الرئيسية / الأعداد / أزمة القيم وتراجع البعد الإنساني في المجموعة القصصية “تحت الأنقاض” للقاصة سلوى آيت علي – أسامة لحفيظ

أزمة القيم وتراجع البعد الإنساني في المجموعة القصصية “تحت الأنقاض” للقاصة سلوى آيت علي – أسامة لحفيظ

أزمة القيم وتراجع البعد الإنساني في المجموعة القصصية “تحت الأنقاض” للقاصة سلوى آيت علي 

أسامة لحفيظ*

تقديم: حول منجز سلوى آيت علي:

ويعتبر منجز القاصة سلوى آيت علي منجزا فريدا وغنيا بامتياز، وتعود فرادتها إلى أسلوبها الرصين في الكتابة وطريقة نسجها للأفكار والربط بينها في عوالم حقيقية ومتخيلة، كما تجمع بين المتناقضات والتقابلات للوصول إلى المعنى بشكل مثير للنظر والإعجاب، وكذا تطرق سلوى آيت علي في منجزها الغني قضايا راهنية لها جدواها وفاعليتها، وكذلك تسلط الضوء على مواضيع جمة منها ما هو تاريخي وسياسي واجتماعي وثقافي إبداعي… كما تنم فرادة أسلوبها وتنوع كتاباتها عن كونها قارئة نهمة وشغوفة بالقراءة والبحث والكتابة، باعتبار أن وراء كل كاتبة متميزة قارئة متميزة، ولهذا يستحق منجزها الإبداعي كل التقدير والاهتمام والاحتفاء به، وانسجاما مع هذا الكلام يقول القاص حسن شويري: “إن ما يجعل الذات القاصة، بوصفها جزءا من هذا العالم تحت الأنقاض ورحمته هي، أحلامها الباردة وأناملها غير الملوثة الساعية لرصد هوامش الحياة وتقريب آلام القلوب المنسية الممنوعة من النوم بفعل نضوب الإنسانية وخريف القلوب، ما جعل سلعة الحب بين البشر ثمينة، وتحقيق السعادة المختلفة رهينة بدواخل الذوات الإنسانية جميعا. إن ما قدمته الكاتبة سلوى آيت علي في هذا العمل القصصيّ الفريد ينضاف إلى المنجز القصصي المغربي ويستحق أن يولَى اهتماماً قراءةً ونقداً”. ولهذا ارتأينا إلى القيام بقراءة نقدية في إحدى المجموعات القصصية للقاصة سلوى آيت علي وهي المجموعة القصصية “تحت الأنقاض”، الصادرة عن دار ديوان العرب للنشر والتوزيع، مصر – بور سعيد، في طبعتها الأولى 2023 م، ويبلغ عدد صفحات هذه المجموعة القصصية 60 صفحة، معرفين بها ومتوقفين عند فرادة أسلوبها ولغتها، وقيمها وبعدها الإنساني، وأهم العبر المستفادة منها، وذلك وفق المحاور المقترحة.

 أولا: قراءة في عتبات المجموعة القصصية

أ_ عنوان المجموعة القصصية:

يعتبر العنوان أهم عتبة من عتبات الكتب ومنه ندخل ونلج فضاءات النصوص، ويقول حوله الدكتور سعيد يقطين: “ولا يمكن للباب أن يكون بدون عتبة. تسلّمنا العتبة إلى البيت، لأنه بدون اجتيازها لا يمكننا دخول البيت”[1]، وللعنوان وظائف متعددة ومن بينها الوظيفة الإغرائية التي يقول عنها عبد الحق بلعابد: “تعد الوظيفة الإغرائية من الوظائف المهمة للعنوان، المعول عليها كثيرا على الرغم من صعوبة القبض عليها، فهي تغرر بالقارئ المستهلك بتنشيطها لقدرة الشراء عنده، وتحريكها لفضول القراءة فيه، والقاعدة المنظمة لهذه الوظيفة قد وضعت منذ قرون في مقولة « Furetière »: “العنوان الجيد هو أحسن سمسار للكتاب”، وهذا الجمال ليس القيمة الوحيدة للعنوان، فهو ذو قيمتين، قيمة جمالية تنشرط بوظيفته الشعرية التي يبثها فيه الكاتب، وقيمة تجارية سلعية تنشطها الطاقة الإغرائية التي تدفع بفضول القراء للكشف عن غموضه وغرابته”[2]، وتتجسد الوظيفة الإغرائية للعنوان في المجموعة القصصية “تحت الأنقاض” في كونه يثير نظر القارئ ويدعوه إلى قراءته واكتشاف عوالمه، ومن الناحية الدلالية يدل عنوان  “تحت الأنقاض” على المعاناة والخراب والدمار؛ فكلمة “تحت” تشير إلى السحق، الاحتجاز، والتهميش، بينما تُحيل كلمة “الأنقاض” إلى الدمار والخراب (سواء كان دماراً مادياً جغرافياً أو دماراً نفسياً واجتماعياً). وبالنسبة إلى البعد النفسي والرمزي للعنوان يوحي بأن الشخصيات داخل هذه المجموعة القصصية تعيش في ظل أزمات ثقيلة، أو تحاول البقاء على قيد الحياة تحت ركام الخيبات أو الحروب أو الصدمات النفسية.

ب_ غلاف المجموعة القصصية:

بالنسبة إلى غلاف المجموعة القصصية ينقسم إلى قسمين غلاف الواجهة الأمامية وغلاف الخلفية، نبدأ بالحديث عن عناصر الواجهة الأمامية:  يطغى اللون الأسود والداكن على غالبية الغلاف، مما يضفي طابعاً من الغموض، والسوداوية، والحزن، ويُبرز حالة العزلة المحيطة بمركز الصورة، ونجد أول عنصر هو عنوان المجموعة القصصية “تحت الأنقاض” في أعلى الواجهة، حيث كتب بخط مائل مضغوط بارز فيه دلالة على موضوع المجموعة القصصية الأساسي الذي هو المعاناة والدمار والخراب وكذا تدهور الوضع الإنساني والقيمي في مجتمع تقسو فيه القلوب، ودائما مع العنوان لنتحدث هذه المرة عن اللون الذي كتب به وهو اللون الأبيض الناصع فيه دلالة على الصفاء والخير والأمل رغم كآبة المعاناة وتدهور الأوضاع، والبياض أيضا يجعل العنوان بارزاً بوضوح فوق الخلفية السوداء لإغراء القارئ، وفي وسط الواجهة الأمامية يظهر شخص يرتدي رداءً داكناً ويحمل فانوساً صغيراً، يقف أمام فتحة جدار مهدم يطل على كومة ضخمة من الأنقاض والركام. ويمثل ضوء الفانوس الضئيل الذي يمسكه الشخص والخلفية المضاءة بأسفل السماء أمل البحث عن الحقيقة، أو المحاولة المستميتة للبقاء والنجاة وسط الخراب. وتعمل البوابة الحجرية المتهدمة كإطار فني ينقل الناظر من الظلمة الكثيفة في الخارج إلى عالم الأنقاض المفتوح في الداخل. وفي أعلى الواجهة أسفل العنوان من جهة اليمين نجد عبارة “المجموعة القصصية” التي تدل على نوع هذا العمل الإبداعي، وأسفل الواجهة من اليمين نجد اسم القاصة “سلوى آيت علي” منسجة هذا العمل، وفي جهة اليسار نجد شريط “الطبعة الأولى” صُمم الشريط باللون الأحمر لإبراز النسخة   وإعطاء تباين بصري سريع للعين.

وبخصوص الواجهة الخلفية للمجموعة القصصية يطبعها اللون الأسود كذلك، ونجد في الأعلى من جهة اليمين صورة القاصة سلوى آيت علي، التي تطل علينا بصورتها المُستنيرة وبابتسامتها العريضة، ومن خلال السواد الحالك الذي يرمز إلى الظلم والمعاناة والدمار تبرز سلوى آيت علي بصورتها المشرقة، كأنها تقول لنا إنها تسعى جاهدة وستبقى مُستميتة إلى تغيير الوضع المُتدهور، عن طريق الكتابة ودعوة الإنسانية إلى التحلي بالقيم النبيلة لتُخرجها من أزمتها التي تتخبط فيها. وفي أعلى الواجهة الخلفية دائما بجانب صورة القاصة نجد إعادة كتابة عنوان المجموعة القصصية “تحت الأنقاض” لإبرازه وجذب انتباه القارئ إليه، وتحت الصورة والعنوان نُلفي فقرة مُقتطفة من قصة “خريف القلوب” تُبرز فيها القاصة حقيقة الحياة وتتساءل عن جوهر الإنسانية.

ثانيا: قضايا المجموعة القصصية ومضمونها

تقارب هذه المجموعة القصصية العديد من القضايا والمواضيع، منها قضية الشعوذة في المجتمع، من خلال الثقة العمياء في خرافات الشعوذة من قبل شخصيات مرموقة في المجتمع لم يحقق لها المال كل شيء، وإقبال هذه الفئة على الشعوذة راجع إلى ضعف اليقين بالله تعالى وقلة الوعي، كما تصور هذه القصة جشع الذوات اللئيمة التي تلهث وراء المال الذي حجّر قلوبها وأفقدها الإحساس بالإنسانية. تتابع القاصة حديثها عن صدئ القلوب وفقدها الإحساس بالإنسانية هذه المرة في عالم السجن الذي يقسو على السجناء ويسلبهم حريتهم، ويقطع حبل وريدهم بعائلاتهم، أما عن أنواع التعذيب فحدث ولا حرج. وكذلك تسلط المجموعة القصصية الضوء على تسلّط شبح الفقر وقسوة القلوب على بعض الفئات الضعيفة في المجتمع ومنها الأطفال الذين يبتاعون في الشوارع، قصد الحصول على بعض الدينارات لعلها تسدّ جوع المتوحشين الذين يرأسونهم. وكذا لم يسلم سكان القصدير من جلد سياط الحاجة والتهميش اللذان أنهكاهما إلى درجة فقْدِ الأحباب تحت الأنقاض. القلوب قست حتى على من يعيشون في الشارع ولا مأوى لهم، والذين جمدت المعاناة أحلامهم، لكن رغم ذلك فهم يبتسمون تفاؤلا بحياة أفضل وصحوة الإنسانية من غفوتها. وأيضا الحياة قست حتى على الأرامل الذين يشتغلون في ضيعات فلاحية تحت قسوة أصحابها وتحجّر قلوبهم، وبلغت القسوة بهم حتى تم اعتبارهم سلعة ثمينة عن طريق المُتاجرة في صحتهم والعبث بحياتهم من قبل أشخاص معتوهين يلهثون وراء المال، تصلبت عقولهم وقلوبهم وفقدوا الإحساس بالآخرين. ومن الواضح أن قسوة الإنسانية طالت الشارع أيضا الذي أصبح يفوح منه تلوث سمعي وأعمال خبيثة زادت الوضع سوءا، ناهيك عن تدهور فئة الشباب الذين يحملون شواهد وأحلام لم يُكتب لها أن تتحقق بعد، وما زاد من انهيار المجتمع هو انتشار السرقة وكثرة القيل والقال بدون نتيجة، وتوالي المصائب بفقْدِ الأحباب، لكن رغم هذه الأنقاض التي تلفّ الحياة نتفاءل خيرا بعودة الحياة إلى مجاريها.

ثالثا: لغة المجموعة القصصية

تعتبر لغة هذه المجموعة القصصية لغة فريدة من نوعها، تكتسب فرادتها من نواحي متعددة منها فرادة وعبقرية كاتبتها سلوى آيت علي المثقفة والمعروفة بكتاباتها الرصينة والماتعة في الآن نفسه، كما تعود فرادة هذه المجموعة القصصية إلى توفيقها في اختيار عنوان وصورة غلاف ينسجمان مع بعضهما البعض ومع القضايا المطروحة.

فقد وظفت القاصة سلوى آيت علي لغة سردية وشعرية قوية تقوم على التعددية والرمزية والإيحاء وتفتح باب التأويل للقارئ، كما اعتمدت القاصة لغة فصيحة وسهلة تقترب من لغة الحديث اليومي ليسهل على جميع طبقات المجتمع استيعابها، كما تنم اللغة عن خلفيات الشخصيات الثقافية وعن رؤيتهم للكون، وكذلك أمتعتنا القاصة بتنويع القصص والشخصيات والأحداث… بغية تكسير رتابة السرد وإضفاء بعد جمالي على المجموعة القصصية، لكن رغم ذلك يجمع بين القصص خيط ناظم وهو تراجع البعد الإنساني وأزمة القيم.

رابعا: تراجع البعد الإنساني وأزمة القيم في المجموعة القصصية

قبل كل شيء سنورد بعض التعاريف الاصطلاحية لمصطلح “القيمة”، لنتبين مفهوم هذا المصطلح، “تتمحور مختلف التعاريف للقيم حول كونها مجموعة من القوانين والمقاييس تنبثق عند جماعة ما، وتتخذها معايير للحكم على الأفكار والأشخاص في تمظهرهم الفردي والجماعي وكذا الحكم على التصرفات والمسلكيات، ويكون للقيم من القوة والتأثير على الجماعة، ما يحيطها بصفة الإلزام والضرورة والعمومية، وأي خروج عليها أو انحراف عن اتجاهاتها، يصبح خروجا عن مبادئ الجماعة وأهدافها ومثلها العليا، فالقيم إذن هي موجهات السلوك وضوابطه وموازينه، وهي حراس الأنظمة وحامية البناء الاجتماعي ومفعِّلته”[3].

ويقول الدكتور عادل العوا: “ليست القيم الأخلاقية (قيم-أشياء) ترتبط بالعمل الإنساني، بل إنها (قيم أشخاص) و(قيم-أعمال) ترتبط بالعمل من حيث الإرادة والنية. وعلى أساس هذه القيم ينهض صرح الاستحسان أو القدح، وتنضح عاطفة المسؤولية أو الشعور بالخطيئة… فالقيمة الأخلاقية تتصل بالشخص، أو تتصل بفعل من أفعاله: الاستقامة، الأمانة، الثقة، البذل، روح التضحية، الخ… ومن المحال أن تزعم بأن الفضيلة «تكفي ذاتها بذاتها»”[4].

يتضح من خلال التعاريف السابقة أن القيمة هي مجموعة من القوانين والأحكام التي تصدر من جماعة ما بصفة الإلزام، وأي خروج عنها فهو خروج عن مبادئ الجماعة، وكذلك تؤكد التعاريف السالفة بأن القيمة معيار للحكم على الأشياء، وأيضا القيم تتعدى الإرادة والنية إلى التجسيد والتفعيل عن طريق السلوك القويم، وبهذا يتحقق صلاح الفرد والمجتمع.

من الواضح أن العصر الحالي يتّسم بأزمة قيم وتراجع للبعد الأخلاقي، وانتشار سلوكات سلبية بين الناس كممارسة الشعوذة وقلة العلم واستغلال حقوق وكرامة الإنسان… وفي هذا الخصوص تقول جاكلين روس: “عصرنا هو عصر إفلاس المعنى والفراغ الأخلاقي الذي يدل على زوال المرجعيات التقليدية”[5].

وبهذا طرحت القاصة سلوى آيت علي أسئلة عميقة في المجموعة القصصية “تحت الأنقاض” لتدعونا كقراء للإجابة عنها وإعادة النظر في أحوالنا، لكي نتغير إلى الأفضل، وهذه الأسئلة من قبيل: “هنا، حيث المقابر، حيث الأحياء الحقيقيون، حيث الأرواح تنبض ذكريات، وصدى أصواتهم وابتساماتهم، حيث صورهم، روائحهم، وكلّ شيء إلا حضورهم وعناقهم… ونحن من نحن؟ ربّما نحن عوالم تطفو فوق سطح هذه الحياة اللعينة، أرواح تائهة أضاعت وجهتها، نحن جثث شيدتها الحياة على نعش الانتظار”[6]. “الجوع الحقيقي هو جوع النفوس من الإنسانية، الجوع إلى كلمة حقٍّ في زمن طغت فيه “نعم” الخبيثة المنبطحة للرعناء، الجوع لأن نمنع بسلطتنا عن الآخرين حقوقهم، لأن نسمح لهم بالتمتع بكامل حريتهم دونما أي قمع وحرمان في حقهم وحق عائلاتهم، لأي سبب كان”[7].

“ظللت أتساءل مرارا في قرارة نفسي: هل حقا المال لا يحقق كل شيء؟ يُشاع أن المال سرّ السعادة، بل هو السعادة ذاتها، فكيف نلتجئ إلى وسائل غيره وهو محقّقها؟ أوليست هي المبتغى والهدف الأكبر؟!”[8]، تتساءل القاصة سلوى آيت علي عن جوهر الإنسانية في الأحياء الذين فقدوا معناها وأصبحوا كعوالم غريبة تطفو فوق سطح الحياة، ويعتبر الأموات هم الأحياء الحقيقيون بكونهم جسّدوا الإنسانية في أحسن صورها في معاملاتهم وأخلاقهم وأقوالهم في زمن ساد فيه الخير والصلاح، مقارنة بزمان هذا العصر الذي تراجعت فيه الإنسانية تراجعا كبيرا.

ويقول عطوي عبد الله: “لقد تبلورت مسألة الصراع بين الإنسان والبيئة الطبيعية، حيث أصبحنا نعيش في عصر تكتنفه المتناقضات وتلتهمه الماديات، وأضحى الإنسان أسير فوضى منظمة، فوضى زادته صراعا مع الحياة، وصراعا مع المجتمع، يلهث وراء المادة حتى أضحى أو يكاد أسيرا لوسائل عيشه التي ابتكرها”[9].

ويمكن أن نسم أزمة القيم في الواقع الحالي بمفهوم التلوث الأخلاقي قياسا على التلوث البيئي، وفي هذا الصدد يقول قراوي حمزة وشابي أمينة: “ويعتبر التلوث الأخلاقي من أخطر أنواع التلوث على الإطلاق، لأن الأخلاق هي الركيزة الأساسية التي يقوم عليها أي نشاط إنساني، فهي الأداة التي تنظم الحياة الاجتماعية من كل جوانبها التعبدية والتعاملية، ومن هنا فإن افتقاد الإنسان للأخلاق السليمة ينعكس أثره بصورة سلبية على تعاملاته وبيئته التي يعيش فيها، لأن البيئة الصحية النظيفة تحتاج إلى إنسان لديه من القيم الأخلاقية، ما يجعله يغار على بيئته ويسعى جاهدا للمحافظة عليها”[10].

التلوث الأخلاقي إذن خطير جدا ويؤثر على حياة الإنسان بالسلب، باعتباره يُضعف علاقاته ويجعلها أكثر هشاشة، ويُساهم في انتشار ثقافة الاستهلاك، وانقلاب موازين القيم رأسا على عقب.

وأشارت القاصة سلوى آيت علي إلى مظاهر أخرى لهذا التلوث الأخلاقي، تبدت في شيوع الخرافات والشعوذة والكذب ونمط تفكير خاطئ، والتلذذ بتعذيب الآخر، وقلة احترام الصغير وتوقير الكبير ورحمة المحتاجين في الشارع، كشفت القاصة عن كل هذه المظاهر بأسئلة ثرية وعميقة دائما حول الشخصيات التي اختارتها في مجموعتها القصصية، “هل هي من ضحايا تعليم وتعلم فشلا في تشكيل عقلا جماعي يحتكم لنتائج العلم والمنطق بعيدا عن الخرافات، بل علاقات قائمة على أسلوب حياة متقدم وحداثي ونمط تفكير وسلوكيات نفسية واجتماعية مرتهنة للخرافة والممارسات الغيبية؟ “[11]، “مازلت مسترسلا في سبر أغوار هذه الذات اللئيمة بطبعها، التي تغريها الملذّات لتتفنّن في إيذاء بني جنسها دون رحمة! “[12]، “أتساءل كيف للمارة تحمّل منظره هكذا في كل مرة وحين؟ ما الذي أفقدنا إنسانيتنا إلى هذا الحد الفظيع؟ إن الأمر لا يختلف عن رؤية جريمة بشعة وعدم الاكتراث لها! “[13].

وإذا ما أردنا الخلاص والخروج من أزمتنا القيمية وتجاوز تراجع البعد الإنساني، ينبغي علينا تحري الصدق في كل شيء في أفعالنا وأقوالنا وأخلاقنا، وفي علاقتنا مع خالقنا وأنفسنا وغيرنا، وكذا التحلي بالقيم الفاضلة النبيلة، وكذلك احترام الآخر المختلف عنا لونا ودينا ولغة، وانسجاما مع هذا الكلام يقول محمد الجلالي: “وأول خطوة لحماية كرامة الإنسان، وصيانة حقوقه، هي التزام الصدق، ومحاربة الكذب، والانسجام مع المعايير الأخلاقية الكونية؛ المؤسسة على مبادئ العقل المتجرد من كل إيديولوجية إقصائية وتشويهية. إن الصدق هو مفتاح خلاص الإنسان؛ الذي لا تصدق أفعاله إلا بصدق طويته ونواياه، فمن العلامات الدالة على سلامة المجتمع، وعلى حكمة أفراده توفر شرط الصدق في الإيمان، والفضيلة في السلوك، وهو ما يتناقض مع الواقع الذي تروج فيه الأكاذيب بكل أصنافها”[14].

وبهذا الشكل سنتجاوز أزمة القيم التي أصبحنا نعيشها في العصر الحالي والتي تحتفي بالقيم المادية في مقابل القيم الأخلاقية.

 خلاصة:

وخلاصة القول إن المجموعة القصصية “تحت الأنقاض” قاربت العديد من القضايا والمواضيع، منها قضية الشعوذة في المجتمع، كما تصور هذه القصة جشع الذوات اللئيمة التي تلهث وراء المال الذي حجّر قلوبها وأفقدها الإحساس بالإنسانية. تتابع القاصة حديثها عن صدئ القلوب وفقدها الإحساس بالإنسانية هذه المرة في عالم السجن الذي يقسو على السجناء ويسلبهم حريتهم، وكذلك تسلط المجموعة القصصية الضوء على تسلّط شبح الفقر وقسوة القلوب على بعض الفئات الضعيفة في المجتمع ومنها الأطفال الذين يبتاعون في الشوارع، وكذا لم يسلم سكان القصدير من جلد سياط الحاجة والتهميش اللذان أنهكاهما إلى درجة فقْدِ الأحباب تحت الأنقاض. القلوب قست حتى على من يعيشون في الشارع ولا مأوى لهم، والذين جمدت المعاناة أحلامهم، لكن رغم ذلك فهم يبتسمون تفاؤلا بحياة أفضل وصحوة الإنسانية من غفوتها. وأيضا الحياة قست حتى على الأرامل الذين يشتغلون في ضيعات فلاحية تحت قسوة أصحابها وتحجّر قلوبهم، وبلغت القسوة بهم حتى تم اعتبارهم سلعة ثمينة عن طريق المُتاجرة في صحتهم والعبث بحياتهم من قبل أشخاص معتوهين يلهثون وراء المال، تصلبت عقولهم وقلوبهم وفقدوا الإحساس بالآخرين. ولتبليغ ذلك وظفت الرواية لغة سردية وشعرية قوية قائمة على التعددية والرمزية والإيحاء، تفتح باب التأويل للقارئ، وهي أقرب إلى  لغة الحديث اليومي تعكس وعي الشخصيات التي تركت لها القاصة حرية التعبير عن ذواتها بلغتها، عسى تكون أقرب للمتلقي وتوهمه بواقعية الأحداث، وتحول السرد من ضمير المتكلم المفرد (أنا) إلى ضمير المتكلم الجمع (نحن) وبذلك تكون المجموعة القصصية قد سعت إلى توريط المتلقي الذي يشعره ضمير المتكلم وهو يقرأ المجموعة القصصية بأنه هو من يعيش التجربة ومن يحكي عنها، وأنه قاص وموضوع قصة، فتحوله من مجرد متلقي سالب إلى متفاعل إيجابي مع تنامي الأحداث، ومع تطور الشخصيات النامية التي تطورت مواقفها مع تطور الأحداث، وهو ما تجاوز بالمجموعة القصصية حدود الواقية الانتقادية التي تكتفي بنقد الواقع وإبراز عيوبه إلى الواقعية الثورية التي يثور فيها الأبطال على واقعهم فيحددون مسار حياتهم، ويساهمون في رسم مستقبلهم.

 باحث من المغرب

لائحة المصادر والمراجع:

  • جاكلين روس: الفكر الأخلاقي المعاصر، ترجمة: عادل العوا، عبيدات للنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 2001.
  • الرابطة المحمدية للعلماء: سؤال الأخلاق والقيم في عالمنا المعاصر، تقديم: أحمد عبادي، سلسلة ندوات علمية (4)، الدار البيضاء – المملكة المغربية، أعمال الندوة العلمية الدولية التي نظمتها الرابطة المحمدية للعلماء، أيام: 25-26-27 ماي 2011م.
  • سلوى آيت علي: تحت الأنقاض، دار ديوان العرب للنشر والتوزيع، مصر – بور سعيد، الطبعة الأولى، 2023.
  • عطوي عبد الله: الإنسان والبيئة، مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر، بيروت، (د-ط)، 1993.
  • عادل العوا: القيمة الأخلاقية، مطبعة جامعة دمشق، (د-ط)، 1960.
  • عبد الحق بلعابد: عتبات جيرار جنيت من النص إلى المناص، تقديم: سعيد يقطين، منشورات الاختلاف، الطبعة الأولى، 2008.
  • قراوي حمزة وشابي أمينة: التلوث الأخلاقي في المدينة وأزمة القيم، مجلة الفكر المتوسطي، المجلد 12، العدد 1، 2023.
  • محمد الجلالي: أزمة القيم الحديثة والحاجة إلى الأخلاق الإيمانية: قراءة في فلسفة محمد عزيز الحبابي، مجلة نماء، مركز نماء، مصر، مجلد 7، العدد 1، 2023.

[1]_ عبد الحق بلعابد: عتبات جيرار جنيت من النص إلى المناص، تقديم: سعيد يقطين، منشورات الاختلاف، الطبعة الأولى، 2008، ص: 13.

الإحالات

[2]_ عبد الحق بلعابد: عتبات جيرار جنيت من النص إلى المناص، ص: 85.

[3]– الرابطة المحمدية للعلماء: سؤال الأخلاق والقيم في عالمنا المعاصر، تقديم: أحمد عبادي، سلسلة ندوات علمية (4)، الدار البيضاء – المملكة المغربية، أعمال الندوة العلمية الدولية التي نظمتها الرابطة المحمدية للعلماء، أيام: 25-26-27 ماي 2011م، ص: 7.

[4]– عادل العوا: القيمة الأخلاقية، مطبعة جامعة دمشق، (د-ط)، 1960م، ص: 110.

[5]_ جاكلين روس: الفكر الأخلاقي المعاصر، ترجمة: عادل العوا، عبيدات للنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 2001، ص: 12.

[6]_ سلوى آيت علي: تحت الأنقاض، دار ديوان العرب للنشر والتوزيع، مصر – بور سعيد، الطبعة الأولى، 2023، ص: 54.

[7]_ المرجع نفسه، ص، ص: 16، 17.

[8]– سلوى آيت علي: تحت الأنقاض، ص: 8.

[9]_ عطوي عبد الله: الإنسان والبيئة، مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر، بيروت، (د-ط)، 1993، ص: 7.

[10]_ قراوي حمزة وشابي أمينة: التلوث الأخلاقي في المدينة وأزمة القيم، مجلة الفكر المتوسطي، المجلد 12، العدد 1، ص: 733.

[11]_ سلوى آيت علي: تحت الأنقاض، ص، ص: 7، 8.

[12]_ المرجع نفسه، ص: 10.

[13]_ المرجع نفسه، ص: 29.

[14]_ محمد الجلالي: أزمة القيم الحديثة والحاجة إلى الأخلاق الإيمانية: قراءة في فلسفة محمد عزيز الحبابي، مجلة نماء، مركز نماء، مصر، مجلد 7، العدد 1، 2023، ص، ص: 31، 32.

عن madarate

شاهد أيضاً

مقدمات أساسية في الوعي والنهوض بالثقافة والفكر – حسن إمامي

حسن إمامي*    (هذه مجرد مساهمة واقتراحات لا تكون لها قوة وجود وإمكانية تحقق ما …

اترك تعليقاً