الرئيسية / الأعداد / مسرحية “الكمانجي” جرأة الموضوع وتألق الشكل – نور الدين بنخديجة

مسرحية “الكمانجي” جرأة الموضوع وتألق الشكل – نور الدين بنخديجة

مسرحية “الكمانجي” جرأة الموضوع وتألق الشكل

نور الدين بنخديجة*

 

 

قدمت جمعية “بهجة لوناس” بمراكش عرضًا مسرحيًا تحت عنوان “الكمانجي”.. تأليف وإخراج عبد الحق الصقلي، أحد قيدومي المسرحيين المتميزين بمراكش والذين أغنوا الساحة المسرحية الهاوية والمحترفة من أواسط السبعينيات إلى الآن… وقد أُهديت هذه المسرحية في عرضها الأول بدار الشباب عرصة الحامض يوم 14 دجنبر 2025… الدار التي كانت فضاءً خاصًا لمختلف المسرحيين فترة فورة تجاربهم، خاصة السبعينيات والثمانينيات…

1 – الكمانجي… دلالة العنوان وأفق الانتظار…

مفردة “الكمانجي” تحيل المتلقي المسرحي إلى أنه سيشاهد عرضًا عن شخصية عازف كمان… إما في جوق موسيقي… أو عازف منفرد… أو عازف جوال… أو قد تحيل لفظة “كمانجي” في ذاكرتنا الشعبية إلى عازف شعبي، خاصة في أجوَاق فن العيطة أو الملحون أو الحلقة أو عازف جوال….

فعن أي عازف قدمت لنا فرقة “بهجة لوناس”؟!…

2 – الشخصيات:

  • الكمانجي: فنان يقدم نفسه كعازف كمان في الحلقة بساحة جامع الفنا… في حواره المونودرامي يقدم نفسه عاريًا بلا مواصفات أخلاقية متعارف عليها… يعري نفسه بتلقائية الفنانين الشعبيين المهمشين… سكير… يحب زوجته الفقيدة ويعنفها أحيانًا… يحكي عن معاناته في العيش وتدبير أموره…
  • شخصية مسيكة: ابنه اليتيم الذي سيشغله أبوه كراقصة في الحلقة.. واسمه الحقيقي الخليل… شاب مثلي اعتاد لباس الإناث وتغنجهن… إبان تطور الأحداث سيحكي عن معاناته في تناقضاته الذاتية بين جسد رجل وروح أنثى… وعن معاناته في رؤية المجتمع له.
  • شخصية العجوز المبرع: ويماثل نسبيًا شخصية الحراز في شعر الملحون.. دون أن يسقط في فخ استنساخها.. رجل مزواج… ترك له شريكه الذي توفي في عهدته الفتاة ليلى وأوصاه بها وجعله وكيلاً عليها ووصيًا على إرثها إلى أن تكبر… لكنه يطمع في أن يتزوجها مانعًا إياها وزوجاته من الخروج من المنزل إلا بإذنه…
  • شخصية الفتاتين: أي شخصية ليلى وإحدى زوجاته الصغيرات الملازمة للفتاة ليلى التي يرغب في الزواج منها… شخصيتان تشرحان من خلال الحوارات وضعية الزواج التقليدي والعقلية الذكورية المحافظة…

إذن، شخوص المسرحية التي حركت الأحداث تمحورت حول خمس شخصيات… الكمانجي… المبرع… ليلى ومصاحبتها… ومسيكة الخليل…

مع شخوص آخرين كانت لهم أدوار في الحلقة كمتابعين أو متفرجين، وأحيانًا كمغنين ومغنيات وراقصين وراقصات….

3 – مسرحية الكمانجي وجرأة اختراق الطابوهات… المسألة الجنسية…

لقد عرّى المؤلف والمخرج بكل جرأة المسكوت عنه في مجتمعنا المحافظ بخصوص أحد الطابوهات التي ما زالت تثير تجاذبات في الرؤية بين مرجعية محافظة وأخرى تحديثية؛ أي المسألة الجنسية…. وقد جاءت الحوارات جريئة في الملفوظ الجنسي المتداول في الشارع المغربي الشعبي منه على الخصوص، لا بالنسبة للعلاقات الغيرية أو المثلية… لتشرح وتحلل بحياد دون السقوط في أي رؤية أخلاقية تحاكم الفرد وتدعو لنبذه في المجتمع…

كما تعري الزواج المحافظ في مجتمعنا بين زواج الشيوخ بالصغيرات سنًا… وتعرية المسكوت عنه في هذه العلاقة على مستوى الجنس.

4 – في دلالات السينوغرافيا والملابس:

السينوغرافيا في عرض “الكمانجي” كانت جد مميزة ومتقنة فنيًا بروح ولمسة تشكيلي متمكن من منطوق النص ودلالاته ومضمونه…. جعلت من تأثيث الفضاء مساحة لأشكال من حقل الموسيقى… مجسمات لكمان كبير، كونترباص أو تشيلو… مجسمات بنوتات موسيقية… وبتوزيع للألوان متناغم دون إحداث نشاز على مستوى الرؤية البصرية للمشاهد… بل بمتعة تشكيلية فنانة…. وهي من إنجاز الفنان والسينمائي قاسم الصقلي…..

الملابس جاءت مكملة للسينوغرافيا ولمضمون العرض في حبكته الفرجوية الشعبية المستمدة من فن الحلقة أو فن البساط المعتمد على الألوان المثيرة والمبهرجة أحيانًا… كما أنها استمدت ألوانها من تناغم وتكامل مع ألوان السينوغرافيا… هذه السينوغرافيا كـ “مجسمات” كانت تتغير دلالاتها حسب تطور الأحداث وتغير المشاهد… من باب منزل — شرفة تطل على الشارع… بالإضافة إلى مشاجب أو معالق لأقنعة مسرحية….

5 – مؤثرات صوتية وإضاءة:

المؤثرات الصوتية، وخاصة من خلال الأغنية، حاولت الاستفادة من التراث الشعبي الغنائي: فن العيطة.. ميزان الواد الحوزي.. الملحون إلخ… لتضفي على المتعة المسرحية تناغمها وفرجتها الشعبية…

  • في التشخيص:

لعب الخمسة بكل تكامل وانسجام وتمكن من تقمص الشخصيات، وبكل جرأة وتلقائية تتنفس من أجواء الشخصيات الشعبية…. وخاصة جرأة التشخيص لدور الراقصة مسيكة… الأدوار التي يتهرب منها أغلب المشخصين…

…. تحية لهؤلاء الفنانين.. تحية الإبداع، وخاصة على مستوى سنهم كشباب في أول العمر..

  • في أجواء العرض المسرحي:

رغم أن مراكش شهدت هذا اليوم ثلاثة أنشطة متزامنة في نفس التوقيت، إلا أن الحضور كان مميزًا ويبرز الرغبة في التمتع بالفرجة المسرحية؛ جمهور متنوع: شباب، شيوخ، فتيات… مثقفون.. مسرحيون…. وكذلك كان الحضور الوازن بمثابة تكريم لأحد رواد الفرجة المسرحية منذ أواخر الخمسينيات من طلائع المسرح العمالي أولاً مع الاتحاد المغربي للشغل إلى أجواء مسرح الهواة، مولاي الغالي الصقلي، الذي يستحق أكثر من التفاتة وتكريم…

ختامًا:

مراكش ما زالت في حاجة ماسة وملحة للفرجة المسرحية بعمق تاريخها المسرحي والفني… وكل هذا في طول انتظار وتوقف ملتقياتها المسرحية التي طال أمد الاشتغال عليها وتغييبها…

فنان مسرحي من المغرب

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

حوار مع المبدع المغربي حسن بيريش – حاوره الشاعر الحسَن الگامَح

ورقة عن المبدع حسن بيريش مكان الولادة: مدينة طنجة، المغرب. التخصص البارز: كاتب وصحافي متخصص …

اترك تعليقاً