الرئيسية / الأعداد / البعد الصوفي من خلال نورانيات اللون والخط عند الفنان محمد طوسون – محمد سعود

البعد الصوفي من خلال نورانيات اللون والخط عند الفنان محمد طوسون – محمد سعود

البعد الصوفي من خلال نورانيات اللون والخط عند الفنان محمد طوسون

محمد سعود*

 

ظهرت أعمال الفنان المصري محمد طوسون وسط زخم من الاتجاهات الفنية التي  ألقت بظلالها على   العالم العربي ، حاول أن يشق طريقه بثبات وأن يخلق لنفسه نوعا من التميز الفني ، مستفيدا من مجموع من العوامل ، منها البيئة الفنية التي نشأ فيها حيث إن والده فهمي طوسون كان أحد كبار خطاطي القاهرة،  هذا ما ساعده على تلقي المبادئ الأولى للخط العربي منذ نعومة أظفاره ، حيث تمرن على كتابته في سن مبكرة ، وساعدته الوسط الفني على الالتحاق  بكلية الفنون الجميلة شعبة التصوير .إضافة إلى نشأته في حي بولاق بالقاهرة العريق مما جعله كثير التردد على مسجد السلطان أبي العلاء الذي يقصده الكثير من المريدين.

كل هذه العوامل ساعدت الفنان محمد طوسون أن يخلق لنفسه تجربة فنية جديرة  بالمتابعة يوظف فيها  البعد الواحد ليصبح مكونا أساسا من مكونات اللوحة ، إلى درجة أن العنوان والخط العربي يتلازمان ، وهذا نادرا ما نجده في أعمال الحروفيين ، كما أن أعمال الفنان محمد طوسون فيها الكثير من الجدة والإبداع ينحو إلى المعاصرة  دون أن يتنكر لسابقيه ،  استلهم طريقة تطويع الخط العربي وتحويله إلى صورة ، ولكن دون تجريده من المعنى معتمدا على عبارات قصيرة ،كلها مستمدة من آيات قرآنية ويضفي عليها طابع القدسية ،  وبذلك يختلف عمن جردوا الخط من معناه وأيضا من شكله ولم يتركوا إلا حركيته كالفنان التونسي نجا المهداوي و الفنان الإيراني الأصل حسين زندرودي   ، أو من اشتغلوا على نصوص شعرية كالفنان العراقي ضياء العزاوي .

كما أنه أولى الجانب الجمالي أهمية كبرى في أعماله الفنية بتوزيع لوني غاية في الدقة يتناسب مع جلال العبارات ذات الطابع الروحاني ، وفي سباحة كونية تجعلنا نسبح جميعا في بهائها كطيور فريد الدين العطار ، لنكتشف عالما من السحر والبهاء في أعمال فنان متميز يسهر دائما على إضفاء طابع خاص على أعماله الفنية ويبقي وفيا لطريقته في التعامل مع الأشكال والألوان بالكثير من الجهد ، ويمنح بسخاء متعة بصرية للمتلقي . ..

وما يميز  الفنان محمد طوسون أنه واع  بتجربته الفنية التي ارتأى أن يطلق عليها  البيكتوغراف ، والتي يقصد بها  الرسم والخط أو بصيغة أكثر وضوحا تصوير الخط ، وان كنت أرى أنها (بيكتوكاليغراف) ، والتي تعتمد أساسا على الحرف العربي في سياق جملة أو عبارة، دون أن يجرده عن سياقه اللغوي الذي يتخذ بعدا دينيا وروحيا تجلت فيه الكثير من المؤثرات ، ويقول الفنان محمد طوسون عن هذا التوظيف ” الحرف بالنسبة لي ليس كتلة جامدة ، ولكنه كتلة روحية تسمع وترى ..تتحرك بكل مكوناتها كلمة ورمزا ومعنى لتعبر عن مضمون اللوحة “.

ألوانه نورانية غاية في النقاء والشفافية ولذلك يتحاشى استعمال الأسود ليحافظ على صفاء اللون ، وينظم أفكاره مسبقا لتحتويها إمكانات الألوان والخطوط الكاليغرافية ، وإن كان اللون في أعماله لا يخلو من وظيفته التزيينية فإنه يشكل قيمة سيكولوجية واجتماعية تضافرت فيها مجموعة من العوامل والخلفيات الثقافية للفنان ، وتخلو أعماله من جدل الألوان ولذلك تراه لا يركز على التضاد بين النور والعتمة ، بل تجد النور منتشرا في كل اللوحة يتناغم في انسجام تام مع كل مكوناتها من خلال اعتماده على اللون الأصفر في جل لوحاته ، لأنه  لون الشمس الحقيقة ، ويبعث في اللوحة دفئا وحيوية في انسجام  مع حركة الحروف التي يخرجها الفنان  من شرنقتها ليعطيها شكلا من الأشكال المألوفة  كالطير أو السفينة ،، ومما يبعث فيها طاقة أكثر من الحيوية  التشكيلات الكثيرة للأجنحة.

ويمنح الفنان اللون بتجلياته إضافة إلى الخط العربي الذي ينصهر في الصورة سلطة مطلقة  ..  تغيب كل الخطوط لتترك مكانها للشكل الدائري الذي يتحول إلى مفردة تتكرر في اللوحة ، وكأنها كواكب أو أجرام سماوية أو حبات من السبحة ، لدعم فضاء اللوحة ، وتجربته ليست عملية تلفيقية لمعاصريه وسابقيه ، بل هي فيها الكثير من الإبداع والإضافات ، وذات طابع مميز لما تحمله من معالم ذاتية وخصائص ممثلة لشخصيته.

إن أعمال محمد طوسون فسيفساء يتجاور فيها الحرف العربي مع الرسم التشخيصي من خلال الفضاءات التي يخلقها في اللوحة وهي عبارة عن فضاءات حقيقية بكواكبها وسمائها ، ويحرص دائما على تجسيدها بمهارة فائقة تنم عن تمكنه من تقنيات الرسم التشخيصي وتعامله مع الألوان الزيتية بحذق يحرص على تساوقها وتداخلها مشكلا طبقات لونية جميلة تتآلف في ما بينها في انسجام تام في ما بينها ،، ولكن هذا التشخيص في أعماله  ليس نقلا للمرئي بل هو رؤية الفنان الباطنية  . ولم يغفل الجانب الكاليغرافي مستفيدا من انسيابية الخط العربي وقابليته الكبيرة للتطويع ليشكل منه صورا تفنن في إبداعها .

إن تطويع لخط العربي ليشكل صورة حسية ، وإن اشتغل عليه الخطاطون العرب قديما ، فان هذه العملية الفنية ليست وليدة الحضارة العربية ، بل تعود جذورها حسب بيئة الفنان إلى الفراعنة ، الذين لم تكن الكتابة بالنسبة لهم إلا صورا ، فقط هناك اختلاف في الوظيفة والمعالجة ، فالفراعنة كانوا يطوعون الصورة لتتحول إلى خط ، ووظفوه للتواصل ، أما محمد طوسون وسابقيه من الخطاطين العرب طوعوا الخط ليتحول إلى صورة حسية ذات شكل مألوف عند المتلقي ،، وهذه الصور الكاليغرافية عند الفنان محمد طوسون غالبا ما تتشكل من طيور ترمز للمحبة ، ودوائر أو كريات تسبح في الفضاء للتعبير عن الكمال ، وهذا ما ينسجم مع فلسفة محمد طوسون التي تركز على العشق الإلهي ،، وهي نزعة صوفية عند الفنان يعبر بها عن وعي ، استمدها من تربيته الدينية التي كان لها بالغ الأثر في فنه ،، والآيات القرآنية والعبارات الدينية تأكيد لهذه النزعة ،، وبذلك سار ضد التيار الذي جرد الخط العربي من قدسيته ومن معانيه اللغوية .

و من خلال أعماله يتضح أنه أدرك أنه مهما يكون توظيف  الخط فانه يجب أن يخدم وحدة العمل الفني ، وان لا يكون تزيينا أو إلصاقا تعسفيا يشكل نشازا في اللوحة ، وهذا التوظيف نجح فيه إلى حد كبير الفنان محمد طوسون ، واستطاع أن يوحد بين الخط الكاليغرافي والصورة وينصهران في بوتقة واحدة رغم أنهما عنصران منفصلان في الأصل ، بالإضافة إلى ذلك تولد عنهما عنصر ثالث وهو الجانب الدلالي ، منه ما هو جلي ، ومنه ما هو خفي ، وهذه الهندسة البصرية تخفي هندسة روحية ، وينطبق مع قاله الفيلسوف اليوناني إقليدس ” الخط هندسة روحية وان ظهرت بالة جسمانية ”

 

فنان تشكيلي وباحث من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

حوار مع المبدع المغربي حسن بيريش – حاوره الشاعر الحسَن الگامَح

ورقة عن المبدع حسن بيريش مكان الولادة: مدينة طنجة، المغرب. التخصص البارز: كاتب وصحافي متخصص …

اترك تعليقاً