سَرْدياتٌ بَصَريَّةٌ: نماذج من أعمال حمو آيت إبراهيم الفوتوغرافية

مصطفى أجماع*
الفنان يحتاج إلى عين عارفة بالأصول الفنية، وهي بمثابة بوصلة لروح العصر والذوق المصقول، والثقافة الحقيقية
(زينات بيطار)
تتخذ السَّرديات البصرية عند الفنان المبدع حمو آيت إبراهيم نوعا من الإقامة والثبات بحضورها الفني الفاتن، الكاشف. انطلاقا من عشقه المفعم بالحضور المتَرْجم فوتوغرافيا؛ لأن أعماله تنْضَحُ بجوهر دأب على أن ينزع إليه بخطاب موجه بالتَّأمل والبحث. عُدته الإبداعية في ذلك؛ الانطلاقُ والإفصاحُ لروح ومفردات محكيات مغربيَّة أصيلةِ بامتياز. أركانها تتآلف من أحداث وأزمنة وأمكنة وشخصيات، وصناعة لحبكة متقنة …
اذ تعد الصّورة عنده قريبة منا، تلوح لنا ونحن إليها ننتسبُ، نَعيشُها ونَلمسُها ونعتزُّ بها، فنسميها ونحتفي بها. مادامت تُعدُّ وسيلة اتصال فعالةٌ بعنفوان، قويَّةٌ جذابةٌ ومثيرةٌ للانتباه ومؤثرةٌ بشكل مباشر، ووسيلة إقناعٍ بصدقٍ، وإبـداع وسند وتوثيق وتاريخ وتوجيه … تأبطها مبدعا واتخذها مُنطلقا، مُرْتَكِزا على قناعات تجعل منه قادرا أن يقدم فعلا /منجزا، غايته أن يخاطب الإدراك والتعبئة الجمالية، بالتَّميز أُسْلوباً وبصمةً وإشارةً، وهو العارفُ كيف يقدم ما توحي به الفُروع في أعماله عامة، مُشيراً إلى الأصول في أبهى تجلياتها، حاضنا سرَّ الجميل في كلياته. عابرا للإقناع والتَّوثيق والتَّوجيه والتأريخ بمرجعية ثقافية خاصة.
الصُّورة عند حمو آيت إبراهيم هي الغواية والإغواء، الجذَّابة المؤثرة المستأثرة ذات السطوة، بمرجعياتها ومعطياتها وتمثلاتها الأيقونية، ورسائلها العميقة. تملك من الفتنة ما يجعل أثرها يفوق أحيانا الكلام وهي التي تؤشر على حضور معين. مادامت أنَّها وجدت قبل الحرف. هي المتحدثة بلسانها البليغ، والشاهدة على العصر والحافظة للذاكرة. ” تملك من الجاذبية ما يجعل أثرها يفوق أحيانا الكلام. وذلك بتعددية دلالاتها وانغراسها في المتخيل الرمزي والاجتماعي للكائن. إنها قد تكون علامة ودليلا غير أنها علامة ودليل يحملان مظهر دلالتها في مظهرهما، حتى وهي تستحضر الغائب وتعيِّنه. لذا. إذا كانت اللغة قادرة على صياغة المرئي ومفهمة اللامرئي. فإن قدرة الصُّورة تكمن بالأساس في تحويل المرئي واللامرئي إلى كيان محسوس ماثل هنا والآن.”[1]
آيت إبراهيم فنانٌ برُؤاه يُعَبِّرُ في عالم مُتَغَيّر، عالم يتحرك، بسرعة، ويُسْتَعْصَى على مُجاراتِه …
فكيف يمكن القبض على اللحظة وخلق الدهشة في تداولها؟ وكيف تُرتَبُ مَدارجِ الحلم والهَوس الإبداعِيّ في أقصى تجليَّاته الجماليَّة في أعماله، أليس الحلم نَهْجاً يؤشر على تراتبية السّؤال ومشروعيّة القلق في العمل الإبداعي؟
أليست الأعمال (التي يقدمها ولازال، مصورا مبدعا) هي تجربة لتراكمات، ولحقائق خاضها، ويقتنصها بذكاء في معانقة اللحظة، ذات المعيار النَّابض بالأحاسيس المُرهفة التي تُفصح عن جوهر الانتماء للأرض، وامتداد الإنسان المُنصهر في أصالته، ومنابع كَينونته وتَجاربه وآمَاله وأحْلامه…
إنَّها العين العاشقة والمنبهرة بالجمال. تُترجم أعماله من خلال استحضار ذهني مشمول بعدة تراكمات: معرفية ومشهدية ودراسية ومختبرية وتأثيرية، خالقة حوارا يمتد بين ” المبدع والعمل الفني قد يشمل أيضا أشكال التواصل الفيزيقي المرتبطة بانفعالات الجسد في حد ذاته، والامدادات اللمسية، باعتبار الفرشاة أو المادة أو أي أداة رقمية امتداد ليد المصور، فإنه يجد ما يقابله في تعامل المشاهد – عبر المسافة – مع الأثر الفني .فالفنان هنا إنما ينسج بنية الحوار الذي يمتد إلى المتلقي بعد تمام الإنجاز ،حيث يتمثل العمل ((بوصفه وحدة مادية متكاملة حين يقدم للناظر ،لكنه يصبح أثرا ذا قيمة جمالية عندما يولِّدُ استجابة لدى النَّاظر .وطبيعة هذه الاستجابة تعتمد على مشاركة الناظر الفعالة في التجربة الجمالية “[2]
إنَّ جمالية الصُّورة الفوتوغرافية عنده، مظهر تعبيري منصهر، وانعكاس توثيقي لعوامل مؤثرة حيث يقف مصورا/خلاقا يَتَمَلَّكُ حسّاً راقيا وذائقة جمالية؛ يسجل من خلالها اللّحظة ويوقعها مُوَثِقاً، تَوَّاقاً إلى الأفضل والأجمل. مادام العقل بطبيعته ميال إلى ما هو أجمل. يبحث عن الكمال، وغايته خلق جسر تواصلي مع قارئ مهتم عاشق لعناصر البعد الجمالي لهذا الجنس من الإبداع، الذي أصبحت فيه للصورة مرتبة وشأوا شاسعا وأرحب، في عالم لا يكاد يخطو إلا بها، أو من خلالها. طالما القرائن البصرية والتقنيات التي يُحَمِّلُها المبدع أَعْماله، لها الدَّوْرُ في السَّند والمدد، والبراهين والمرتكزات؛ من استحضار الضَّوء واللَّون والزَّاوية والظِّل ودراسة الركن واللقطة.
أعمال تحاكي ما تمثله، بل تجاوره من أجل خَلْقٍ فني راق، معتمدا على ركائز أساسية لاستكناه مفهوم الاقتراب من الصورة بوصفها خطابا جماليا؛ بلغته الخاصة التي تخاطبُ البَصَرَ والبَصيرَة في آن واحد، من أجل النُّهوض ببعد تواصلي جمالي يَشِعُّ بالإقامة في ذاك الجسر الجميل الباذخ بين المبدع (المرسل)والمتلقي (المرسل اليه)، كما أنّه يقدم عملا ليس للفرجة أو الاستعراض المجاني، بل روحه مشبعة بموضوع يشي بصبغة تؤكد أن هناك لغة خاصة ذات مفردات معينة …
وأساسا على هذا النَّوْلِ، وَثَّقت أعماله الأحداث والأماكن فأَرْشَفُها، وحفَّظ ذكراها وذاكرتها؛ بالوجوه والملامح والملاحم والعلامات والرُّموز، معتبرا أنَّ التَّوثيقَ محطَّة، ذات أهمية.
((نموذج صورة الرَّاحِلَة أيقونة المسرح المغربي؛ ثريا جبران في مسرحية :(امرأة غاضبة) ـ
تاريخ العرض 1999بمكناس ــ المهرجان الوطني للمسرح. تم تقديم العمل بمعرض فوتوغرافي بفضاء حديقة الحبول سنة 2000 بمكناس.))
كل صورة إبداعية هي نسيج مُؤَلَفٌ بداخله تفاعلات ٌ لمجموعة من الأنساق تَسرد حكايا، وكل حكاية هي مشروع حافل بالتراكمات المتلاحقة معرفيا وفنيا وإبداعيا ورمزيا …
ولكل مشروع ثمة سرد خاص لخطاب واضح المعالم مُعَيَّنٌ سلفا. يجسده بتصوراته وبطريقته الخاصة وأسلوبه الشخصي لمنجزاته الإبداعية الفنيّة، فيؤطرها برؤاه ويمنحها الدِّعة والجمال من خلال تراكماته وتجاربه. هذه التَّجارب التي هي ” حيز من الممكن المحتمل، وهذا الممكن المحتمل، المكون من عناصر متعددة، غير واضحة الملامح لا يمكن أن تتبلور أو تتجسد إلا ضمن الصُّورة الفنيَّة التي تقوم بتنسيق الرؤيا وبنائها واعطائها أبعادا خصبة ونامية، وانطلاقا من حيز بناء الرؤيا، تقوم الصورة ببناء العالم الموضوعي الذي يجعلها تبدو مستقلة عن الواقع من خلال المناخ الذي يتميز به، ومن خلال إيحاءاته الخاصة، بينما الرؤيا تنطلق أساسا من الواقع عبر ذات الفنان ” [3]
إن العلاقة القائمة بين حمو آيت إبراهيم وباقي مكونات اشتغالاته تتأسس على ما يُعبَر عنه وَيَتِم الإفصاح به، فهو يمتلك قنواتها الفكريَّة وارهاصاتها البصريَّة، واضعا نصب تصوره مدىً تُشَكِل فيه اللَّقطة المُبدعةُ المُشَبَّعَةُ بالتأثيرات والتأثرات، الملحة والموحية، المُتَّسمة بالنّبض الجماليٍّ الحامل لفضاء يزخر بالألوان والخطوط والضِّياء والقيَّم. هناك تنصهر جميعها، كي تؤلف ما يُسْتَلْهَمُ ببعد خلاب وبديع ينطق فيضا ونبضا، وبجذور تنتمي لهذه الأرض، التي يقتبس منها هواها ويحاكي عبيرها ونجواها، مستخدما الصورة لإيصال المشاعر والأفكار ووجهات نظره. وبرؤاه يقتنص صوره محولا اللقطة المصورة إلى ابداع فني يمنح العاطفة والتميز لمعنى رسالة غنية …
ألم تكن الصُّورة أولى الرسائل للاتصال بين بني البشر وهي الحَمَّالة للخبر، والتأريخ، والتوثيق، والمظهر الفني لواقع يتمظهر بجل تجلياته، ولوقائع شاهدة. ومن خلال هذا المنطلق حاول آيت إبراهيم جادا وحاثا المُشَاهد بالنّظر، وبالدعوة للإنصات لسرديات أعماله بمفاهيم ذات صلة وجدانية وعاطفية ومعرفية.
1 سرديات بصرية: خطاب معنى ومبنى (في حروف الزين)
((هل يكون الهدف الأسمى لذا الفنان هو انتاج شيء ما يتسم بالجمال…؟))
ثمة جماليات يُسْتَنَدُ عليها من قبيل الأعمال المُقَدَّمة وهي تعرض لنا نفسها كمعطى جماليّ لهذا السّحر الجذّاب في اثارة المشاعر، فتأخذنا إلى التأمل بالمجاورة، وهي تُبسط لتحقيق وظيفتها التّواصلية من جهة والثَّقافية من جهة أخرى…
فالعمل عند حمو ايت إبراهيم يرتب على أنَّه تصور ورؤية جمالية صيغت بأسلوب تواصلي، يَتآلَفُ ويتعانق فيه البصري بالوجداني والانتمائي، والحواري النَّاطق بالتشارك والاشتراك … وكأنه يشاطر شارل لالو القائل (الفن هو نحن).
والغاية من هذه العلاقات هي إنشاء روابط دلالية، تنسقها الصُّورة كمعطى بين المَشْهَدِ/الموضوع والمُتلقي /المُشَاهِد، بالكشف عن الروابط والعناصر التي يحفل بها العالم ككل والانتماء الجغرافي خاصة، فكيف كان تصور المبدع لذلك؟
إن البلاغة التي يفصح عنها الخطاب البصري في الأعمال الفوتوغرافية التي تَحْمِلُها الرَّسائل، تَنْقلُ معنى عميقا يتم صوغه من خلال ما استدرجه ايت براهيم، محملة ببعد دلالي يؤشر على خطاب تواصلي يضم بين جوانح هذه البلاغة شارات مترابطة ما بين الشكل واللون والجمال …وهو الذي يعتبر أن الصُّورة رهان داخل منظومة تُدْرَكُ بمعاني متعددة، تسعى للإفصاح القَصْدي بوسائط ذات تقنية رمزية دالة.

ويُعدُّ العمل/الصورة رقم 02 المنتزعة من مسرحية (حروف الزين) بحرفية وشاعرية، حيث يظهر الممثل محمد حمدان الحبيب، وهو يشخص دور الحكواتي الشَّرقاوي؛ المُلقبُ بِ (مُولْ الَحْمَامْ) الذي كان يقدم أعماله على شكل حلقة للفرجة بجامع الفنا أثناء السمر الفني بمراكش. والعمل (صورة) مُساهمة في تأطير ينطق بمقومات جمالية تحمل خطابا له مفرداته، وفرادته، وتقنيته الخاصة؛ ساعيا وراء ذلك كسب انتباه وشعور المتلقي في تواد الإنسان الحكواتي والحيوان (الطائر/ الحمامة). وفي التفاتة تنبض بالحيوية مع الإفصاح عن سريرة الوجه، وتوقد العينين لخطاب مضمر ينتظر من القارئ تشفيره، لشخصية منتزعة من سواد كلي يلف فضاء(الركح) الصورة، تم التأشير إليها بتسليط الضوء لما يحمله الممثل بيدين تمسكان بحمامة بيضاء حنوا ورأفة. – وما يُسْتحضَر لهذا الطَّائر من تعداد الدلالات والمرجعيات الرمزية؛ من سلام وحب وود وتراسل وتواصل وهدوء وحرية ونقاء وبُشرى وخير وبراءة وانسجام وألفة وسعادة وأمل وحنين وشجن واغتراب وفراق …
مشكلا استقرارا يتكامل ويتماها هرمونيا بصريا، أعطى توازنا واتزانا، وتوافقا، وتناسقا حيث خلق انطباعا فنيا لحالة جعلت الممثل يتقمص دوره الاختياري محتفيا به في احتفالية صاغها بوهج مناخاتها وروح تأليفاتها، إذ يعد هذا العمل صوغا ووسيلة ومنهجا لسرد الحكايا بالوصف التفصيلي الدقيق …
إن الصُّورة المعتقلة بعقال جمالي بصري لحظي لها مدلولاتها وهي القائمة على واقع صار وسار في مكان وزمان ولحظة، سعى إليها المبدع سَعْيَ المانح، بالبساطة المركبة الجميلة؛ (السهل الممتنع) معبرا فيها عن تجربة خطابية بصرية تقدم البديل، كي يتلقفها الناظر المتلقي المتذوق في أسمى رقيها.
فالانسجام التام المقدم المؤشر عليه بجمع عناصر الصورة (في تآلفها) أهلته أن يحتفي بالحصول على التكامل والتناسب والتماسك والتناسق والتوازن …الأمر الذي أعطى إحساسا بوجود فكرة ناضجة، وبتقنيات تمنح العمق الفني بعدا، وتشغل المتلقي، وتساهم في تقديم تجاور تصوراته …
وبهذا الشكل ينشأ الخطاب ويكبر فنلامسه، ونعانقه، حتى يمارس سطوته علينا ككيان ثقافي يروم الجمال في أبهته
2 عين ترى وسرديات تُنْتَجُ: وجه شقائق النعمان
((إن الوردة بالتّأكيد ليست مجرد وردة))
جروترود شتاين

يتقدم مثالٌ لصورة رقم :03
زهرة شقائق النُّعمان، المنتقاة من عدة نماذج، صاغها المبدع بوحدة الموضوع لكن بعدة خلفيات لها من المواصفات ما يفصح عن مساره الإبداعي، وهي غير مستنسخة أو مكررة، لا في الشكل أو التقنية أو زاوية التقاط الصورة أو حجم الضوء المُغْدَق عليها. ويأتي هذا العمل في غايته إشارة واضحة لعدة تفاصيل دقيقة ومتعددة. الصورة تقدم نفسها للمشاهد بمنظر تام، مع دعوة للتأمل المُنتج للبراهين التي التقطت للزهرة، مع تحفيز المتلقي بأن يحمل عدته كي يَعْبُر للضفة الأخرى (القراءة) مزودا بأدواته، متأبطا بالذائقتين الجمالية والمعرفية لمحاورة هذا النص البصري، سؤالا وإدراكا.
فالغرض الأساسي الذي يُوجِّه به الموضوع المُؤَلِف / المبدع الفنان في هذا العمل، هو تلك الصيغة ذات الجاذبية الماتعة. فزهرة شقائق النعمان تعد إشارة لإرهاصات من سلسلة أفكار ومعاني ورموز، فهي الـــــــــرامزة للحب والفقد والبداية الجديدة والذكرى، وهـــــــــي التراث والأسطــــــــــــــــــورة والخصوبة والجمال… بالإضافة لما تشتمل عليه من الأحاسيس والخيالات والإشارات، ذات الملمح المنصهر في مبناها ومعناها السطحي والعميق، بأسلوب من الاختيارات الموجهة سلفا، وليس في استحضار بانورامي.
فهي توقظ فينا ذكرى ذاك الاحتفال الربيعي الجميل برمزية الخير والعطاء والوفرة، وهي القادمة من نتاج غيث عميم. إنها دعوة للغة بصرية ناطقة بالموروث الثقافي، المتجلي في أسطوريتي الحضور والغياب، أو الموت والبعث. كما أنها قادرة على استنطاق الفرح، والسعادة، والأمل، والدعوة، والحمد للواهب الأحد…
ضَحِك البَهَارُ بأَرْضِها، وتَشَقَّقَتَ ……… فِيهَا عُيُونُ شَقَائِقِ النُّعْمَان ( البحتري)
لقطة منتزعة كجزء من الكل، تأخذنا إلى الحميمية المباشرة وجها لوجه (face à face) وفي البال أن الصورة رهان داخلَ منظومة لمجالات بصرية متعددة، حيث تثبت من خلال حكيها سرد وقائعها بخطاب هادئ، يُطالب منا القراءة المتأنية. وحين تحدثت؛ تروي عن قيمٍ اجتماعية وثقافية، داعية للتأمل وإلى رمزية الخير بدفق جمالي، وأمل يخاطب فينا ما هو منا، بتأليف شفاف وممتع…
وبهذا تسعى هذه الزهرة في جماليتها أن تكون مكونا طبيعيا لإضفاء الجمال على خدود النِّساء كمستخلص (العكر الفاسي) +[4]، برمزية الأحمر القاني المؤشر على الدَّم والشَّهادة …اللون الساخن المؤشر على عنصره العضوي حيث يحفل بالفرح والقلق والحب والسعادة والجنس… كما أنها تستفز فينا ذاك البناء والتأليف الجمالي المركون على رف ذاكرتنا. فبمجرد ما أن أشر عليها آيت براهيم حتى تراءى فتح قدر هذه الزهرة وهو يدعونا للتأمل …إنّها سرديات لخطاب بصري مُؤَلَفٌ في تباهيه بين الباث والمبثوث له. فهي في مجملها علامات بصرية ناتجة عن إعادة صياغة تشي بالمعاني وفقا لمفردات انخرطت في تصور خلاق خاص وحافل من خلال تصورات المبدع …
3 عن سرديات بصرية تُروى
(من دون ازدهار التَّعبير البصري لا تستطيع أيّ ثقافة أن تنشط على نحو إبداعيٍّ)
ردولف ارنهايم

(قالت العرب قديما: من لم يعشق الخيل، ويتذوق الشّعر ففي عروبته نظر.)
تقدم هذه الصورة الفوتوغرافية رقم 04 نفسها بمفردات مسترسلة ومتآلفة ومُؤَلفة، في فضاء يحوي مكونات ذات دلالات جمالية، فهي تنمّ عن اللّقطة /الفكرة ذات الصَّوغ، بلبوس مرهف قائم على قناعة تنهل من مرجعيات متعددة ومختلفة، بغية الإقناع. اسنادا على صاحبها الذي راكــم الكثير، وفي جعبته كماً هائلاً من التَّجارب المُخَزَّنَة، والرُّؤى بمهنية وكفاءة عالية وعميقة. والغاية الوحيدة تتمثل في الاشتغال التام على قنص اللقطة ومعانقة مباهج السّؤال، بحس شاعري وعشق جارف للطبيعة في أبهى تجلياتها، وبعمق فني، مترجما اكتناه بُناه للإدراك…
إنَّها عملية فنيّة ببعد سيكولوجي، تنطوي على تقدير مَهَارِيٍّ عالِ، تتحكم فيما تقدمه بتجسيد مرتبط وطيد، غايته خلخلة المألوف بتصور يمتح من الواقع، القريب جدا، رابطا كل ذلك برؤاه جاعلا من ” القدرة على الاستجابة للأعمال الفنية والبيئة البصرية ليست ببساطة مسألة حل أو ترجمة للرموز وروية خصائص الأشياء الجديرة بالملاحظة. بل إنها الاستعداد المصقول بالتَّعلم للبحث عن المعنى المعبر في الأشكال البصرية” [5] لذا تظل أعماله تتابع فتوحاتها مستندة على عناصرها بتساؤلات شاهدة على ما تنجزه بحمولات لمحكيات نصيّة بصريّة، تحددها مفاهيمها على ضوء سند معين تم الاحتفاء به من خلال رموز بصرية استخدمها المبدع ، وهي تخلق الإحساس بالأمان. ناقلا المُشاهد إلى ايقاعاتها النابضة، مبررا ذلك بوجهة نظره وبالدَّفق الحيويّ؛ فالحصان أو(الفرس) المُطل بنخوته، الحامل للإرث الحضاري، عاشق الحرية والسَّاعي إليها، المُخْلِصُ، الوفيُّ بالألفة والأنفة، الضَّاربُ في العمق الثَّقافيِّ والحَضاريّ، يمثل القوة والشَّجاعة والسُّرعة والانتصار والجمال والأصالة والحُريَّة…

-ثمة خيول وثقها آيت إبراهيم صورا من حلبة الركض (المحرك) الصورة رقم 05-
كإشارة إلى السُّرعة والطّاقة والحيويّة والبهاء والشَّهامة والرّشاقة والأصالة. مع ذلك الارتباط الوشيج بالإنسان من وفاء وصداقة واهتمام ورقي وتقدير وعناية … (ما يعزز كذلك سرعة التقاط الصورة وزاوية اقتناصها)
فالخيول هي جزْءٌ من الهوية والماضي والانتصارات والفخر. ممثلة العزة والشرف والشجاعة عبر العصور. الحاضرة في الملاحم والأساطير، بالإضافة إلى الشعر العربي قديمه وحديثه …
هذه النماذج تضم بين جوانحها عمقا إنسانيا انسيابيا اتجاه هذا الحيوان ، واعترافا صريحا بالشَّرف والولاء والشّجاعة والإخلاص والخير؛ (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة)[6]
وفي استحضار صور الخيل استحضار لأدوار التّجدد والطيبة والبطولات والملاحم والرفقة والسّفر والنّقع والكّر والفرّ. والأناقة والجمال والشّغف والقوة والعزة والشّهامة والبركة واليمن والعطاء والخير.
ولهذا المسار علاماته، ولهذه الخيول موضوعاتها كنتاج إبداعي بصريّ غنيّ بالمشاهدة والقراءة والتفكيك. حضورها الجوهري علامة رصد، انتهجه المبدع كشكل قابل لإنتاج صيغة فنية شمولية، معتبرا أن المعطيات والمضامين جزء من ثقافة بصريّة متداولة نراها وندركها، تسعدنا وتثير انتباهنا نحو عناصرها ذات البعد الجمالي. حيث ترتب مكوناتها خالقة أفقا بضوابط متزنة الإيقاع. ”إن وجود صورة ناجحة من حيث احتوائها للجماليات لا يجعل منها بشكل تلقائي صورة عظيمة؛ إنها فقط توفر الإطار الجميل لتقديم القصة.”[7]
إنّها مشاهد غنية بالقيم والأخلاق السَّامية، يتجلى فيها الاحترام والرِّعاية والولاء وروح الفريق والتَّضامن والتَّسامح والمُتعة والالتزام، ففي كثير من الأحيان يتحقَّقُ الاهتمام ببعض الجزئيات انطلاقا من ذاك الفسيفساء الدقيق الذي لا ينهض الَّا في اكتمال المشهد وإدراك المعنى والفحوى، مادام هذا الجزء ضروريا ومهما ، فالقيمة الكلية لا تكتمل إلا بتضافر الجزئيات الدَّقيقة وتآلفها كي تخلق دهشة اللقاء والسؤال .وفي هذا يعتبر التركيز على رأس الحصان الصورة رقم 06 هو جزء من الكل يسعى للانتباه وشد فعل اللقطة واستنفار المَدارك لغاية مؤكدة ،مع الدعوة للتأمل والانتباه .أليست أدق الأحجام في ملمحها لها حضورها الفاعل وفي غيابها تيه وتشظي …وما على العين القارئة سوى أن تدرك وتستنتج المشهد ما دام يغري بقلق السؤال..

رأس الحصان يختزل القيمة العليا والطاقة الإيجابية
4 سرديات بصرية دِعائيَّة
“الفن ينسخ الواقع المحيط نسخا دقيقا ليبين أنه ليس الواقع الحقيقي، أي ليس جوهر البشرية ورسالتها” [8]
الصورة الفوتوغرافية عند حمو آيت إبراهيم مُنْتِجَة لمعنى، وفاعلة بقوة عناصرها المتعددة، واختيارات موضوعاتها، وسر لسبر أغوار لقطاتها، تعتمد اللقطة الذكية المُوثَّقة والمُوَثِّقة للفعل ، أو الحركة بتعبير صريح يخلق الدّعوة من أجل ربط صلة معينة والناظر كي يدرك المضامين والمكونات، وباقي الأغراض المطروحة بصدق ولا تزييف، مادامت عملية اقتناص الصورة تعد لصيقة وقريبة ومتداولة ومألوفة ومشاعة … لأن الفن الفوتوغرافي باعتباره مترجما برسائله يمتلك ” قدرة مطلقة، قدرة لا تحتمل الخطأ لأنه ضمان الحقيقة وضامن الجميل والحسن، وضامن كل القيم وهو حارس كل التعاقدات “[9]
” الصــــــورة تفتن لأنها تشكلنا باعتبارها صورتنا من جهة، وباعتبارها حاسة النظر التي ما تفتا يوميا تختزن الكم الهائل من الصور التي تتشكل من علاقتنا بالنور، ومن ثم أيضا من غير الممكن الحديث عن علاقتنا بالصورة من غير ادماج الصورة العينية (الادراكية) والصور الذهنية في مجال هذا، ذلك أن الانتقال من أحــــــداها للأخرى تعتمد في غالب الأحيان على صور حسية تلتقطها العين وتختزنها الذاكرة في أعماقها ليتم ترجمتها وتحويلها إلى صــــــــــــور ذهنية “[10] فالصّورة عنده تتكون من تأليف عميق، وتقييم لأفكار ونبل وأخلاق، يُحَمِّلُها تصورا كي تكون ناطقة بالهُويَّة الجماعية ، وبعلامات بصرية تُبْصَرُ فَتُدْركُ .لها حِرَفِيَّةُ الوَسيط من خلال اختيار الزَّاوية والتركيز على مفردات وعناصر أخرى كعوامل مساعدة ، من ضوء وظلال كي تكون صورة ايحائية معبرة وناطقة …وكأن حضور فعلها “يمثل مباشرة من خلال الوجه المرئي للواقعة، أو من خلال ما تقدمه الواقعة في شكلها الظاهر .”[11]
فالصّورة سياقا عند الاستقبال البصري من طرف الناظر /المتلقي تغدو قوة مؤثرة وتساهم في بلورة تشكيل وعي بصري عند المستقبل كونها عنصرا فعالا، تترجم ثقافة مجتمع. وتجاور الثقافة المدونة بالمنافسة في مضمار السَّبق، مادامت تحمل لغة مغايرة بسكونها المتكلم، مع تحد لمفهومي الزمان والمكان، متأبطة أدواتها للإقناع والتأثير.
إن أي محاولة للاقتراب من الخطاب البصري الذي سلكه حمو آيت إبراهيم تعد مقاربة للتفكيك، علما أن ثمة أعمال لصيقة بالإنسان، وهي أقرب ما تكون لليومي في أشكاله ومعانيه. إذ تعد كجزء من الحياة اليوميّة من عادات وتقاليد في معناها الثّقافي وفي مغزاها الفكري. مُشَكِلة غنائية بصرية لها من المواصفات والإشارات والايقاع العاطفي، بتصور يناشد الحس والإدراك للقيم. إنّها حجج داعية لتحقيق السِّحر البليغ، غايتها الإقناع بما هو جمالي بمدركات نظرية تُشاهدُ وتُبصَر وتُدرك بمرافقة خطاب دعائي ينهض بالتواصل:
وكأنها تدعونا من خلال يافطة: ” انظر ففي النَّظر وجهة نظر”
باحث في الجماليات من المغرب
| انْظُر | ففي النَّظَر | وِجْهَةُ نَظَرٍ |
| النظر والمشاهدة العينية
دعوة للاقتراب |
الرؤية المؤَسَسَةُ على المشهد العميق
بغرض البحث عن السياقات |
الموقف مما نُظِر إليه |
| التمثيل
البصر المعقلن |
الاستخدامات والمهارات والوسائل
التفكيك |
الرأي واستخلاص الفكرة الأساس |
| الصورة كإقناع | توسيع الأفق القرائي | التقييم الإجمالي |
فمن خلال هذه الخطاطة التّقريبية نقف على ما أقامه المبدع بحججه البصريّة، وهو يقترحها في شكلها وبسند خطاب منظم، غايته الدّعوة والاقتراب والتقديم …
إنّها وسيلة لغرض الإنبات والاثبات والادعاء لفرضية ذات موضوع غايته اقناع المتلقي بوجهة نظر المبدع، مادامت الأعمال الفوتوغرافية التي تم اعتمادها هي نماذج:
الممثل من مسرحية ((حروف الزين)) الذي سبقت الإشارة اليه.
والعمل الثاني الذي يساق من مهرجانات الفروسية (التبوريدة) بالمغرب.
ماهي إلا صور ادعاء حجاجي استخدمت فيه الرّموز والأيقونات من استحضار لشخصية (الممثل مول الحمام). دون توليفات أو مونتاج أو مواربة، لكن الاحتفاء والاحتفال بأحد المشخصين المسرحيين ينقلنا مباشرة إلى الدّعاية الضّمنية التي نتلقاها، دعاية تتضمن ما لهذا الحضور من مرجعية برسالة إقناع، يستخلص منها أن العرض يغري بالمشاهدة ويدعو لفرجة المسرحية بيافطة ثقافية. هذه الرسالة ذات المضمون المعتمدة على الوصف الانتشائي، والتّرنيمة المقدمة بشكل عجيب بتعبيرات ناطقة لملامح وجه الشخصية والملابس التي تحمل دلالات رمزية معبرة عن صاحبها وعصره وزمكانه. وكأنه يذكرنا بما انتهجه المسرح الراقص مع فرقة عبد الحليم كركلا، أومن خلال مسرحية ألف حكاية وحكاية في سوق عكاظ(1985) للطيب الصديقي ونضال الأشقر …
من خلال هذا المستوى يتأكد أن الحجج الحقيقية والدعائية قيدت نفسها بلغة بصرية واصفة، بغرض دفع قيمة البحث عن المتعة الفكرية والاستمتاع ومشاهدة العرضين أيا كان نوعهما؛ مسرحية أو فروسية. إنها قاعدة تقليدية ساهم فيها كثيرون ممن يعشقون الفن الفوتوغرافي دون استحضار خلفية الترويج المُباشر، بقدر الانبهار والإعجاب بالعرض المسرحي وتوثيقه على شاكلة صور، فكانت خدمة العرض ادعائيا بحجة الحاضر الشاهد … من أجل الحضور والمُشاهدة.
أما الخيل من أفراس وأحصنة وفرسان وفوارس، في حد ذاتها حججا داعمة لتصور إعلاني (فني/ رياضي) وثقافي يرتبط بالمشاهدة في دعوة خاصة …مادام كل صورة تعد نصا حكاءً بخطاب يحفل بحجاج تشكل دعامة منتظمة، تتقدم من باب أنها صورة دعائيّة اتخذت لنفسها خطا تحريريا جماليا، تَغَيَّتْ منه تَغْييب النُّصوص الطّباعية- الحاضر استثناء من خلال توقيع المبدع لتأكيد الملكية الفكرية، أو إشارة بانتهاء العمل حيث يمكن خضوعه للنشر والترويج – مع معانقة صارخة لكل ما هو مرئي، إنّها مراوغة والانزياح الصّامت بحلّة معينة للبريء النبيل الجميل، أو الدّهاء الفطن الذي يقيم شركا بمرويّات قوامها الصّياغة البصرية؛ من العين الرائية والتلقي بذائقتيه الجمالية والقرائية المتأنية التي تُطهى على نار هادئة… إنّه نشاط بإقامة الحُجّة والدَّليل. كي تتحدث هذه الأعمال الحاضرة، وتمارس أهدافها إلى إقناع المتلقي بطريقتها من خلال التأثير العاطفي والذّهني، والحركي والتأثير البصري، بعشق بلاغي، اعتمادها على حجة تعتمد على صور جمالية في مغزاها، وأسلوبها غايته الاقناع وسنداته القوية الاعتماد على تجسيد دور الموضوع وتيمة الاشتغال، من خلال العناصر المُحْضَرة والرسائل المُضْمرة والاشارات المعلنة في شكلها الجميل الباذخ القابل للمشاهدة حسيّا وعقليّا المُولدة للأفكار والمعاني كي تشكل فكرة بالذّاكرة البصرية.
إنَّها دليل ودعوة لإقامة برهان وحجة كي تُقَدِم منتوجا له سياقاته المتوفرة بنسب إيجابية، وذات الصَّوغ القريب من إنتاج الجيد والمفيد …تسويق لمنتوج ثقافي يمثل فيه الحضور الأبهى بدعامة دعائية اتخذت من الملابس عند الممثل أو عند الحيوان (الخيل)عبورا لما لها من رمزية ودلالات الشيء الكثير. ما دامت العلاقة تأخذ منحى واحدا بقصدية اتجاه المتلقي /المستقبل، بغرض استهدافه واستقطابه.
إنها عملية تحريضية بامتياز لتوليد فتنة الاندماج والإشراك …على اعتبار أن الغاية الدِّعائية تسعى بحجَّتها تقديم منتوج ثقافي لأنه نتاج تراكم للقيم التي هو منها، ويمثلها عبر خط متواز ومتناغم ومستمر.
أليست الصورة بدلالاتها الايحائية تُنْشِأُ المعنى وتُدَلِلُ الصِّعابً كونها رمزا، وتضبط المعرفة الجماعية المشتركة. ففن (التبوريدة) له دلالاته الايحائية كفن مغربي مميز له مقوماته وطقوسه وأعرافه وتقاليده، وهو القادم بالفرح من أجل الفرح والموزع للفرح، والدَّاعي للجماعة بالحضور في رمزية تشد الانتباه وتثير الاحتفاء والإخبار بالفرح. فتعد وظيفته أساسية إعلانية داعيّة للبحث الفُرْجَوي ، فن ينشط في المواسم والمناسبات المميزة…
وعلى هذا الأساس أثبتت الصّورة أنّها حجّة ادعائية بصريا تمثل طابعا بشكل دقيق غير مزيف، ما دامت ولهةً بإعداد رسائلها المختلفة لقرائها إنها ” صورة تفصح عن خطاب سوسيو ـأنثربو لوجي ثقافي وفق حجم الفراغ الدلالي الذي تتركه للمتلقي الذي يملأه بمساحات تأويلية ومسارات سيميوقرائية تتحدد بثقافته ومرجعتيه الحضارية والجغرافية التي تجعل من الشفرة الدلالية الثاوية في عمق هذه الصورة …”[12]
وعلى سبيل الختم، هل قَدَّمَ حمو آيت إبراهيم تصورا لتواصل بقصدية من خلال الأعمال التي تم تقديمها بفعل مباشر؟ وهل عرض منتوجه بشكل صريح من خلال حلم الصّورة وهوسها؟ وهل منح للصورة ذاك التأثير المُضْمَر برسائل لها منسوب مواصفات بالعدل دون زيادة؟ وهل كانت إقلاعاته واضحة الملمح والدّقة، باعتباره مبدعا فنانا، يهندس أعماله المصورة بحرفية، باحثا عن الجميل المفيد؟ وهل كانت مرجعيته في ذلك عينه الرائية والوسيطة، بذائقته الفنية في انتاج المعنى، من حيث آلته (المُصورة) التي يتأبطها أينما حل وارتحل؟ وهل استلهم كل ما أوتي من العناصر الجمالية بمباهج الكمياء المغربي؛ من ألوان وظلال وأضواء وأنوار، محققا أفقا؟ أم اكتفى بالوصف والدِّعاية منشدا تسجيل الحدث بدلالاته فقط؟
كل هذه الأسئلة القلقة، محاولة لمقاربة وملامسة بعض من المنجز الفوتوغرافي عند حمو آيت إبراهيم على أمل أن يكون ما سبق فاتحة للخوض في قراءات أخرى أسمن وأشهى بطرح أسئلة أخرى وتناول مغاير. لأنه يبقى في الختام هو المبدع حيث ” … إليه تعود سلطة التأثير في المشاهد أو توجيهه أو استدراجه وذلك من خلال تحويل نظره حول الأشياء…”[13]
على سبيل الختم
ثمة تعبيرات متعددة ومتنوعة تمثل ديدن أعمال حمو ايت إبراهيم، فهي تتيح لنا التأمل في جماليات الإنتاج الفني الذي تزخر به هذه المحكيات وطريقة سردها بصريا، تدعونا للقراءة بصبر وأناة، كي نلملم جميع تخوم الانعطافات والتدفقات الإبداعية ضمن سلسلة منجزه ككل.
فهو الجاد في القبض على مباهج الحسن بحس شاعري، مستعيرا رؤاه وتصوراته للقطة/ الحدث، مضيفاً شرعية استكمال معالم الحس والذوق الجماليين. إنه يبث خطابا يسعى للتفرد، مستحضرا العين المُغْدَقَة بالرؤى والتّصورات، المُوظَفَة لعناصر القراءة، غايتها اشراك المتلقي في التحليل والسؤال، مهووسا بالبحث فيما تشتهيه الذاكرة المغربية الجماعية بشواهدها، متماهيا بنظام فني ينصت إلى الاستجابات والتأثيرات الموجودة في هوية شكلت معارفه ، وبتخومها تلح عليه كي يترجمها، فكان وفيا ومتميزا ومتعلقا بسلوك جمالي وذائقة مرهفة …
| فالإنسان | مول الحمام (المسرحي) |
| النبات | شقائق النعمان |
| الحيوان | الخيل في مضمار(التبوريدة) |
كل هذه العناصر منتزعة من واقع صفته الأصلية، هي إلينا تنتسب، ونحن إليها عشاق. أضفى عليها الفنان برهافة إحساسه وفرط ما يملك من عدة وعتاد جماليين، فاقتنصها بدقة وأنشأ مشاعر الانتساب بغاية حوار عدته خطاب بصري وذهني في الآن معا. ما دامت الصورة عنده هي رصد لوجود الانسان في تجلي عطائه الفكري والقيمي وهي بحالة أخرى صورة تحكي وتسرد متونها و” تمنحنا إمكانية الحديث عنها وتقديم تأويلا متعددة ومختلفة حولها ” [14]وموثقة بتأشيرة تفصح في مجملها عن الخير والجمال والحب والوفاء …
المصادر والمراجع
- فريد الزاهي. الجسد والصورة والمقدس في الإسلام.
افريقيا الشرق الدار البيضاء /المغرب ط:2 .2010
- بنيونس عميروش. مسالك البصري. مرجعيات ورهانات الفن المعاصر.
دار خطوط وظلال. عمان الأردن. ط 2021
- كلود عبيد، جماليات الصورة في جدلية العلاقة بين الفن التشكيلي والشعر.
المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. ط1 -2011
- النقد الفني (أبحاث في النقد الفني) ت د زياد سالم حداد.
دار المناهل. بيروت ط 1-1993
5.
- ( فهم الجماليات الأساسية في التصوير)
https://photos-lab.com/2016/08/09/%E2%80%8E
- غيو رغي غاتشف ،الوعي والفن ،ت د نوفل نيوف مراجعة :د سعد مصلوح ،
سلسة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت
- إبراهيم آيت المكي سردية الصورة مقاربة سيميائية لإرسالية الكاريكاتيرـ
كنوز المعرفة عمان الأردن ط 2021
- فريد الزاهي. الصورة وتحليل الخطاب البصري في العالم العربي من اللغة الى المرئي. مجلة الخطاب. الجزائر. العدد 14
- سعيد بنكراد. المعنى بين التعددية والتأويل
مجلة علامات. المغرب. العدد :13 /2000
- عياد أبلال. دلالة الجسد الأنثوي في الصورة الإشهارية. قراءة سيمو ـ انتربولوجية.
مجلة علامات /المغرب العدد:42
- جعفر عاقل. نظرة حول الصورة الفوتوغرافية بالمغرب
نشر دار الفنك ط 2015
- سعاد عالمي ـ مفهوم الصورة عند ريجيس دوبري
افريقيا الشرق. المغرب ط 2004
- فريد الزاهي. الجسد والصورة والمقدس في الإسلام. افريقيا الشرق الدار البيضاء /المغرب ط:2 .2010 ص: 116
- بنيونس عميروش. مسالك البصري. مرجعيات ورهانات الفن المعاصر. دار خطوط وظلال عمان الأردن ط2021 -ص :124
- كلود عبيد، جماليات الصورة في جدلية العلاقة بين الفن التشكيلي والشعر. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. ط1 -2011 .ص94
4 العكر الفاسي: هو مسحوق تجميلي طبيعي، قاعدته تتكون من زهرة شقائق النعمان المجففة والمطحونة مع إضافات أخرى متنوعة تمنحه لونا أحمرا أو ورديا
5 النقد الفني (أبحاث في النقد الفني) ت د زياد سالم حداد. دار المناهل. بيروت ط 1-1993 -ص :80
5 روى البخاري (2852) ، ومسلم (1873) عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الجَعْدِ رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( الخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ : الأَجْرُ وَالمَغْنَمُ ) .
)https://photos-lab.com/2016/08/09/%E2%80%8E( فهم الجماليات الأساسية في التصوير [7]
7ـ غيو رغي غاتشف ،الوعي والفن ،ت د نوفل نيوف مراجعة :د سعد مصلوح ،سلسة عالم المعرفة ،المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ،الكويت ــعدد:146 ــص:248
- زهرة المنصوري .سيميوتيقا التواصل في الخطاب السينمائي ص: 65 (ورد في كتاب سردية الصورة مقاربة سيميائية لإرسالية الكاريكاتير لصاحبه :إبراهيم آيت المكي ص 42 )كنوز المعرفة عمان الأردن ط 2021
- فريد الزاهي. الصورة وتحليل الخطاب البصري في العالم العربي من اللغة الى المرئي. مجلة الخطاب. الجزائر. العدد 14. ص: 221
. سعيد بنكراد. المعنى بين التعددية والتأويل. مجلة علامات. المغرب. العدد :13 /2000.ص:13[11]
11 ـ عياد أبلال. دلالة الجسد الأنثوي في الصورة الإشهارية. قراءة سيمو ـ انتربولوجية. مجلة علامات /المغرب العدد:42 ص: 14
جعفر عاقل. نظرة حول الصورة الفوتوغرافية بالمغرب ـ نشر دار الفنك ط 2015 ـ ص: 10[13]
سعاد عالمي ـ مفهوم الصورة عند ريجيس دوبري افريقيا الشرق. المغرب ط 2004 ـ ص20[14]
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
