صدور رواية: “عبروا بلا ظلال” للكاتبة السورية عبير خالد يحيي

ليست كل الغيابات نهاياتٍ للحكايات؛ فبعضها يفتح أبواب الذاكرة على أسئلة الهوية والمصير، ويحوّل البحث عن الحقيقة إلى مقاومة للنسيان. من هذا الأفق تتشكل رواية /عبروا بلا ظلال/ للكاتبة عبير خالد يحيي، الصادرة عن دار توتول للطباعة والنشر والتوزيع، في 434 صفحة، حيث تتقاطع مصائر الشخصيات مع آثار الفقد والاختفاء وتبدّل الهويات.
تتخذ الرواية من البحث الذي تخوضه ليلى ونورا وكايا وعمران عن أطفال اختفت آثارهم أو تبدلت أسماؤهم مدخلًا إلى قضية إنسانية تتجاوز حدود الحكاية الفردية، لتلامس حق الإنسان في امتلاك سيرته، وحق الذاكرة في مواجهة المحو.
فالاسم هنا ليس علامة تعريف فحسب، بل جزء من هوية مهددة بالضياع، والوثيقة ليست دائمًا ضمانة للحقيقة، بل قد تصبح موضع مساءلة حين تتعارض مع الشهادة والذاكرة.
تتجلى البؤرة الفكرية للرواية في الصراع بين محو الإنسان واستعادة حقه في الوجود والذاكرة.
فمن خلال البحث والاستقصاء، تتكشف هشاشة الروابط التي تصل الفرد بماضيه، وتبرز قدرة الوقائع القاسية على تمزيق الصلات العائلية وإرباك الهوية. وهكذا يتحول السؤال عن مصير المفقودين إلى مساءلة أخلاقية لواقع يستطيع أن يسلب الإنسان اسمه وحكايته، فيما يترك ذويه أسرى الاحتمالات.
ويؤدي البحث وظيفة ديناميكية في البناء السردي؛ إذ تقود كل معلومة إلى سؤال جديد، وتفتح الشهادات والوثائق مسارات متشابكة لا تمنح القارئ يقينًا نهائيًا بسهولة.
وتغدو حركة الشخصيات نحو الحقيقة حركةً في طبقات الذاكرة أيضًا، حيث تتجاور المعرفة الجزئية مع المجهول، ويظل استرداد الماضي فعلًا شاقًا لا تضمن نهايته خلاصًا كاملًا.
ويتخذ المكان، ولا سيما صيدنايا، بعدًا يتجاوز الإطار الجغرافي إلى فضاء تختبر فيه الذاكرة قدرتها على استعادة ما غاب. فالأسماء والسجلات وآثار المعتقلين تحمل شذرات من مصائر لم تكتمل معرفتها، وتجعل انكشاف بعض الحقائق مدخلًا إلى أسئلة أوسع. ومن هنا، لا يبدو الغموض مجرد أداة تشويقية، بل تعبيرًا عن واقع تتسع فيه المسافة بين معرفة ما حدث واستعادة ما فُقد.
أما الخلفية الأخلاقية، فتتأسس على رفض اختزال الإنسان إلى رقم أو ملف أو رواية مفروضة عليه. فالمفقود ليس غيابًا مجردًا، بل حياة انقطعت صلتها بأهلها، وذاكرة تنتظر الاعتراف، وحق في الحقيقة لا تسقطه السنوات. وبذلك يتجاوز النص حدود المأساة الفردية نحو أفق إنساني يربط استعادة الهوية باستعادة الكرامة.
ويكثّف العنوان (عبروا بلا ظلال) هذه المفارقة؛ فالعبور يثبت المرور، فيما يوحي غياب الظلال بمحو الأثر وانقطاع الصلة بين الإنسان وذاكرته، وبين الحضور الذي يفترضه العبور والغياب الذي يفرضه المحو، تتشكل دلالة العنوان بوصفه سؤالًا عن مصير الذين مرّوا في الحياة من دون أن يترك لهم العالم شواهد كافية على وجودهم.
تعدد المدن: جغرافيا العبور والذاكرة
يتسع الفضاء الروائي في /عبروا بلا ظلال/ عبر مدن متعددة، منها إسطنبول وغازي عنتاب وبيروت ودمشق وطرطوس وحمص وحماة، لتغدو الجغرافيا جزءًا من حركة السرد، لا مجرد إطار لوقوع الأحداث. فانتقال الشخصيات بين هذه الأمكنة يفتح المجال لقراءة العلاقة بين المكان والتحولات التي تصيب الإنسان، وبين الجغرافيا الخارجية ومسارات البحث الداخلي عن الحقيقة والانتماء.
ويتيح هذا التعدد المكاني مقاربة الرواية بوصفها شبكة من المسارات المتقاطعة، تتوزع فيها آثار الشخصيات وذكرياتها وأسئلتها، وتتداخل فيها المسافة الجغرافية مع المسافة النفسية التي يخلّفها الفقد. فالانتقال من مدينة إلى أخرى قد يحمل، على المستوى الدلالي، معنى البحث عن أثر، أو محاولة الإفلات من ماضٍ ثقيل، أو الاقتراب من حقيقة ظلت بعيدة المنال. وهكذا تصبح حركة الشخصيات في المكان موازية لحركتها في الذاكرة، بما تنطوي عليه من استرجاع وانقطاع وانتظار.
كما يمنح هذا الامتداد الجغرافي الرواية أفقًا إنسانيًا يتجاوز حدود المدينة الواحدة، ويكشف تشابك المصائر عبر فضاءات متباعدة. وتنبع القيمة البصرية لهذا التعدد من تنوع الأمكنة وإمكان اختلاف حمولاتها السردية والنفسية، فيما تتجلى قيمته الدلالية في جعل العبور نفسه علامةً على عالم تتوزع فيه الهويات والذكريات، ويغدو الوصول إلى الحقيقة رحلةً عبر الجغرافيا بقدر ما هو رحلة في أعماق الذات.
ومن هنا، يكتسب عنوان (عبروا بلا ظلال) امتدادًا إضافيًا؛ فالعبور لا يُقرأ باعتباره انتقالًا بين الأمكنة فحسب، وإنما كتجربة إنسانية تترك الشخصيات خلالها أجزاءً من ذاكرتها في مدن مختلفة، فيما تظل آثارها مهددة بالتلاشي. وتتحول خريطة المدن، وفق هذا المنظور، إلى خريطة للبحث عن الإنسان في الأمكنة التي مرّ بها، وللأسئلة التي يحملها معه حتى حين تتغير الجغرافيا من حوله.
في المحصلة، تقدم (عبروا بلا ظلال) سرديةً تتشابك فيها الذاكرة بالهوية، والبحث بالحقيقة، والمصير الفردي بالمسؤولية الأخلاقية. وتكمن دلالتها في تحويل الغياب إلى قضية لا تنتهي عند حدود الفقد، بل تمتد إلى مقاومة النسيان واسترداد حق الإنسان في رواية حكايته. فالأدب، وإن عجز عن إعادة الغائبين، يستطيع أن يحول دون محوهم مرةً أخرى، وأن يمنح آثارهم حياةً جديدة في الذاكرة واللغة.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي