذاكرة متحرّراً من صرامة التسلسل الزمنيّ؛ حتى إنّ الساعة لتقعُ في دائرة الشكّ حين يصفها السارد وهي تهرولُ إلى الخلف، متمرّدةً على تواقيت العالم.

وليست هذه الصورةُ نتوءاً غريباً عن البناء، بل هي صدىً لتجربةٍ نفسيّة يرتدُّ فيها الزمنُ حقيقةً إلى القهقرى؛ فالحاضرُ يفضي إلى الماضي، والألمُ يعودُ بالذات إلى مرافئ الطفولة، وعبقُ الرائحة يستحضرُ طيف الأخ، ووطأةُ الحذاء تفتحُ جراح الحرب.

ومن هذا المنطلق، يتشكّل الزمن السرديّ بوصفه فضاءً استرجاعيّاً متشظّياً؛ فهو لا يرتهنُ لمنطق التعاقب الزمنيّ، بل يتساءل:

ما الذي يمكن للراهن أن يستدعيه من رماد الماضي؟

وهنا ينجلي الفارق الجوهريّ.

عاشراً: الأخ بوصفه “الذات الممكنة”

إنّ العلاقة بين الأخوين تتجاوز حدود الخيط الدراميّ العابر، إذ ينهض الأخ الأصغر بوظيفة بنيويّة وقيميّة؛ فبينما يتمثّل في رزانته وانضباطه، يرى السارد ذاته في مرآة الاستهتار والتردد. غير أنّ قيمة الأخ لا تكمن في مجرّد كونه نقيضاً للبطل، بل في كونه يجسّد “الذات المحتملة”؛ تلك النسخة التي كان يمكن للشخصيّة أن تؤول إليها.

ومن هنا، يغدو رحيله فاجعةً مزدوجة؛ إذ لا تكتفي الشخصيّة بفقدِ أخٍ، بل تفتقد بفقدهِ نبراساً أخلاقيّاً ومثالاً حيّاً كان يملأُ عالمها.

فبعد مواراته الثرى، لا تنفصمُ عُرى العلاقة، بل تمتدُّ في ملكوتِ الذاكرة؛ حيث يلوذُ الساردُ بضريحه تحت جنحِ الليل، ليبثّه شجونه ويحمّله لواعج غضبه من العالَم.

وهكذا، يتسامى الغيابُ ليصبح حضوراً وجدانيّاً مقيماً، حتى لَيغدو الأخُ الراحلُ في وعي الشخصيّة أكثر سطوعاً وأثراً من جموعِ الأحياء.

الحادي عشر: حذاء الشهيد — حين يستحيلُ الأثرُ إرثاً

تتجلّى ذروة الكثافة السرديّة في ذلك المشهد الذي يستحضر فيه الراوي قصة صبيٍّ ترك له والده، في أعقاب الحرب، حذاءً فضفاضاً اتّسع لخطواتٍ كثيرة، فما كان من الصبي إلا أن آثَرَ به من هو أشد منه عوزاً.

هنا، ينهض الحذاء ليعيد صياغة مفهوم الميراث؛ فحين يعجز الأب عن توريث ابنه حياةً آمنة، يورثه حذاءً، وسرعان ما يستحيل هذا الإرث من ملكيّةٍ خاصّة إلى هبةٍ مشاعة.

هكذا يغدو الحذاء رمزاً مزدوجاً:

يفضح مرارة الفقر،

ويجسد في الآن ذاته جلال الكرم.

وفي هذا التحوّل البديع في “اقتصاد العلامة” داخل النصّ، يصبح الشيء الذي يشي بالخصاصة هو نفسه الذي يعلن عن نبل النفس؛ ليكون الحذاء شاهداً على العوز والترفّع في آنٍ واحد.

الثاني عشر: حذاءُ الباليه.. تجلّي الجمالِ في مَواتِ الخراب

لئن كان الحذاءُ العسكريُّ ينوءُ بثقلِ السلطةِ وسطوتِها، فإنَّ حذاءَ الباليه يحملُ خفّةَ الحُلمِ ورِقّتَه. وحين يستحضرُ الساردُ التماسَ ابنته لذلك الحذاء، تغلبهُ ضحكةٌ صامتةٌ مريرة؛ إذ لا يملكُ قاطنو العشوائيّاتِ المنسيُّون ترفَ التحليقِ في مَداراتِ هذا الحُلم الباذخ.

بيدَ أنَّ عُمقَ المشهدِ يتخطّى حدودَ المفارقةِ الاجتماعيّة؛ فالابنةُ تنشدُ شيئاً لا تدركُ استحالتَه، وهنا ينبثقُ الحُلمُ في أبهى صُورِ براءتِه.

فالمستحيلُ يربضُ في وعيِ الأبِ المثقلِ بالواقع، لا في مخيّلةِ الطفلةِ المنعتقةِ من قيوده، ومن تلك الفجوةِ الوجدانيّةِ يولدُ الألمُ الحقّ.

لم تطفئ الحربُ في قلبِ الطفلةِ وهجَ الرقص، بل أورثت الأبَ عجزاً حالَ بينه وبين تلبيةِ نداءِ طفولتِها؛ ليغدو حذاءُ الباليهِ أكثرَ الأحذيةِ طُهراً، وأشدَّها فصاحةً في إدانةِ قبحِ الحرب.

الثالث عشر: الأحمر — اللونُ الذي يُعيدُ تشكيلَ الذاكرة

يرتقي الرمزُ إلى ذروةٍ شعوريّةٍ مع سطوةِ اللونِ الأحمر، الذي يتواترُ كأنّه لازمةٌ ذهنيةٌ ملحّة: “الأحمر.. الأحمر.. الأحمر”.

وفي عُمقِ هذه الذاكرة، ينبعثُ الحذاءُ من جديد؛ حيثُ يتماهى الأحمرُ بقانيةِ الدماء، ويتجلّى في الوقت ذاته ببريقِ حذاءِ الباليهِ الرقيق.

وهكذا، تتجاورُ في فضاءِ اللونِ الواحدِ صورتانِ غايةٌ في التباعد: بين نجيعِ الموتِ ورقصِ الجمال، تتجلّى ثنائيةٌ تمنحُ اللونَ كينونةً سرديّةً تتجاوزُ حدودَ التزيين؛ فالأحمرُ هنا ليس مجرّدَ صبغةٍ طارئةٍ على المشهد، بل هو المفتاحُ الجوهريُّ لاستنطاقِ الذاكرةِ واستعادةِ الحدث.

المحطةُ الرابعة عشرة: الزوجةُ والقميص — الجرحُ الذي يخطُّه السارد

يغدو من الأهمّيّةِ بمكان ألا نُسقطَ على الشخصيّةِ قناعَ الضحيةِ المطلقة، فالنصُّ يباغتنا باعترافٍ جوهريٍّ يضعُ الساردَ في مَوقعِ المُمارِسِ للعنفِ لا المتلقي له فحسب؛ ففي اللحظةِ التي يُبصرُ فيها زوجتَه متسربلةً بقميصٍ أرجوانيٍّ ابتاعتهُ بمالِها الخاصّ، يصفُ بضراوةٍ كيف استحالَ ضربُه لها تمزيقاً لثوبِها أمام ناظرَيها.

تكتسبُ هذه اللحظةُ مركزيّتَها في الميزانِ النقديِّ كونَها تُهشّمُ القراءاتِ التبسيطيّةَ التي تجنحُ دوماً نحو تقسيمِ العالمِ إلى ثنائيّةٍ حادّةٍ بين الضحيةِ والجلاد.

تجرّع السارد مرارة القهر، لكنّه لم يتركه خلفه، بل حمل شظاياه إلى كنف بيته؛ وهنا تتبدّى براعة النصّ وصدقه، حيث يتناسل العنف السياسيّ ليعيد إنتاج ذاته في صلب العلاقات الخاصّة، فالمسحوق تحت وطأة السلطة قد يستحيل بدوره سلطويّاً على من هم أضعف منه.

هذه الدائرة الأخلاقيّة ترتقي بالعمل من رتبة الإدانة السياسيّة المباشرة إلى آفاق إنسانيّة أكثر غوراً وتركيباً.

خامس عشر: فان غوخ، هيدغر، ودريدا — من تجلّيات الحذاء الفنيّ إلى رمزيّة الحذاء المضمّخ بالدم

تنسج الكاتبة في موضعٍ آخر اشتباكاً معرفيّاً جليّاً مع “حذاء فان غوخ”، مستحضرةً القراءات الفلسفيّة التي قدّمها هيدغر وشابيرو ودريدا حول كينونة الفنّ ودلالات الحذاء الرمزيّة.

يؤدي هذا التناصّ وظيفتين جوهريّتين:

الأولى تكمن في صهر العمل ضمن أفق ثقافيّ يتجاوز حيّزه المحلّي الضيّق،

أما الثانية فتتجلّى في مساءلة المعايير التي تجعل الأثر الفنيّ محطّ حفاوة فلسفيّة وجماليّة بالغة، بينما قد يمرّ حذاء حقيقيّ مضمّخ بالدماء دون أدنى التفات.

إنّ النصّ هنا يستفهم عن ماهيّة القيمة حين تخلعها الفنون على الأشياء، وعن جدوى الوجود الإنسانيّ حين يظلّ خارج أطر التجسيد الفنيّ، وهو تساؤل يمتاز بالحصافة والمشروعيّة.

على أنّ هذا المقطع يكشف في الوقت ذاته عن حاجة ماسّة للاقتصاد اللغويّ؛ إذ إنّ إفراط السرد في بسط مرجعيّاته الثقافية يزيح مركز الثقل من رحاب التجربة الشعوريّة إلى أروقة المعرفة الذهنيّة.

فالنصوصُ تكتسبُ جدارتها حين يغدو المرجعُ الثقافيُّ ضياءً يغمرُ المشهد، لا حين يرتدُّ المشهدُ ذريعةً لاستعراضِ المعرفة.

السادس عشر: السخرية.. استراتيجيّةُ المقاومة وجماليّاتُ الصمود

ليست السخريةُ في هذا العملِ نُكوصًا عن المأساة أو هروبًا من فداحتها، بل هي فنُّ الكينونةِ في قلبِ لُجّتها.

يَبسطُ الساردُ ظِلالَ تهكُّمهِ على شتى مناحي الوجود؛ من الفقرِ والسلطة، إلى الذاتِ والواقعِ الثقافيّ.

وحين يستحضرُ أسطورةَ “التبرّكِ بالأحذية”، فإنّه يُعرّي الوعيَ الذي يخلعُ على المادةِ قوىً تتجاوزُ كينونتها، ليمتدَّ هذا النقدُ الساخرُ من بؤسِ القاعِ وصولاً إلى سَطوةِ العسكرِ وأحذيةِ الجنرالات. إنَّ السخريةَ هنا هي الميزانُ الذي يحفظُ للشخصيّةِ توازنها النفسيَّ وسطَ هذا العالمِ المختلّ.

عوضاً عن استغراق الصوت السرديّ في لُجّة الرثاء، يبتكر لنفسه حيّزاً يتأمل منه المأساة ويغالبها؛ إنّها تلك المسافة النفسيّة الضروريّة للبقاء.

السابع عشر: البيت — السجن الذي لا تحدّه قضبان

في المشاهد الختاميّة، يؤوب السارد إلى بيته ليجده مستباحاً ومشرعاً للنهب، فيصطدم بخواء الصيدليّة بينما تقرع مسامعه جلبة المعتدين.

والأدهى من ذلك أنّ البيت يستحيل زنزانةً، لكنّها زنزانة مواربة؛ فبإمكانه الانعتاق منها، غير أنّ “الخارج” ليس سوى قرين للموت.

وهكذا تتجلّى بنية العمل في مفارقاتها:

فالحذاء الذي صُنع لحماية القدم ينقلب أداةً للقمع،

والبيت الذي أُسّس ليكون مأوىً يغدو قيداً يحاصر ساكنه،

فيتحوّلُ البيتُ من ملاذٍ إلى مَحْبَس، ويستحيلُ الوطنُ من مأمنٍ إلى مبعثٍ للذعر؛ وفي أتونِ هذه التحوّلاتِ تتشكّلُ وحدةُ النصِّ البنيويّة.

الثامن عشر: الحذاء والبيت والوطن — نسيجٌ دلاليٌّ واحد.

عند هذا المنعطف، ندركُ أنَّ العلاماتِ الكبرى في النصِّ ليست شتاتاً، بل هي شبكةٌ متّصلةُ العُرى؛ فالحذاءُ وِقاءُ القدم، والبيتُ جُنَّةُ الجسد، والوطنُ سياجُ البيت.

لكنَّ هذه الوظائفَ الحيويّةَ تعتريها صيرورةُ الانقلاب؛ فيغدو الحذاءُ أداةً للسحق، ويستحيلُ البيتُ زنزانةً ضيّقة، ويتحوّلُ الوطنُ إلى مَدىً مأهولٍ بالخوف.

وهنا تنبثقُ البنيةُ العميقةُ للعمل:

حين يستحيلُ الملاذُ المفترضُ مكمنًا للتهديد، نكونُ بصددِ أحدِ أكثرِ المفاتيحِ ثراءً وخصوبةً في سبرِ أغوارِ هذا النصّ.

التاسع عشر: اللغة في برزخ السرد والشعر

تمتلكُ خولة سامي سليقةً لغويّةً مشبعةً بكثافةٍ شعريّةٍ جليّة، تتوهّجُ ملامحها حينَ تضفرُ الأشياءَ بخيوطِ الحواسِ والذاكرة؛ فالرائحةُ تستحضرُ الأخ، واللونُ يستدعي الابنة، والحذاءُ يوقظُ شجون الحرب، والثقبُ يغدو نذيرًا للموت.

إنّ هذا التماهي يجعلُ من اللغةِ ركنًا عضويًا في تشييدِ المعنى، لا مجرّدَ قنطرةٍ لنقله، غير أنَّ هذهِ السطوةَ اللغويّةَ تحملُ في طيّاتها، على اقتدارها، نزوعًا نحو الفيضِ والاسترسال.

ينزع النصّ آونةً نحو تلاحق الصور وتواتر الاستطرادات، مُثقلاً بالهوامش الشارحة لرموزٍ باتت جليّة للمتلقي؛ ومن منظور نقديّ، كان حريّاً بالنصّ أن يأتمن ذكاء القارئ ليبلغ ذروة سطوته؛ فالعلامة إنّما تستمدّ طاقتها التأويليّة من رحابة الفراغ المحيط بها.

العشرون: الاستطراد — قوةٌ تتبدّى في صورة ضعف.

ما الاستطراد في هذا العمل بهفوةٍ عابرة، بل هو انبثاقٌ أصيل من طبيعة الوعي السرديّ وكينونته.

فالذاكرةُ في وجدانِ الشخصيّةِ لا تستقيمُ في خطوطٍ رتيبة، بل هي وثباتٌ مباغتة؛ ترتحلُ من راهنِ اللحظةِ إلى غياهبِ الماضي، وتتقافزُ من أدنى التفاصيلِ الماديّةِ إلى أسمى الآفاقِ الفلسفيّة، ومن ملامحِ الأخِ إلى طيفِ الزوجة، ومن شجونِ الوطنِ إلى براءةِ الطفولة.

بيدَ أنَّ ما يخدمُ تشكيلَ الوعيِ في سياق، قد يُثقلُ كاهلَ الإيقاعِ في سياقٍ آخر.

ومن هنا تنبثقُ ملاحظةٌ فنيّةٌ جوهرية:

إنَّ النصَّ يكتنزُ بمادةٍ دِلاليّةٍ تفيضُ عن حاجتِه للشرحِ والبيان؛ أي أنَّ بعضَ المواضعِ كانتْ تحتملُ التكثيفَ والاختزالَ دونَ إخلالٍ بالمعنى، بل ربما لتعميقِ مفعولِ الأثر.

وهذا النقدُ لا يمسُّ جوهرَ الرؤية، وإنّما يتعلَّقُ بحُسنِ الاقتصادِ الفنيِّ في الصياغة.

الحادي والعشرون: البنيةُ العميقة — من تفاصيلِ المادةِ إلى كينونةِ الإنسان

يمكن الآن اختزال العمل في مسارٍ تتابعيٍّ واحد:

الحذاء هو المبتدأ.

لكن الحذاء يفضي إلى القدم.

والقدم تستحضر الجسد.

والجسد ينكشف عن جرح.

والجرح يفتح أبواب الذاكرة.

والذاكرة ترتدّ إلى الأسرة.

والأسرة تقود إلى أتون الحرب.

والحرب تؤول في النهاية إلى الوطن.

والوطن يواجه الشخصيّة بسؤالها الوجوديّ الأوّل:

كيف يحيا المرء حينما تستحيلُ الملذات التي يُفترض أن تحميه أدواتٍ تدميه؟

بهذا المعنى، ينسلخ الحذاء عن كونه مجرّد غرض ماديّ في النصّ، ليصبح جسراً يعبر بين طبقات التجربة الإنسانيّة، وتلك هي القيمة السامية للعلامة حين تتبوّأ مركز الرؤية.

الثاني والعشرون: في التصنيف الأجناسي للعمل

يستعصي هذا العمل على الحصر في قوالب “قصيدة النثر” أو “الخاطرة”؛ إذ تنهض بنيته على دعائم سرديّة مكتملة، من شخصيّة وحكاية واسترجاع وتحوّلات دراميّة.

ولعل المقاربة الأدقّ هي اعتباره (نوفيلا/ رواية قصيرة ذات بناء نفسيّ)، تستلهم تقنيّات تيّار الوعي، والمناجاة الداخليّة، وانثيال التداعي الحرّ.

وتتجلّى خصوصيّة النصّ في انكفاء الحدث الخارجيّ أمام سطوة العالم الجوانيّ؛ فالمعركة الكبرى لا تدور رحاها في الميادين الظاهرة، بل في أغوار الشخصيّة وارتدادات الذات، حيث يبدأ الصراع الحقيقيّ لحظة سكون الواقعة العيانيّة.

وهنا تتماهى هندسة السرد مع أغوار النفس، لتصهر الذاتيّ بالموضوعيّ في بوثقة واحدة.

خاتمة:

الحذاء.. ذلك المسكوت عنه في متن الحكاية

تتبدّى عبارة “لا علاقة للحذاء بالأمر” في استهلال العمل كجملةٍ عابرة لا يُلقى لها بال، غير أنّها مع بلوغ الخواتيم، تستحيل مفتاحاً تهكّمياً يفكّك شيفرة البنية النصيّة بأكملها.

فالحذاء ليس تفصيلاً هامشيّاً، بل هو القاسم المشترك في دهاليز الطفولة، ومخالب الفقر، وأوزار الحرب، وعتبات السلطة؛ إنّه يغوص في ثنايا الدم، ويستحضر طيف الأخ، وملامح الابنة، ويمتدّ ليمسّ جوهر التعليم والكرامة وحصون الذاكرة.

إنّه لا يكتفي بحمل ثقل الحكاية على كاهله فحسب، بل هو “المنادي” الذي يستنطق الصمت ويستدعي الأحداث كلّما تجلّى في مشهد.

والأهمّ من ذلك، أنّ الحذاء كائنٌ سائل الدلالة، متمردٌ على القولبة؛ فتارةً هو درع الوقاية، وتارةً هو وسم العوز، ومرةً يتجسّد في جبروت السلطة، وأخرى يغدو أيقونة للمهانة والانكسار.

تارةً يتجلّى كإرثٍ موغلٍ في القدم، وتارةً كحلمٍ غريرٍ لطفلة، ومرةً كأثرٍ باقٍ لشهيد.

أمّا الثقب، فهو الوجه الآخر للسرد؛ تلك الفجوة التي تنفتح في أعماق الروح حين تستعصي الذاكرة على الانغلاق.

من هذا المنطلق، يمكن قراءة العمل في مجمله بوصفه رحلةً وجوديّة، تعبر من جمود الشيء إلى رحابة الإنسان.

بدأت الحكاية بحذاء، وانتهت بجسدٍ أثخنته الندوب، وذاكرةٍ جافاها الكرى، ووطنٍ صار يشبه النزف أكثر مما يشبه الملاذ.

ولعلّ أسمى ما تهمس به الرواية في جوهرها، هو أنّ الأشياء التي نعبُر بها غمار الحياة لا تكتفي بمرافقتنا؛ بل يظلّ بعضها رابضاً على قارعة الطريق، يحرسُ آثار خطانا ويسرد حكايتنا بعد أن يطوينا الغياب.

ما كان للحذاء في ظنّنا من أثر، حتى انجلت الحقيقة عن كونه المعبر الذي انسلّت منه تفاصيل الأمر برمّتها.

 

كاتب من مصر

عن madarate

شاهد أيضاً

مقدمات أساسية في الوعي والنهوض بالثقافة والفكر – حسن إمامي

حسن إمامي*    (هذه مجرد مساهمة واقتراحات لا تكون لها قوة وجود وإمكانية تحقق ما …

اترك تعليقاً