كتاب: “أشواق درعية – العودة إلى الحارة” للكاتب محمد العمري
إعداد وتقديم : إسماعيل محمد فال هموني*
في حديث يتلبسه التاريخي بالوجداني يسرد د. محمد العمري مسارا خاصا من حياته على هيئة ( أشواق درعية) تساجل المكان و تهامس القلب.
بخشوع يقرأ هذا المؤلف بما فيه من قوة السجية ؛ وسحر العفوية ؛ وحنكة الكتابة ؛ مسارات تتلون بالذاتي في هيمنة قوة التأويل التي لا تلين و لا تختفي ؛ وأحيانا تبين و تخفي تتوالى المشاهد من بيت النشأة في واحة من واحات درعة العامرة بما فيها من تآلف و تنافر بين البشر و الحجر حيث يتصادى القديم المعتق بالجديد الذي يحاول الخروج من سطوة الماضي وأهله.
في الكتاب تتواتر الكثير من الوشائج الدالة على المناخ النفسي والاجتماعي وحتى السياسي السائد آنذاك في فترة الاستعمار الفرنسي وبداية الاستقلال وفترة النزوع الى التحرر من قساوة الطابع القبلي و بدونته عروبيا أو امازيغيا وما يستتر تحته من تباينات او جراحات ومشاحنات أو ما يختلجه من كبوات ومن اشرئباب إلى المستقبل.

يعبر بنا د. العمري محاضنه الأولى من الاسرة إلى الكتاب إلى التعليم الأصيل ؛ وما تتناوب عليه من مصادمات وكدمات أو تمرد ذاتي بين تلك الفترات مما وسم نفسه و شخصيته بما هي عليه من قوة او ارتخاء.
ليس سهلا تخرج من عين الإبرة- وانت مشرح للوأد أو الاغتيال المبكر – سالما معافى دون تتلقى الصفعات أو الخذلان.
ينسج د. العمري سيرة كما تنسج الأمازيغيات نسيجهن بإتقان وفرادة ” النسيج فضيلة الأمازيغيات” (ص: 24).عبر رؤية استرجاعية تخطت الابواب للوصول إلى الحارة عبر رحلتي الصيف والشتاء ؛ وما يلحق بهما من أعطاب أو أوصاب.
في المنازل الطينة كانت النشأة الاولى ” منازلنا حية كالأقدام والأصابع ؛ تجف وتتشقق ؛منازلنا جلود فوق جلودنا ؛ خطوطنا الدفاعية الأولى “(ص: 31).
وتكمل الفصول دورتها غير أن فصلين هما الأظهران ” ما الربيع غير سلم نتسلقه نحو الصيف ؛ نحو الخصوبة نحو الحرية ” (ص: 33). ومع ذلك لا يفوت صاحب السيرة أن يؤكد أن ” بداية الحب دائما بهذا الالتباس ؛ في الحب تتداخل الفصول “. (ص:40)
هي أبواب جعلها المؤلف :
- باب الأزمنة وتقلبات الأيام ؛
- باب فصل المقال فيما بين الحيوان والانسان من اتصال ؛
- باب الخروج؛
- باب المراثي.
يبدو ان التبويب نفسه مرجع لتأصيل السيرة من خلال الطوارئ والمفاجآت التي تعلق بالذاكرة أثناء تقلبات الحياة ؛ فالزمن طبعه المغايرة والتحولات ؛ وفي ذلك عبرة ودروس تكتسب بالاحتكاك والمعاناة.
ومن المخالطة للبشر والحيوان تنشأ علاقات و اختلافات تتبين حقائقها و مراتب أحقيتها في الفرز من الكائنات والكينونات.
وقد ينشأ عن هذه الوضعيات أو يورث المرء بعض الجينات وعيا منه أو من دونه ” وهذا أمر قد يكون مما يورث ؛ والله أعلم :(ص: 119)
يبدو أن د. العمري يلتقط التفاصيل التي شكلت وعيه حتى أضحت خارطة تعينه على تلمس ماهية شخصيته و تفكيره ؛ والسمت الذي نحتته في هويته.
شخصية عاشت مخاضات مثيرة ومحنا شديدة عاشت جبروتها ؛ وقاومتها بكبرياء وصلابة جبال الأطلس الكبير لا تحفل بتهديد ؛ ولا تخضع لمساومة .
في باب الخروج شساعات أخرى
الخروج من القصر وبيتوته الطينية؛ وكسر جدار الصمت ؛ والالتقاء بالبحر وعوالمه الساحرة ؛ ثم الكتاب المختلط حيث البنين والبنات على دكة واحدة تحت إشراف الوالد الفقيه.
ومع جمعية علماء سوس ( أهل العزم ) يفتح باب الحكمة ؛وتهشم قصور الكلاوي المنيعة وتتخذ منها فصول الدراسة للتعليم الأصيل بصفة رسمية ؛ وتنسج خيوط أخرى من طلب العلم و ما صاحبه من تربصات ومنغصات إلى استوى العود؛ واستوى قوته الصلبة ليشخص بفراده سويا بين أنداده عابرا أسوارا وحواجز جمة.
في باب المراثي / الباب الأخير:
يستسلم المؤلف لدمعه حين يبوح ما لا يمكن كتمانه ؛ علاقته بالوالد والوالدة (رحمهما الله ؛ وأسبل عليهما غفرانه):
” أجدني وأبي كالسائرين جنبا لجنب على خطين متوازيين غير متنابذين ولا متقابلين ؛ يحس أحدنا بوجود الآخر ؛ ويستأنس به ولا يكاد يراه ؛ كأنه احتواه . قد تضطرب الخطا فيقع احتكاك خفيف ؛ وقد يلتفت أحدنا إلى الآخر يسرق النظر أو يرسل رسالة غامضة”. (صص: 235-236).
” وأجدني مع الوالدة وجها لوجه ؛ تسير وعينها في عيني؛ تنظر إلي لا تبالي بما يصيبها جراء ذلك من عثرات. أنا وإياها كحاملي كتلة من طرفين متقابلين ؛ لا بد لأحدهما أن يعاني متاعب التراجع إلى الوراء؛ كانت ذلك الواحد المتراجع إلى الوراء؛ تنقل خطواتها في المجهول لتنظر إلي على الدوام(ص236).
ويختم قوله بجملة ثمينة كالدر:
” الأم لا بد أن تبقى؛ هي آخر ما يبقى من دنيانا ” (ص:236)
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
