ثنائيات التجربة الإنسانية وأسئلة الوجود في «إني رأيتكما معًا» لأحمد بوزفور

رشيد أمديون*
يشكل عنوان المجموعة القصصية «إني رأيتكما معًا»1 للقاص أحمد بوزفور عتبة نصية تستوقف القارئ منذ الوهلة الأولى، لا سيما أنه يتناص مع قصيدة وأغنية «لا تكذبي»2 للشاعر المصري كامل الشناوي. وإذا كان هذا التناص يوحي، في أول قراءة للعنوان، بثنائية الكذب والخيانة التي تؤسس النص الغنائي، فإن قراءتنا للنصوص تقتضي تجاوز هذه الإحالة إلى مساءلة الدلالة التي يكتسبها العنوان داخل المجموعة نفسها؛ فهل يظل أسير أفقه الغنائي (كمرجع)، أم ينفتح على رؤية مغايرة يفرضها العالم السردي؟
لا بد أن الانطباع الأول قد يدفع القارئ إلى ربط العنوان مباشرة بالأغنية، غير أن هذا الربط لا يعدو أن يكون تصورًا أوليًا تؤثثه الخلفية الثقافية للمتلقي قبل الولوج إلى المتن. أما بعد قراءة المجموعة وتأمل بنيتها الفنية والتيماتية، فإن أفق العنوان يبتعد عن تلك الدلالة المبدئية، ليقود إلى رؤية أكثر عمقًا تتكشف من داخل العالم السردي الذي يبنيه أحمد بوزفور.
ولبلوغ هذه الدلالة، يقتضي الأمر استقراء هذا العالم السردي؛ إذ تتجه قصص بوزفور إلى استبطان الذات الإنسانية والكشف عن العالم الباطني، فتغدو القصة القصيرة رؤيةً إلى الداخل الإنساني قبل أن تكون تسجيلًا لوقائع الحياة. ولا تستمد مجموعة «إني رأيتكما معًا» وحدتها من التجاور الموضوعاتي بين نصوصها فحسب، وإنما من شبكة من الثنائيات الدلالية التي تنتظم عالمها السردي وتكشف أبعاد التجربة الإنسانية.
ومن هنا، يتكشف المعنى العميق لعنوان المجموعة من خلال هذه الثنائيات؛ فالحب والموت يعيدان بناء التجربة الوجودية، والرؤية والبصيرة تنقلان فعل الإبصار إلى أفق التأويل، بينما يفضي الموت والصمت إلى مساءلة الإنسان ومصيره. ولذلك سنقارب العالم السردي في المجموعة من خلال هذه الثنائيات الثلاث، بوصفها مداخل قرائية تكشف مستويات الدلالة وأبعاد التجربة الإنسانية وأسئلتها الوجودية، بما يجعل عنوان «إني رأيتكما معًا» مفتاحًا تأويليًا للعالم السردي ولرؤية أحمد بوزفور إلى الإنسان والوجود.

2-1- الحب والموت: من التجربة العاطفية إلى السؤال الوجودي
تعد ثنائية الحب والموت أولى الثنائيات الكبرى التي تنتظم العالم السردي في قصص «إني رأيتكما معا»، فلا تحضر بوصفها مجرد موضوعين مستقلين، وإنما بوصفها بنية دلالية تتداخل فيها التجربة الإنسانية بالرؤية الوجودية3، ويتحول من خلالها الواقع إلى مجال للتأمل وإعادة البناء. ومن ثم، فإن تتبع حضور هذين القطبين يكشف أحد أهم المفاتيح التأويلية لفهم عنوان المجموعة وأفقها الدلالي.
2-1-1- من استبطان الذات إلى إعادة تشكيل العالم
يقتضي الكشف عن هذه الثنائية (الحب/الموت) استحضار طبيعة البناء السردي عند أحمد بوزفور، الذي لا يكتفي برصد الوقائع في مستواها الخارجي، وإنما يتجه إلى استبطان الذات الإنسانية والكشف عما يعتمل في عالمها الباطني. ويتصل هذا المنحى بما لاحظه حسن المودن في تجربة بوزفور القصصية من «إعادة الاعتبار للذات»4، في سياق كتابة تسعى إلى تجاوز التصورات التي غلّبت المضمون الإيديولوجي على البعد الجمالي، وأغفلت عنصر الذات في بناء العمل القصصي. ومن ثم، فإن الذات في قصص بوزفور ليست مجرد حضور عابر داخل الحدث، وإنما تتحول إلى مجال تتشكل فيه التجربة وتنكشف من خلاله أبعادها النفسية والوجودية. ويجد هذا التوجه تجسيده الواضح في قصة «القنفذ»، إذ يقول السارد: «ظللت أركز اهتمامي على رأسه.. حتى لقد عرفت كل تفاصيلها الطوبوغرافية. عرفت ندوب طفولته، وهضبة مؤخر الرأس والسفح المنحدر منها انحدارا خفيفا نحو الجبين العاري، والخليجين الممتدين على جانبي الرأس. عرفت (حفرة نيته) الأخدودية بقفاه، والواديين المختفيين وراء أذنيه. وأصبحت خبيرا بكل جديد يحدث في داخله من حركة رأسه، فهو ساكن غالبا، ولكنه يحرك رأسه فجأة إلى الأعلى أو إلى الأمام أو الخلف أو اليمين أو اليسار… حركة قصيرة ومختلسة حتى لقد كانت تفوتني أحيانا، ولكنها تنم عن حدث في الداخل. حدث يقوى حتى يهز الخارج»5.
ويكشف هذا المقطع عن إحدى السمات البارزة في قصص بوزفور، والمتمثلة في جعل الظاهر امتدادًا لما يعتمل في الداخل؛ فحركات الشخصية لا تُقرأ بوصفها أفعالًا خارجية مستقلة، وإنما بوصفها علامات على «حدث في الداخل» يقوى حتى ينعكس على الخارج. وبالتالي تصير الذات الإنسانية والعالم الباطني للشخصية مجالًا أساسيًا لبناء الحدث وكشف دلالاته، فلا تنفصل الوقائع الخارجية عن المشاعر والهواجس والتحولات النفسية التي تنتجها وتفسرها.
ويكشف هذا التوجه أيضًا عن طبيعة العلاقة التي يقيمها بوزفور بين الذات والعالم؛ فالعالم السردي لا يقدم بوصفه واقعًا جاهزًا ومستقلًا عن الذات التي تدركه، وإنما يتشكل من خلال فعل التصور الذي يعيد ترتيب عناصره ويمنحها دلالتها. وهو ما تقوله إحدى شخصيات قصة «أبيض كالدم. أحمر كالحليب»: «أنا أتصور العالم، وأنتم تتصورون المعنى. ما أهمية المعنى؟ المهم هو العالم»6. ففعل «أتصور» هنا يتجاوز مجرد الإدراك الحسي، ليشير إلى تدخل الذات في تشكيل صورتها عن العالم وإعادة بنائه داخل الخطاب السردي. ولا يعني الفصل بين «العالم» و«المعنى» إلغاء المعنى، بقدر ما يكشف عن أولوية العالم بوصفه مجالًا للتجربة والتصور؛ فالشخصية لا تنطلق من معنى جاهز لتسقطه على الواقع، وإنما تتعامل مع العالم من خلال رؤيتها الخاصة. وبذلك يصبح التصور فعلًا تتوسط به الذات علاقتها بالعالم، فلا يكون الواقع مادة محايدة تنقلها الكتابة، وإنما مادة يعاد تنظيمها من خلال الوعي الذي يدركها.
وهذه القدرة على التصور لا تتوقف عند حدود إعادة النظر في العالم القائم، وإنما تمتد إلى إمكان خلق عوالم أخرى، وهو ما تؤكده الشخصية نفسها في حوارها مع السارد، حين تقول: «الفيلسوف قطار فقير يبني سكة ويسير عليها. أما الشاعر فملياردير. يملك العالم كله، ويتجول فيه حرًا، ويخلق حيثما حلَّ عوالم أخرى جديدة»7. فإذا كان «التصور» يمثل لحظة تدخل الذات في العالم، فإن «خلق العوالم» يمثل أقصى درجات هذا التدخل؛ إذ ينتقل الشاعر من تلقي العالم وتأويله إلى إعادة تشكيله وتوليد إمكانات جديدة داخله. فالمبدع، بحسب هذا التصور، لا يتحرك داخل عالم مغلق ونهائي، وإنما يمتلك قدرة تخييلية تتيح له أن يحوّل العالم الواحد إلى عوالم متعددة، وأن يجعل من الواقع منطلقًا لإنتاج الممكن.
ومن ثم، تتجاوز «الرؤية» عند بوزفور وظيفة الإبصار أو وصف الواقع، لتصبح فعلًا تخييليًا يعيد بناء العالم السردي، ويمنح الذات إمكانية الانتقال من رؤية العالم إلى إعادة خلقه «ونخلق نحن أيضا خلقنا الخاص»8. وإذا كان الداخل النفسي للشخصية يتحول إلى علامة تكشف ما وراء السلوك الظاهر، فإن العالم نفسه يغدو قابلًا لإعادة التشكيل من خلال الوعي والتصور والتخييل. وهنا تلتقي الذات بالعالم في عملية سردية واحدة، لا يكون فيها الواقع نقطة نهاية للكتابة، وإنما مادة لإنتاج رؤية جديدة للإنسان والوجود.
2-1-2- من التجاور الموضوعاتي إلى التفاعل الدلالي
لا يحضر الحب والموت داخل «إني رأيتكما معا» بوصفهما موضوعين منفصلين، وإنما تتشكل دلالتهما من خلال العلاقة التي تنشأ بينهما داخل العالم السردي. ويتوزع العمل على بابين رئيسين: الأول معنون بـ«الحب»، ويضم ثمانية نصوص قصصية، والثاني موسوم بـ«الموت»، ويحتضن إحدى عشرة قصة يتسم أغلبها بالتكثيف الشديد.
وإذا كان هذا التقسيم يبدو، في ظاهره، تقسيمًا موضوعاتيًا بين بابي «الحب» و«الموت»، فإنه لا يتجاوز على مستوى خط السرد المتتالي ما يسميه صلاح فضل «العلاقات السياقية التي تدل على علاقات التسلسل والتوافق بين الكلمات أو الإشارات على مستوى المقال الفعلي؛ أي خط الكلمات المتتالية، وهذه يطلق عليها علاقات المجاورة»9، فإن القراءة الفاحصة تكشف عن تداخل تيماتي عميق بين المحورين داخل النصوص نفسها عبر ما يعرف بـ «العلاقات الإيحائية أو الاستبدالية؛ أي علاقة كل عنصر من السياق بما يثيره من عناصر مخالفة له تم اختياره دونها، ولكنها تمثل الثروة الاحتياطية له»10. فإذا كان عنوانا البابين يقدمان الحب والموت بوصفهما تيمتين متجاورتين على مستوى تنظيم المجموعة، فإن القراءة الداخلية للنصوص تكشف أن كل تيمة تستدعي الأخرى وتكتسب معناها من حضورها الضمني؛ إذ يتسلل الموت إلى النصوص التي يظللها عنوان «الحب»، كما يتسرب الحب إلى النصوص التي يظللها عنوان «الموت»، فتتجاوز العلاقة بينهما مجرد التجاور إلى التفاعل الدلالي.
ويتجلى هذا التفاعل منذ القصة الاستهلالية «تاريخ الحب»، حيث لا يظل الحب مجالًا مستقلًا عن الموت، بل يستدعيه منذ لحظته الأولى بوصفه عنصرًا مكوّنًا لدلالته، إذ يستحضر القاص قصة توبة بن الحمير وعشقه لليلى الأخيلية، وهي قصة تراثية شهيرة تنتهي نهاية فاجعة، بما يجعل الموت حاضرًا في صميم خطاب الحب؛ فالموت لا يرد بوصفه حدثًا طارئًا في سياق الحب، وإنما يستدعيه النص من أفقه الدلالي، ليصبح أحد العناصر المؤسسة لمعنى الحب نفسه. يقول السارد: «فنفر طائر من جانب القبر جفَّل الجمل فتراجع وأسقط ليلى على الأرض… حركها زوجها فوجدها ميتة»11.
ويرد هذا الشاهد ضمن قسم «الحب القديم»، في نص قسمه القاص إلى ثلاثة أقسام: «الحب القديم»، و«الحب الحديث»، و«الحب القادم». ويكشف هذا التقسيم عن مسار دلالي لتطور تمثلات الحب، ينتقل من النموذج العذري الذي تمثله قصة توبة وليلى الأخيلية، إلى الحب في تجلياته المعاصرة، ثم إلى استشراف مآلاته المستقبلية. ففي قسم «الحب الحديث» يقول السارد: «أرسل إليها هذه الأسطر الشعرية في البريد دون أن يذكر أنها لشاعر ياباني مات منتحرًا. بعد أيام جاءه جوابها على الـSMS: (إذا كنت تريد أن تنتحر، فلا تنس أن ترسل إليَّ رسائلي وصوري. لا أريد أن تجرجرني في الكوميساريات)»12.
يوضح هذا الحوار انقلابا جذريا في تمثل العلاقة العاطفية؛ فإذا كان الحب في القسم الأول قد ارتبط بالموت بوصفه ذروة الوفاء والعشق، فإن الموت هنا يفقد بعده التراجيدي ويتحول إلى احتمال يومي لا يثير سوى الخوف من تبعاته القانونية والاجتماعية. لذلك لا تنصرف المرأة إلى ثني الحبيب عن الانتحار أو التعبير عن ألمها، وإنما تنشغل باسترجاع رسائلها وصورها حتى لا تصبح دليلا ضدها في التحقيق. وهكذا ينتقل الاهتمام من مشاعر الإنسان إلى ما تخلّفه العلاقة من آثار مادية، ومن الإحساس بالآخر إلى الانشغال بما قد يترتب عن العلاقة من تبعات واقعية.
وتكشف العبارة الساخرة: «لا أريد أن تجرجرني في الكوميساريات» عن هيمنة الحس البراغماتي على العلاقات الإنسانية؛ فالحب لم يعد فضاءً للتضحية كما كان في النموذج العذري، بل أصبح علاقة محكومة بهاجس السلامة الشخصية وتجنب المساءلة. ومن ثم، يفقد الموت دلالته البطولية أو الوجدانية، ليغدو مجرد حادث قد يجر صاحبه ومن يرتبط به إلى متاعب ومشاكل.
وتتأسس المفارقة هنا على المقابلة بين القسمين: ففي «الحب القديم» ينتهي الحب بالموت بوصفه تتويجًا للمحبة، أما في «الحب الحديث» فيرد الانتحار في سياق ساخر، فيتحول الموت من قدر مأساوي إلى واقعة تحكمها إجراءات التحقيق والمساءلة، ويصبح الحب نفسه موضوعًا للمفارقة لا للتقديس. وبهذا لا يكتفي أحمد بوزفور بتسجيل اختلاف الأزمنة، بل يكشف عن التحول الذي أصاب منظومة القيم، حيث تراجعت الرومانسية لتحل محلها رؤية واقعية ساخرة تنزع عن الحب هالته المثالية.
ويبلغ هذا المسار ذروته في قسم «الحب القادم»، حيث لا يكتفي النص بإعادة صياغة العلاقة بين الحب والموت، بل يذهب إلى التشكيك في إمكان استمرار الحب ذاته؛ إذ يشبهه السارد بـ«ذرة تراب ضائعة في بحر رمال الصحراء»13، في صورة رمزية توحي بتلاشي معناه وذوبان أثره وسط عالم فقد فيه الحب مركزيته وقيمته الوجودية.
إن هذه الأقسام الثلاثة توضح أن الحب لا يقدم بوصفه تجربة ثابتة، وإنما بوصفه تجربة متحولة، تبدأ بالمثال العذري، ثم تنفتح على مفارقات الواقع المعاصر، لتنتهي إلى أفق يوشك أن يفقد فيه الحب معناه. وبذلك يغدو الحب مقترنًا بالموت اقترانًا بنيويًا14، لا مجرد تقابل موضوعاتي بين بابين داخل المجموعة، بل بوصفهما تيمتين متداخلتين تنتظم من خلالهما البنية الدلالية للمجموعة؛ ويلتقي هذا الطرح مع ما ذهب إليه صلاح فضل من أن البنية الأدبية بطبيعتها الرمزية «لا تكف عن توليد المعاني المختلفة في كل استعمال خاص»15، حيث تتحول التجربة اليومية إلى رؤية وجودية، ويغدو التخييل وسيلة لإعادة بناء معنى الحياة والموت، لا مجرد محاكاة آلية لهما؛ فلا يحاكي أحمد بوزفور فكرة الحب أو الموت بوصفهما موضوعين منفصلين، وإنما يعيد تشكيلهما داخل منظومة رمزية، وفق ما سماه رولان بارت «المنطق العظيم للرموز»16. ومن ثم، فإن حضور الموت في خطاب الحب يأتي بوصفه عنصرًا دلاليًا يتفاعل مع سائر عناصر النص، فيسهم في بناء رؤية وجودية تتجاوز ظاهر الأحداث.
وتتجلى هذه الرؤية بوضوح في قصة «القنفذ»، الواردة ضمن باب «الحب»، إذ تؤكد هذا التداخل الرمزي بين التيمتين؛ حيث يصير الموت مآلًا للمحب الذي يفنى في عالم محبوبه، في استحضار للتصور الصوفي الذي يجعل الحب سبيلا إلى الفناء. ولذلك تنتهي القصة بقول السارد: «مات مع الفجر مثل أخيه. وها أنا أنتظر دوري. لقد بدأت أرى تلك المرأة في أحلامي»17.
إن هذا التداخل يؤكد ما يذهب إليه صلاح فضل من أن «كل عنصر من العمل الأدبي له معنى»18، وأن هذا المعنى يتحدد من خلال علاقاته المتبادلة مع سائر عناصر العمل. ومن ثم، لا يغدو تقسيم المجموعة إلى بابي «الحب» و«الموت» مجرد تنظيم موضوعاتي، بل بنية دلالية تتفاعل عناصرها في ما بينها لتنتج رؤية موحدة للعالم. وهكذا لا يعود الحب والموت موضوعين متجاورين، وإنما يصبحان قطبين متكاملين يعاد من خلالهما بناء التجربة الإنسانية، فيتحول الواقع المعيش إلى سؤال وجودي، وتغدو القصة وسيلة لإعادة إنتاج معنى الإنسان والحياة.
2-2- الرؤية بوصفها بصيرة
إذا كانت ثنائية الحب والموت قد كشفت البعد الوجودي للتجربة الإنسانية، فإن إدراك هذا البعد لا يتحقق عبر الرؤية الحسية وحدها، وإنما عبر بصيرة تستكشف العالم الباطني للإنسان. وبذلك تتحول الرؤية في قصص أحمد بوزفور من مجرد فعل إبصار إلى أداة للتأويل واستبطان الذات، بما يجعل القصة القصيرة وسيطًا لإعادة بناء الواقع من الداخل. وهكذا تنتقل الرؤية من العين بوصفها عضوًا للإبصار إلى البصيرة بوصفها أداة لاستكشاف أعماق الإنسان، وهو ما يتجلى بوضوح في قصة «القنفذ»، حيث يوظف القاص مفارقة بصرية تكشف أن تعطل الرؤية لا يُقدَّم بوصفه خللا حسيًا خالصًا، بقدر ما يتخذ دلالة على اضطراب داخلي؛ إذ يكشف أن فعل الرؤية نفسه يتأثر بما يعتمل في الذاكرة والتصور والحلم، كما يتجلى في قوله: «شيء داخلي في ذاكرته أو في تصوره أو في حلمه اليقظان. شيء ضاغط كالكابوس يجعله، وهو مفتوح العينين، لا يرى»19. إن هذا التحول لا يتوقف عند حدود تعطل الرؤية البصرية، وإنما يمتد إلى إعادة تشكيل وظيفة العين ذاتها، بحيث لا تعود أداةً للرؤية الحسية فحسب، بل تغدو وسيطًا للكشف عن الانفعالات والمشاعر الكامنة في الذات.
2-2-1- من العين إلى الرؤية الوجدانية
يبلغ هذا التحول من الرؤية الحسية إلى الرؤية الوجدانية ذروته في الصورة التي ينقلها إلينا السارد: «لم تكن عيناه عينين، كانتا شفتين. كأنما قفزت شفتاه المعتذرتان إلى عينيه العاشقتين، وأخذتا – لا تتكلمان بل – تقبلان… ثم رأيت في عيني أخي ندى يترقرق. ولم أدر إن كان دمعًا تائبًا في عينيه/الشفتين، أو ريقًا متحلبًا مشتهيًا في شفتيه/العينين، أو لمع سراب في عينيّ الراصدتين»20. إن السارد لا يكتفي هنا بوصف هيئة العينين، بل إنه يعيد تشكيل وظيفتهما عبر استعارة تلغي الحدود بين أعضاء الجسد؛ فالعينان تتحولان إلى شفتين، لتغدو الرؤية فعلا من أفعال التواصل الوجداني، وتصبح النظرة لغة صامتة تكشف ما تعجز الكلمات عن الإفصاح عنه. كما أن تردد السارد بين قراءة ما يراه بوصفه دمعًا تائبًا أو ريقًا متحلبًا مشتهيًا أو لمع سراب لا يعكس غموضًا بصريًا فحسب، بل يكشف أن ما تراه الذات لا ينفصل عن تأويلها لما تدركه؛ لذلك يمتزج الدمع بالرغبة، والعين بالشفتين، والواقع بالتخييل، لتغدو الرؤية فعلا تأويليًا أكثر منها إدراكًا بصريًا مباشرًا.
ويمكن القول إن الإدراك البصري لا ينفصل عن إدراك الإنسان لجسده ووجوده في العالم؛ فـ«الإدراك الخارجي وإدراك الجسد الذاتي يعتبران سويّة لأنهما الوجهان للفعل نفسه»21، كما أن «كل إدراك خارجي هو مباشرةً مرادف لإدراك معين لجسدي، كما إن كل إدراك لجسدي يبرز في لغة الإدراك الخارجي»22. ومن ثم، فإن الرؤية في قصة «القنفذ» لا تحيل إلى فعل بصري محايد، وإنما تكشف طبيعة العلاقة التي تقيمها الذات مع الآخر من خلال الجسد؛ يقول السارد: «وعينا أخي اللتان ركزتا الآن على شفتيها الشفقيَّتين، لم تكونا تنظران فقط، كانتا ترنوان»23. فالنظر هنا يتجاوز وظيفة الإبصار إلى التعبير عن حالة وجدانية، إذ تتحول العين من أداة لرؤية المحبوب إلى وسيلة للكشف عن التعلق به والرغبة فيه.
ويتعزز ذلك من خلال تركيز السارد على حركات الشخصية وتفاصيل جسدها، ثم تأويل تلك الحركات بوصفها علامات على ما يعتمل في داخلها، لأن الحركة «تنم عن حدث في الداخل. حدث يقوى حتى يهز الخارج»24. وهكذا يغدو الجسد مجالًا تتقاطع فيه العلامة المرئية مع التجربة الباطنية، وتصبح الرؤية فعلا يتجاوز التقاط الصورة إلى محاولة النفاذ إلى ما وراءها. وبذلك لا تعود العين مجرد أداة لرؤية العالم، وإنما تصبح وسيطًا تتكشف من خلاله حالة الذات وموقفها من الآخر؛ ومن هنا تتجاوز الرؤية في قصص بوزفور حدود الإبصار الحسي، لتغدو فعلًا إدراكيًا تتداخل فيه التجربة الجسدية والنفسية والوجدانية.
2-2-2- من الإبصار إلى البصيرة
لا تقتصر هذه الرؤية على الحالات التي تكون فيها العين حاضرة بوصفها أداة للإدراك، بل تمتد إلى الحالات التي تتعطل فيها الرؤية الحسية، حيث تتولى الذاكرة والإحساس والخيال إنتاج صورة العالم. ويتأكد هذا المنحى في قصة «ما»، التي تقوم بنيتها السردية على مفارقة دقيقة بين الرؤية والإحساس؛ فالسارد يعيش في فضاء مألوف (البيت)، وهو يصرح: «أعيش فيه وحدي. تعودت أن أتحرك فيه بتلقائية وأمان حتى في الظلام. أعرف أماكن الأثاث والأبواب والنوافذ، وأسير فيه دون أن أرى (…) اعتمادا على الذاكرة فقط أسير»25، نلاحظ أن السارد يعتمد على الذاكرة أكثر من اعتماده على العين، بما يجعل الإدراك نتاجًا لتجربة الذات لا لمعطيات الحواس وحدها. ولا يلبث أن يعلن: «أحسست – دون أن أرى – أن هناك شخصًا معي في الحجرة»26، ثم يكتشف بعد إضاءة الغرفة أنها خالية، غير أن الإحساس بحضور ذلك الشخص يظل ملازمًا له. وهكذا تنشأ مفارقة بين ما تراه العين وما تدركه الذات؛ فغياب الموضوع في المجال البصري لا يمنع حضوره في التجربة النفسية، بما يجعل الإحساس والذاكرة مصدرين لإنتاج الإدراك.
وتبلغ هذه المفارقة ذروتها في خاتمة القصة حين يقول: «وحين أغمضت عيني رأيتني داخل الجفنين أحاول عبثًا أن أخرج»27، فإغلاق العينين لا يؤدي إلى انقطاع الرؤية، وإنما يفتح مجالًا لرؤية من نوع آخر، تنتقل فيها الذات من العالم الخارجي إلى عالمها الداخلي. وبذلك تصبح الرؤية في القصة مرتبطة بما تنتجه الذات من صور وتمثلات وهواجس، أكثر مما ترتبط بما تلتقطه العين من موضوعات خارجية.
ويتصل هذا التصور الذي طرحناه بطبيعة المكان الذي تتحرك فيه الشخصية؛ فالبيت في قصة «ما» لا يظهر بوصفه فضاءً هندسيًا محايدًا، وإنما بوصفه فضاءً تتشكل داخله علاقة خاصة بين الذات ومحيطها. وهذا ما يفسر أهمية ما يذهب إليه غاستون باشلار من أن «البيت هو ركننا في العالم. إنه، كما قيل مرارًا، كونٌ حقيقي بكل ما للكلمة من معنى»28، وأن البيت يمثل النموذج الأبرز لدراسة «قيم ألفة المكان»29. ومن ثم، فإن الحجرة في قصة «ما» لا تؤدي وظيفة مكانية فحسب، بل تتحول إلى فضاء نفسي تتجسد فيه هواجس السارد وتمثلاته، فيغدو ما يبدو في الخارج مرتبطًا بما يعتمل في الداخل، ويصبح المكان نفسه مدخلا إلى رؤية ما تخفيه الشخصية من هواجس وتمثلات.
ولا يقف هذا الإدراك عند البعد المكاني فحسب، بل يتصل أيضًا بطبيعة الرؤية نفسها؛ وهو ما يتعزز بالرؤية الظاهراتية للإدراك عند موريس ميرلوبونتي، الذي يرى أن الشيء لا يُدرك دفعة واحدة، وإنما يتكشف عبر علاقة الذات به ومن خلال آفاق متعددة؛ فالإنسان «لا يرى الشيء إلا من خلال آفاق الأشياء الأخرى»30، كما أن النظر هو «الدخول في عالم من الكائنات التي تبرز»31. ومن ثم، فإن حضور الشخصية في قصة «ما» لا يصدر عن معطى بصري خالص، وإنما عن تجربة إدراكية تتداخل فيها الذاكرة والإحساس والوعي «وذهني منصرف إلى أفكار أو تأملات أو ذكريات أو أحلام»32، فتغدو البصيرة أعمق من مجرد الإبصار.
ومن ثم، تتجاوز الرؤية في قصص «إني رأيتكما معا» حدود الإدراك الحسي لتغدو فعلا تأويليًا يستكشف الداخل الإنساني ويعيد بناء علاقته بالعالم. فـفي قصة «القنفذ» يبدو اضطراب الرؤية متصلا باضطراب الذات وما يعتمل في داخلها، بينما تجعل قصة «ما» من الذاكرة والإحساس والمكان عناصر أساسية في تشكيل إدراك الشخصية للعالم من حولها. وهكذا لا يعود العالم الخارجي منفصلا عن الذات التي تراه، بل يصبح امتدادًا لتجربتها الداخلية ومجالا للكشف عنها. وبذلك تتحول البصيرة إلى أفق يتجاوز ما تلتقطه العين، ليستكشف ما يستتر خلف الظاهر، ويمنح التجربة السردية عمقها الدلالي والإنساني.
ويعزز المعجم السردي هذا الحضور الدلالي لفعل الرؤية، إذ يتكرر في قصص المجموعة بصيغ متعددة، من قبيل: «أرى»، و«رأيت»، و«أراها»، و«رأيتني»، بما يجعل الرؤية فعلًا دالًا يتجاوز مجرد الإبصار الحسي. فالسارد لا يرى الأشياء من الخارج فقط، وإنما يرى ذاته والآخرين، ويستكشف ما يتوارى خلف الظاهر، حتى تغدو الرؤية وسيلة لاستبطان الداخل وتأويل العالم. ومن هنا تتصل الرؤية بالبصيرة، ويغدو فعل الرؤية خيطًا دلاليًا يمتد عبر قصص المجموعة، من إدراك العالم الخارجي إلى استكشاف الذات ومصيرها. وبذلك لا تعود القصة القصيرة عند أحمد بوزفور مجرد مرآة للواقع، وإنما تصبح فضاءً لإنتاج المعنى وتأويل التجربة الإنسانية.
2-3- الموت والصمت: سؤال الوجود
إذا كانت ثنائية الحب والموت قد كشفت، في المبحث الأول، عن حضور الموت داخل التجربة العاطفية وما يترتب عنه من فقد وغياب، فإن الموت يعود هنا من زاوية مختلفة، وهي علاقته بالصمت وحدود اللغة. فالمسألة لم تعد متصلة بما يفعله الموت في علاقة الإنسان بالآخر، وإنما بما يكشفه في علاقته بذاته وبوجوده وبقدرته على التعبير. ومن هنا، يتخذ الصمت موقعًا أساسيًا في هذه التجربة؛ إذ كلما اقترب الإنسان من حدود الفناء، بدت اللغة أقل قدرة على الإحاطة بما يعيشه، وغدا الصمت مجالًا آخر لظهور المعنى. وبذلك يلتقي الموت والصمت في مساءلة الإنسان ومصيره وحدود القول، وهو ما يمنح حضورهما في المجموعة بعدًا وجوديًا يتجاوز مجرد تمثيل الموت أو تصوير الصمت.
2-3-1- الموت وأفق الفناء
يتخذ الموت في الباب الثاني من المجموعة القصصية دلالة تتجاوز حضوره في التجربة العاطفية، إذ لا يحضر باعتباره نهاية بيولوجية للحياة، وإنما بوصفه أفقًا وجوديًا يلازم الإنسان في مساره كله. لذلك يرد الموت تارة بمعنى القتل كما في قصة «الشاحنة»: «لم تكن الشاحنة التي قتلت ابن أخي بطيئة»33، وتارة بمعنى العبور، حيث يغدو كل ما يؤدي إليه معبرًا وارتحالًا، كما جاء على لسان السارد: «هذه الحياة اسمها (الذهاب). نحن لا نعيش. نحن فقط نذهب»34. ولا يحيل فعل «نذهب» إلى انتقال مكاني فحسب، بل يختزل الوجود الإنساني في حركة دائمة نحو الغياب؛ فالحياة ليست إقامة أو استقرارًا، وإنما عبور مستمر، الأمر الذي يجعل الموت حاضرًا في صميم الحياة، لا في نهايتها فقط. وهذا ما يختصره سارد قصة «السن الذهبية» في قوله: «كما الموت يسري في العمر»35، فيغدو الموت ملازمًا لمسار الإنسان منذ وجوده، لا خاتمةً تأتي بعد اكتمال حياته.
ويتجلى البعد الوجودي للموت أيضًا في الطريقة التي يتخيله بها السارد في قصة «أششش. أحمد نائم»؛ فهو لا يكتفي بمشاهدة الشاهدة واستحضار موت صاحبها، وإنما يُدخل ذاته في تجربة الموت، إذ يقول: «وتصورت نفسي داخل القبر، فأحسست بالاختناق»36، ثم تتسع هذه التجربة التخيلية لتشمل ذواتًا أخرى، فيقول: «وأنا الأب الميت والأم الميتة، وأب الصديق أنا، وأنا الصديق. وأنا القبر»37. وهكذا لا يعود الموت مجرد مصير يراه السارد في الآخرين، وإنما يصبح تجربة يتخيل معايشتها من الداخل، فتتلاشى الحدود بين الذات والميت، وبين الإنسان والقبر، ويتحول الموت إلى سؤال يمس وجود السارد نفسه.
ويكتمل هذا الأفق الوجودي في الصورة التي يختزل فيها السارد علاقة الإنسان بالعالم والتاريخ، إذ يقول: «الناس قبور والأرض أرضة والتاريخ شواهد»38. ونلاحظ أن هذه الصورة لا تكتفي باستحضار الموت بوصفه مصيرًا للأفراد، وإنما توسع دلالته ليغدو منطقًا يطال الإنسان والعالم والتاريخ؛ فالقبور تحيل إلى مآل الإنسان، والأرضة إلى ما ينخر الموجودات، والشواهد إلى ما يبقى من آثارها بعد زوالها. وبذلك يتحول الموت من حدث يقع للإنسان إلى وعي يرافقه في النظر إلى ذاته والعالم من حوله.
ومن هذا الوعي بالزوال تنفتح مسألة حدود التعبير، فالموت، بما يحمله من تجربة قصوى، يضع اللغة أمام ما يصعب الإحاطة به. وفي هذا السياق، يرى دافيد لوبروطون أن الموت «لا يجد الكلمات لقول نفسه بما يكفي من الحدة»39، بما يكشف أن فاجعة الموت لا تستنفدها الكلمات، وأن الصمت قد يكون، في بعض لحظاتها، أبلغ من القول في التعبير عن الفقد والغياب؛ لأن ما يعجز اللسان عن الإفصاح عنه قد يجد حضوره في المسكوت عنه.
ويقدم نص «الشاحنة» مثالًا دالًا على هذا التداخل بين الموت وانقطاع التواصل؛ فبعد أن يرد الموت في صورته الفاجعة، «لم تكن الشاحنة التي قتلت ابن أخي بطيئة. خرجت من النفق مسرعة وباغتته وهو يقطع الشارع»40. ينتقل السرد إلى تصوير حال الميت من خلال فقدان الوظائف التي تصل الإنسان بالعالم: «لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم»41. فالموت هنا لا يُعبَّر عنه بواقعة الوفاة وحدها، وإنما يتجسد أيضًا في انقطاع الرؤية والسمع والكلام، أي في انغلاق قنوات التواصل مع العالم. ويزداد هذا المعنى عمقًا حين يستعيد السارد صورة الميت في هيئة النائم، قبل أن تنقض العبارة اللاحقة هذا الإيهام: «لم يفق. لم يُفق أبدًا»42. وهكذا يتحول الموت من واقعة جسدية إلى غياب نهائي للصوت والحضور والتواصل؛ فالصمت هنا ليس سكوتًا إراديًا من الشخصية، وإنما صمت الموت الذي يعلن خروجها من دائرة التواصل الإنساني.
وبذلك يمكن القول إن قصة «الشاحنة» تفتح من داخل تجربة الموت نفسها على دلالة الصمت، لا بمعنى أن الصمت يمثل تيمة مستقلة، وإنما بوصفه أحد وجوه الفقد والغياب. فالميت لا يتكلم لأنه خرج من دائرة التواصل، بينما يظل السارد في الجهة الأخرى من هذا الصمت، مستعيدًا حضوره بالكلمات والصور والذاكرة. ومن هنا يغدو غياب الصوت جزءًا من تمثيل الموت نفسه، إذ لا يكتفي النص بالإخبار عن الوفاة، وإنما يجعل انقطاع التواصل محسوسًا في جسد الشخصية ووظيفتها السردية.
ومن ثم، لا يعني ذلك أن الصمت في المجموعة يمثل دائمًا نتيجة للموت أو تعبيرًا مباشرًا عنه، وإنما أن الموت والصمت يلتقيان عند حدود القول والتواصل؛ فالموت يكشف محدودية اللغة أمام التجربة القصوى، بينما يكشف الصمت، في مواضع أخرى من المجموعة، عن معانٍ تتشكل خارج الكلام. وبذلك يكون الانتقال إلى الصمت انتقالًا من صمت الموت وانقطاع التواصل إلى الصمت بوصفه تيمة سردية مستقلة، تتصل بسؤال أعمق هو سؤال حدود اللغة وإمكانات التعبير عن التجربة الوجودية.
2-3-2- الصمت ولغة المسكوت عنه
إن الصمت لا يقف عند حدود ما تعجز اللغة عن قوله، بل يتحول في قصص «إني رأيتكما معًا» إلى نمط آخر من إنتاج المعنى؛ فقد يتخذ صورة الإنصات والتأمل، وقد يتحول إلى لغة بديلة تحمل ما لا يقوله اللسان، كما قد يغدو موقفًا دالًا تتشكل دلالته من الإيماءة والنظرة والحركة. وهذا ما يلتقي مع تصور دافيد لوبروطون الذي يرى أن الصمت «يتطلب الرغبة في الإنصات غير العجل لهمس العالم»43، ومن ثم، لا يعود الصمت مجرد توقف عن الكلام، وإنما يغدو ممارسة للإنصات والتأمل، وهو ما تكشفه مجموعة من القصص بطرائق مختلفة.
ويتجلى ذلك بوضوح في قصة «صمت العزاب»، حيث يتحول الصمت إلى كائن رمزي قابل للرعاية والعيش معه، إذ يقول السارد: «حلمت أني أرعى الصمت. كان الصمت ناقة. ويربط بيني وبينها حبل طويل أجرُّها به إلى المراعى. أجلس على ربوة قريبة وأرعى الناقة بعينيّ، وهي تَخضمُ شيحَ الكلام»44. ويكشف هذا التصوير عن انتقال الصمت من مجرد حالة نفسية إلى فضاء وجودي يقيم فيه الإنسان، ويصير موضوعًا للتأمل والمرافقة. كما يبرز الصمت بوصفه لغة بديلة في شخصية «المتخارسة»، التي تبدو «ثرثارة العينين»، حتى يتساءل السارد: «كيف كانت تستطيع الصمت وعيناها تفيضان بالكلام؟»45، حيث تنتقل وظيفة التعبير من اللسان إلى العين، ويغدو الصمت نفسه حاملًا للمعنى.
ويتحول الإنصات أيضًا إلى وسيلة لاستنطاق العالم، كما في قصة «الشجرة تترنح»، إذ يسمع السارد صوتًا يلح عليه: «الشجرة تترنح»، فيسعى إلى استيعابه داخل النص الذي يكتبه، قائلًا: «عليه أن يدخل هذا الصوت في القصة التي يكتبها ليخمده… في الترنح نوع من التداعي»46. ولا يحيل هذا الصوت إلى حدث خارجي بقدر ما يجسد يقظة داخلية، إذ يصبح الإصغاء إلى النداء الخفي شرطًا لولادة الكتابة نفسها. وإذا لم يكن الصمت حاضرًا في القصة بوصفه تيمةً صريحة، فإنه يتجلى ضمنيا في هذا الإنصات العميق الذي يسبق القول والكتابة، ويتأكد ذلك في خاتمتها حين يقول السارد: «والشجرة تنفتح لي وتكتبني… وأنا أتشجر… أنفتح… أنا أترنح»47، بما يكشف أن الكتابة نفسها تنبثق من لحظة إصغاء وتأمل قبل أن تتحول إلى لغة.
ويتحول كذلك إلى آلية إنصات عميقة في قصة «الغابة»، إذ يقول السارد: «كان ينظر بعيدًا.. إلى الأفق.. ثم قام فجأة وذهب دون أن ينبس بكلمة. بقيت مكاني أنظر إليه وهو يبتعد صامتا»48. ويكشف هذا الصمت أن الإدراك الحقيقي لا يتحقق عبر الإفصاح، وإنما عبر التأمل والانسحاب من ضجيج اللغة.
وإذا كان الكلام يكشف جانبًا من التجربة، فإن الصمت قد يكشف ما تعجز الشخصية عن قوله، وما يختبئ خلف كلامها من مشاعر وأسئلة؛ لذلك تبدو شخصيات بوزفور وكأنها تقول أقل مما تشعر به، فلا يتشكل المعنى بما يُقال وحده، وإنما أيضًا بما يُترك مسكوتًا عنه. وفي هذا السياق، تتضح أهمية الصمت (أو الحذف أو الفراغ) في بناء الدلالة، إذ يقول حسن المودن: «تعود أهمية الصمت (..) إلى أنه يقول بطرائقه الخاصة ما يسعى الكلام نفسه إلى إخفائه وإضماره، فيصير الإخفاء نفسه هو الإظهار، ويصير ما كان غائبًا وفي حكم العدم والموت شيئًا موجودًا وحيًّا»49. وبالتالي، لا يكون الصمت مجرد توقف عن الكلام، وإنما يصبح وسيلة للكشف عما تخفيه الذات، ويصبح ما لم يُقل جزءًا من المعنى الذي يشارك القارئ في استكشافه وتأويله.
ويتجلى ذلك في قصة «الغابة»، حيث يحاول السارد إقناع صديقه حسن بالعودة واستدراجه إلى الكلام، غير أنه يظل متمسكًا بصمته، إذ يقول: «ظل (حسن) صامتًا كما كان. يتحرك الماء أمامه ولا يتحرك. وينطق الماء، لو نطق، أو الريح ولا ينطق»50. ولا يعبر هذا الصمت عن عجز أو فراغ، بقدر ما يكشف عن موقف وجودي تتجاوز فيه الدلالة حدود المنطوق إلى ما يختزنه السكوت من معانٍ. ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الصمت والسكوت داخل العالم السردي؛ فالسكوت هو الامتناع عن الكلام في موقف معين، أما الصمت فيتجاوز ذلك ليغدو حالة وجودية ورؤية للعالم تتكشف من خلالها حدود اللغة وإمكانات المعنى. وفي هذا السياق، فإن «الكلام أحيانًا هو ثغرة الصمت»51، وهو ما يجعل المنطوق مجرد جزء يسير من التجربة، بينما يستقر معناها الأعمق في فضاء المسكوت عنه.
وإذا كان الصمت يولد من عجز اللغة عن احتواء التجربة، فإنه لا يؤدي في قصص أحمد بوزفور إلى انقطاع التواصل، بل يؤسس نمطًا آخر من الفهم؛ إذ تتولد الدلالة من الإيماءة والنظرة والحركة بقدر ما تتولد من الكلمة. لذلك لا يغدو الصمت علامة فراغ، وإنما لغة موازية تستبطن التجربة الإنسانية وتكشف ما يتعذر قوله صراحة.
وهكذا تتكامل تيمتا الموت والصمت في بناء الرؤية الوجودية التي تتشكل داخل العالم السردي لمجموعة «إني رأيتكما معًا»؛ فالموت يضع الإنسان في مواجهة هشاشة وجوده ومصيره المحتوم، بينما يكشف الصمت حدود اللغة أمام هذه التجربة، ويتيح للشخصيات إدراك ما تعجز الكلمات عن الإفصاح عنه. ومن خلال هذا التفاعل، يعيد أحمد بوزفور تشكيل الواقع فنيًا، محولًا إياه إلى رؤية تستكشف الإنسان في أعماقه، وتستنطق العالم عبر الرمز والتخييل واستبطان الذات. وبذلك تغدو القصة القصيرة فضاءً لإنتاج المعنى والتأمل الوجودي، أكثر من كونها مجرد مرآة تعكس الواقع.
على سبيل الختم
انطلاقًا من تضافر هذه الثنائيات جميعها: الحب والموت، والرؤية والبصيرة، والموت والصمت، يتبين أن المجموعة القصصية «إني رأيتكما معًا» لا تبني وحدتها على تجاور موضوعاتها، وإنما على رؤية سردية تجعل من هذه الثنائيات مستويات متكاملة لقراءة التجربة الإنسانية. ومن ثم، يتأكد أن عتبة «إني رأيتكما معًا»، التي قد توحي في الانطباع الأول بثنائية الكذب والخيانة بحكم إحالتها إلى مرجعها الغنائي الذي تتناص معه، لا تستنفد دلالتها في هذا الأفق العاطفي، وإنما تنفتح، داخل العالم السردي للمجموعة، على معنى أوسع يجعلها مفتاحًا تأويليًا لرؤية بوزفور إلى الإنسان والوجود. وهكذا تتجلى المخاتلة التي ينهض عليها العنوان؛ إذ يستدرج القارئ إلى دلالة أولى، قبل أن تنزاح هذه الدلالة، بفعل القراءة، إلى أفق أعمق تكشفه شبكة الثنائيات التي تنتظم المجموعة. فالحب يتداخل بالموت، والإبصار بالبصيرة، والموت بالصمت، ليصبح الظاهر منفذًا إلى الباطن، والواقع سبيلًا إلى مساءلة الوجود. وبهذا تتجلى خصوصية التجربة السردية عند بوزفور، التي لا تكتفي بتمثيل الواقع، بل تعيد بناءه في أفق إنساني وتأملي، كاشفةً عن أسئلة الإنسان المغربي في علاقته بذاته والعالم من حوله، لتغدو القصة القصيرة المغربية فضاءً لاستبطان الذات وتأويل الوجود.
ناقد من المغرب
الإحالات:
1- أحمد بوزفور، إني رأيتكما معا، قصص، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط.1، 2020.
2- «لا تكذبي» هي قصيدة غنائية للشاعر كامل الشناوي وتلحين محمد عبد الوهاب، وقد غناها كل من نجاة الصغيرة، ومحمد عبد الوهاب، وعبد الحليم حافظ.
3- الكتابة هنا تحول الموقف الإنساني البسيط إلى قضية فلسفية كبرى تتعلق بوجود الإنسان بأكمله، مما يمنح العمل عمقا أدبيا وفكريا يتجاوز السرد العادي.
4- حسن المودن، مغامرة الكتابة في القصة القصيرة المعاصرة، القصة القصيرة بالمغرب أنموذجا، دراسة نقدية، منشورات اتحاد كتاب المغرب، الرباط، ص: 51.
5- أحمد بوزفور، إني رأيتكما معا، صص: 12-13.
6- نفسه، ص: 22.
7- نفسه، ص: 23.
8- نفسه، ص: 23.
9- صلاح فضل، نظرية البنائية في النقد الأدبي، دار الشروق، القاهرة، ط.1، 1998، ص: 203.
10- صلاح فضل، نظرية البنائية في النقد الأدبي، مرجع سابق، ص: 203.
11- أحمد بوزفور، إني رأيتكما معا، صص: 8-9.
12- نفسه، ص: 8.
13- نفسه، ص: 8.
14- المقصود أن الموت لا يأتي أحيانًا إلى جانب الحب بوصفه حدثًا مستقلًا، بل يدخل في تكوين معنى الحب نفسه، والعكس صحيح؛ فالحب قد يقود إلى الموت أو يستدعيه أو يتخذ منه دلالة، كما أن الموت قد يكشف قيمة الحب أو تحوله أو فقدان معناه.
15- صلاح فضل، نظرية البنائية في النقد الأدبي، مرجع سابق، ص: 199.
16- نفسه، ص: 202.
17- أحمد بوزفور، إني رأيتكما معا، ص: 20.
18- صلاح فضل، نظرية البنائية في النقد الأدبي، مرجع سابق، ص: 200.
19- أحمد بوزفور، إني رأيتكما معا، ص: 12.
20- نفسه، ص: 15.
21- موريس مرلوبونتي، ظواهرية الإدراك، ترجمة فؤاد شاهين، معهد الإنماء العربي، البنان، ط.1، 1998، ص: 174.
22- موريس مرلوبونتي، ظواهرية الإدراك، مرجع سابق، ص: 175.
23- أحمد بوزفور، إني رأيتكما معا، ص: 15.
24- نفسه، ص: 13.
25- نفسه، ص: 79.
26- نفسه، ص: 79.
27- نفسه، ص: 81.
28- غاستون باشلار، جماليات المكان، ترجمة غالب هلسا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنسر والتوزيع، بيروت، ط.2، 1983، ص: 36.
29- غاستون باشلار، جماليات المكان، مرجع سابق، ص: 35.
30- موريس مرلوبونتي، ظواهرية الإدراك، مرجع سابق، ص: 68.
31- نفسه، ص: 68.
32- أحمد بوزفور، إني رأيتكما معا، ص: 79.
33- نفسه، ص: 65.
34- نفسه، ص: 66.
35- نفسه، ص: 58.
36- نفسه، ص: 77.
37- نفسه، ص: 77.
38- نفسه، ص: 77.
39- دافيد لوبروطون، الصمت لغة المعنى والوجود، ترجمة: فريد الزاهي، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، ط.1، 2019، ص: 314.
40- أحمد بوزفور، إني رأيتكما معا، ص: 65.
41- نفسه، ص: 66.
42- نفسه، ص: 66.
43- دافيد لوبروطون، الصمت لغة المعنى والوجود، مرجع سابق، ص: 13.
44- أحمد بوزفور، إني رأيتكما معا، ص: 73.
45- نفسه، ص: 72.
46- نفسه ص: 62.
47- نفسه، ص: 64.
48- نفسه، ص: 70.
49- حسن المودن، مغامرة الكتابة في القصة القصيرة المعاصرة، القصة القصيرة بالمغرب أنموذجا، مرجع سابق، ص: 55.
50- أحمد بوزفور، إني رأيتكما معا، ص: 69.
51- دافيد لوبروطون، الصمت لغة المعنى والوجود، مرجع سابق، ص: 15.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي