الرئيسية / الأعداد / سرد تجربتي مع الكتاب: قيمته وفضله علي – شروق المليحي.

سرد تجربتي مع الكتاب: قيمته وفضله علي – شروق المليحي.

سرد تجربتي مع الكتاب: قيمته وفضله علي

 

شروق المليحي*

من أين سأبدأ؟

‎هل من الكتاب المادي أو الكتاب المعنوي؟

‎هل من الكتاب ورقا جامدا، أم حبرا وقلما، أم حرفا ومعنى؟

‎هل سأتحدث عن الكتاب الأخ والصديق والرفيق؟

‎هل عن الكتاب الأنيس في وحشة الليل؟

‎هل عن الكتاب الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور؟

‎هل عن الكتاب الذي أبصر البصيرة، وولد القريحة، وأنار الحجى، وأيقظ النهى؟

‎هل عن الكتاب الذي فتح الآفاق، وساعد عن التنمية؟

‎هل عن الكتاب الذي فتح الأفاق وأوصل الإنسان إلى المجد والسؤدد والعلا…؟

‎مهما تحدثنا عن الكتاب لن نوفيه حقه؛ لأن الحديث عن الكتاب موضوع شائك و متشعب، ومتوسع توسع العقول والحجى والنهى.

‎فهو إذن صعب؛ لأنه مختلف مصادره ومراجعه، (وأقصد بالمصادر والمراجع عقل الإنسان المنتج)، فهي لا تعد ولا تحصى، فكيف ستحصل على عقل واحد؟، فما بالك بعقول لا تحصى، وكل عقل يحمل مليارات أو بليارات أو أكثر من الكتب باختلاف مواضيعها وتوجهاتها وتياراتها وفلسفتها ومرجعيتها وحمولاتها وأفكارها الخاصة وعقيدتها وثقافاتها ونظرياتها…

‎هذا أمر مستحيل الحصول عليه، لكن هذه مفارقة جميلة؛ لأنه كلما كثرت العقول – أي: منتجو الكتب؛ أي: المصدر-، كلما استفاد الإنسان، وترقت الشعوب، ونهضت الدول، وتقدمت الحضارات.

‎وتتنوع إصدارات الكتب بتنوع أعمارها في تراتبية جميلة، وذلك من كتب أطفال وأفكارهم …، وكتب الشباب وأحلامهم، وكتب الراشدين وونظريتهم، وكتب الشيوخ وحكمتهم وتقييمهم للعلوم والإنتاج الفكري.

‎أي كتاب سنتحدث عنه؟

‎لا يمكن أن نتحدث عن الكتاب دون أن نصغر الدائرة؛ أي: نحدد جزءا صغيرا الذي هو كبير في نفس الوقت؛ أقصد الموضوع (المحتوى الداخلي)

‎لذا كان من المفروض علينا في هذا المقام ونحن نتحدث عن الكتاب أن نحدد الموضوع ونصغر الدائرة.

‎بالنسبة لي سأتحدث عن تجربتي مع الكتاب اكتشافه وحبه وأنا طفلة كقيمة علمية، وبعدها عن تجربتي المتواضعة مع الكتاب وأنا شابة.

‎أول مرة اكتشفت معنى الكتاب كقيمة علمية، ونظرت إليه بغرابة ودهشة وحب، وأحسست بأنه شيء مهم وثمين، وما زال المنظر صوب عيني حينما وجدت في مكتبة أبي أستاذي الجليل سيدي «مصطفى المليحي” كتبا مختلفة.

‎أولها المصاحف والتفاسير، مثل: (ثلاث مجلدات) لابن كثير، و”تفسير ابن عباس”، وكتاب “رياض الصالحين”، و”منهاج المسلم” …، وكتب أخرى عن التغذية، مثل: كتابي “الغذاء لا الدواء”، «طبيبك معك”، للدكتور السوري صبري القباني، مؤسس أول مجلة عربية موسومة بــ”طبيبك”، وكتاب عش مائة عام، للمؤلف الدكتور جايلورد هاوزر، وكتب أدبية مهمة كثيرة، وهي التي كنت أميل إليها كثيرا.

‎وكان أول كتاب يستحضرني الآن، والذي كنت أحمله بيدي دائما وأنا أقلب في الكتب، كتاب “المناهل” بأجزائه، ثم ديوان “الجداول”، لشاعر المهجر “إليا أبي ماضي”.

‎فهذان الكتابان كنت معجبة بهما كلما دخلت مكتبة أبي، أحملهما بين يدي، وكنت أقرأهما خفية؛ لأن أبي لم يكن يحب أن تلمس كتبه؛ خوفا من ضياعها، وخصوصا كان يراني حينها صغيرة عنها، فكنت أقرأ “المناهل” من الحين للآخر، وأقرأ أشعار “إليا أبو ماضي” وأحفظها؛ لأني كنت أعلم أنه رمنسي ومتفائل، فتأثرت بقصائده، وخصوصا بعدما درست قصيدته (سلمى بماذا تفكرين سلمى بماذا تحلمين) بالمدرسة والتي كنت أحفظها عن ظهر قلب، وأستظهرها على الأستاذة، وكانت تقول لنا الأستاذة: بأنه شاعر متفائل، يحب الحياة،…

‎هذا ما أذكره عن أول اكتشاف لي للكتاب كقيمة علميةً ثمينة، هذه علاقتي مع الكتاب في مرحلة الطفولة، وقبل اكتشافي لكتب أخرى، وإعجابي بها، وتأثري بها.

‎الآن سأتحدث عن الكتاب وفضله في تحقيق أحلامي وإيصالي إلى مبتغاي، وفضله في فتحي قريحتي، وإعطائي الثقة في الكتابة في المجلات والجرائد والكتب الجماعية والفردية والمشاركة في الندوات الوطنية والدولية …

‎يبقى الكتاب دائما ذا فضل كبير علينا، منه نستفيد ونفيد، وأهم شيء حسن اختيار الكتاب؛ إذ لولا الكتاب لما تقدم الإنسان، ولا تطورت المجتمعات، ولا تألقت الحضارات.

‎فالكتاب هو أفكار وآراء ومنتوج فكري عميق، يختلف من منتوج لآخر، بمعنى: من كاتب لآخر، فلولا الكتاب ما كان هناك اختلاف في الأفكار، وتعارضها وتضاربها وتواصلها.

‎بهذا الكم الفكري المختلف من الأفكار المنتجة تم الاختلاف والتعارض والمناظرات والجدال والمناقشات…، وبهذا الاختلاف في الكتابة، ظهر التجديد، وكثر الإنتاج الفكري والثقافي، مما أدى إلى التأثير والتأثر، وإبراز الذات والإقناع بوجودها، كما أن اختلاف الكتابات وتنوعها أخرجت الإنسان من قوقعته المحدودة، وطورته اجتماعيا وأدبيا ودينيا وسياسيا …، وناهيك عن التكنولوجية الحديثة التي سرعت وصول المعلومة وانتشارها في العالم في وقت وجيز جدا.

‎للكتاب فضل كبير على البشرية جمعاء في فتح أبواب العقول، وتشريع نوافذ الآفاق، وبناء طبقات المستقبل، وصعود درج الرقي الثقافي…

‎وفي تجربتي مع الكتاب، بعدما أنجزت أطروحتي، كنت قد أنجزت كتابا حول مدينة أصيلة ومثقفيها وأدبائها، فقررت إعطاءه لأستاذي، وهو أستاذ عزيز علي، درسني في سلك الماستر، وساعدني في بحث الدكتوراه، فقلت في نفسي: لن أجد خيرا منه ليعطيني ملاحظاته القيمة عن الكتاب، وفي نفس الوقت، يكتب لي تقديما عنه، كونه يعرف الموضوع جيدا؛ لأنه مقتطف من بحث أطروحتي، فأعطيته إياه، وكنت أود أن أشارك به في معرض الكتاب المقبل، فأخذ مني الكتاب قبل شهر رمضان، وقال لي: أعطني أسبوعا فقط، ثم ألتقي بك، وأرجعه لك مع ملاحظاتي.

‎وبعدها بدأت أتصل به، فقال لي بعد ما مضى الأسبوع المتفق عليه بيننا: جاء شهر رمضان، ثم لم يعد يجيبني، فقلت في نفسي: دعه، ربما الرجل متعب؛ لأنه رجل كبير في السن، وقبل عيد الفطر، اتصلت به، وتحدث معه، وهنأته بالعيد، وسألته عن الكتاب، فقال لي: بأن النسخة كانت قد ضاعت منه، وقد وجدها للتو، وسيعمل على تصحيحها، وأعطاني موعدا بعد عيد الفطر.

‎وبعد عيد الفطر بمدة، اتصلت به، لكنه لم يجب، فأرسلت له رسالات صوتية، وشرحت له بأني أريد المشاركة به في معرض الكتاب، فلم يجب، فعاتبتني عائلتي، وقالوا لي: انشري النسخة بتقييم وملاحظات وتقديم من أستاذ آخر؛ لأن الكتاب جاهز للنشر، فأجبتهم بقليل من الانفعال، وقلت لهم: لن أغير أستاذي بغيره؛ لأنه لم يرد لي الكتاب في الوقت المناسب، ولو لم أشارك في معرض الكتاب، ولو بقي سنة أخرى، ولن أخسر أستاذي وعلاقتي الطيبة معه.

‎فشرعت في تحضير وإنجاز كتاب آخر الذي سيكون جاهزا أكيدا بعد معرض الكتاب؛ لأنه إذا كنت أعطيت نسخة الكتاب الأول لأستاذ آخر، وقام بالتصحيح والتقديم، ونشرته، أكيد أستاذي الذي أكن له محبة وتقديرا خاصا، كان سيأخذ مني موقفا، وربما أخسره للأبد، فطبقت قولة المثل الشعبي المغربي المعروف، وقسته عليه “اللهم اخسرت المال ولا اخسرت الصاحب”؛ وذلك لأنه يمكنني أن أكتب عشرات الكتب، ولكن أستاذي الفاضل، هذه القامة العلمية الذي كان فضله علي أثناء الدراسة كبيرا، فإذا خسرته لن يعوضه أحد.

‎وذلك ما علمه لي الكتاب من تقدير واحترام لأساتذتي، كيف لا أحترمهم وربنا عز وجل رفع قدر أهل العلم، وبوأهم مكانة سامية، كما ورد في قوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [سورة المجادلة الآية: 11].

‎وفي هذا السياق يقول أمير الشعراء أحمد شوقي في ديوانه الشوقيات قصيدته المشهورة “قم للمعلم،

‎”قُمْ لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا    .   كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولاً.

‎وهو بيت شعري يبرز المكانة العظيمة للمعلم الذي يبني العقول، ويهيئ النفوس، وكونه سببا في إنجاز الكتاب، وتكوين التلميذ؛ ليصير في المستقبل كاتبا أو شاعرا أو روائيا…

‎وقال في الديوان نفسه قصيدته الشهيرة بعنوان: “الكتاب”:

‎أنا من بدل بالكتب الصحابا   :   لم أجد لي وافيا إلا الكتابا.

‎وهو يصف بأنه بدل صحبة الأصدقاء بصحبة الكتاب كونه أخلص صديق”.

‎وقال المتنبي عن الكتاب:

‎أعز مكان في الدنى سرج سابح : وخير جليس في الزمان كتاب.

‎وقال أبو جعفر المالقي:

‎ليس المدامة مما أستريح له    :   ولا مجاوبة الأوتار والنغم

‎وإنما لذتي كتب أطالعها: وخادمي أبدًا في نصرتي قلمي.

‎وهما بيتان يعبران الزهد في الدنيا، ويدعوان إلى طلب العلم والقراءة والكتابة.

‎كانت هذه تجربتي مع الكتاب في مرحلة الطفولة، واكتشافي للكتاب، وبعدها تجربتي مع أحد كتبي الأدبية في مرحلة الشباب، وما تعلمته منه من الوفاء بالعهد من القيم واحترام أساتذتي.

‎فالكتاب هو الذي علمني حسن الخلق والقيم، واحترام الناس وتقبل الآخر والتواصل والحوار والتفاني والتواضع والإيثار والزهد والطمأنينة وضبط النفس والصبر واليقين الدائم في الله تعالى والتفاؤل والتطلع للمستقبل المشرق …

‎إذا يبقى الكتاب دائما ذا فضل علينا في التنمية والتقدم …

ناقدة من المغرب.

 

عن madarate

شاهد أيضاً

حوار مع المبدع المغربي حسن بيريش – حاوره الشاعر الحسَن الگامَح

ورقة عن المبدع حسن بيريش مكان الولادة: مدينة طنجة، المغرب. التخصص البارز: كاتب وصحافي متخصص …

اترك تعليقاً