” تارميني” لفتحية الهاشمي: حين تصبح الحكاية رحلة بين الواقع والذاكرة واللامرئي

محمد منير*
ليست كلّ رحلة انتقالا من مكان إلى آخر، فبعض الرحلات تبدأ حين يفقد الانسان يقينه بالمكانـ وبجسده، وبالحياة نفسها . في رواية ‘ تارميني” للكاتبة فتحية الهاشمي ر يقف القارئ أمام حكاية هجرة بالمعنى المألوف، بل يدخل عالما تتداخل فيه المدن والأصوات والأجساد والذكريات، ويصبح فيه السّؤال عن الوطن سؤالا عن الانسان الذي يحمله في داخله أينما ذهب.
منذ عتبة الرواية الأولى، لا تفتح فتحية الهاشمي باب الحكاية بهدوء، إنّها تضع القارئ أمام بئر تتكلّم، وسلطان يزن أن الماء عقيم، وعين غراب ترصد الحرف وتبعثر لونه في الظّلّ ، ليست هذه الصّورة مجرّد مدخل زخرفي بل اشارة إلى عالم روائي لا يمنح أسراره دفعة واحدة، عالم تتخفّى فيه الحكاية خلف الرّمز، وتترك للقارئ مهمة الاصغاء إلى ما تقوله الأشياء، وما تسكت عنه الشّخصيات..
ثمّ يظهر ” موروكو” الشّخصيّة التي تقذف بالقارئ إلى قلب المفارقة، جسد تحيط به طقوس الموت، ووعي لا يزال يتشبث بالحياة ، وأمّ يحترق قلبها بالفراق، وعالم لا تعود حدوده واضحة بين ما حدث فعلا وما يتشكل في الذّاكرة والخيال. هكذا تنطلق الرواية من وضعية سردية مقلقة ومثيرة للفضول، تجعل السّؤال جزءا من متعة القراءة: أين ينتهي الموت، وأين تبدأ الحكاية التي يرويها من لم يستطع مغادرة الحياة تماما؟

موروكو شخصية لا تستقر في مكان واحد
تكمن احدى نقاط قوة ” تارميني” في أن موروكو ليس مجرد شخصية تؤدي دور المهاجر أو الشّاب الذي تقاذفته الظروف . إنه كائن روائي متقلب يحمل تناقضاته ورغباته وخيباته، ويتنقل بين الاندفاع والهشاشة، وبين السّخرية والألم، وبين الرّغبة في الانفلات والحاجة إلى حضن يعيده إلى نفسه..
ومن خلاله، تتجاوز الرواية السؤال المباشر: لماذا يغادر الانسان بلده؟ لنقترب من السّؤال أشد تعقيدا : ماذا يبقى منه حين يغادر ؟ وما الذي يحدث حين لا يعود المكان الذي وصل اليه قادرا على احتوائه ، ولا المكان الذي تركه قادرا على استعادته كما كان؟
هنا لا تتحوّل الشخصية إلى مثال جاهز، ولا تختزل في دور الضحية . إنها تتحرك، تتوه، تتذكّر، تتعثّر، وتواصل البحث عن منفذ وهذا ما يمنحها طاقة سردية تسمح للقارئ بأن يختلف معها أو يتعاطف معها ، أو يكتشف فيها شيئا من تناقضاته الخاصّة.
حين تتداخل تونس وروما في ذاكرة واحدة
لا تتعامل فتحية الهاشمي مع المكان بوصفه خلفية محايدة للأحداث، فالشوارع والأحياء والمحطات، ليست مجرد أسماء على خريطة، إنها ذاكرة تتحرك داخل الشخصية، وتعيد تشكيل ما تراه أمامها. قد تفتح روما بابا إلى المدينة العتيقة بتونس، وقد يستدعي مشهد في مدينة بعيدة صورة من مكان مألوف، حتّى تتداخل الأمكنة في وعي ” موروكو” ويصبح الانتقال الجغرافي انتقالا في الذاكرة أيضا.
وتمنح التفاصيل التونسية، بأزقتها ومفرداتها، وملامحها الشّعبيّة، الرّواية خصوصية ملموسة. فالمدينة هنا ليست بطاقة تعريف سياحية، بل تصبح من الأصوات والعادات والأمكنة والوجوه. كما أن الهوامش التي تشرح بعض المعالم والتعابير تضيف طبقة أخرى إلى القراءة وتتيح للقارئ أن يقترب من بيئة الرواية من دون أن تمحى خصوصيتها المحلية.
ومن الجميل في هذا البناء أن المحلّي لا ينغلق على نفسه، إذ تنطلق التفاصيل من فضائها التونسي، لكنّها تفتح أسئلة يستطيع قارئ من خارج هذا الفضاء أن يتفاعل معها. الانتماء والذاكرة، والكرامة، والوحدة، والرغبة إلي أن يكون للإنسان مكان يخصّه.
لغة تتحرّك بين الشّعر والسّخرية والوجع
تتجلّى خصوصية الرواية نذلك في لغتها المتعددة النبرات. فالسّرد لا يظلّ أسير نبرة واحدة، يتجاوز فيه الشعري واليومي، والفصيح والمحكي، والوجع والسّخرية، والمشهد الواقعي والصورة التي انتقلت من قوانين الواقع المعتادة.
ويمنح حضور اللهجة التونسية الشخصيات صوتا متصلا ببيئتها، فيما تتيح الصورة الشعرية الرواية أن تتجاوز الوصف المباشر نحو تجسيد الاضطراب الداخلي. وفي مواضع كثيرة، لا يعود الجسد مجرد جسد، ولا البحر مجرد بحر، ولا الشّجرة مجرد شجرة، إذ تتبدّل دلالات الأشياء كلما تبدلت حالة الشخصية ويغدو الخيال وسيلة لكشف ما تعجز اللغة التقريرية عن قوله.
أما السخرية فلا تأتي لتخفيف الألم فحسب بل لتكشف أحيانا عبث العالم وتناقضاته. وتمنح الشخصية قدرة على مقاومة القسوة بطريقتها الخاصّة، ولهذا التّنوّع، لا تقدّم ” تارميني “قراءة سهلة أو مستقيمة، بل تدعو إلى متابعة التحولات، والانتباه إلى الاشارات، وقبول أن بعض الأسئلة قد تكون أهم من الاجابات الجاهزة،
الأم والشجرة : ما الذي يشدّ الانسان إلى الحياة ؟
وسط الحركة والاغتراب والاضطراب، يظل حضور الأم من أكثر خيوط الرواية حرارة. فالأم ليست تفصيلا عاطفيا يضاف إلى الحكاية، بل ذاكرة جسدية وحضن يتجاوز المسافة، وصوت يستعيده ” موروكو” كلما تاه أو اقترب من فقدان نفسه. ويكتسب هذا الحضور قوته من علاقته بالجسد والغياب، ومن المسافة المؤلمة بين الرغبة في العودة والعجز عن استعادة ما مضى.
وتظهر الشجرة بدورها بوصفها صورة تستحق التّأمل فهي ترتبط بحالة ” موروكو” الغريبة وبجثه عن موضع يلوذ به، بينما يتبدّل معنى البيت والمأوى من حوله، وفي عالم لا يضمن الاستقرار، تصبح الشجرة أكثر من عنصر في المشهد. إنها علامة على الحاجة إلى موضع يمكن للإنسان أن يتشبث به حين تتخلخل الأرض احت قدميه.
لكن الرواية لا تمنح هذه الصور معنى واحدا نهائيا، انها تتركها تتفاعل مع الأحداث، وتمنح القارئ فرصة اكتشاف صلاتها بما يعيشه ” موروكو” من انقسام بين الأمكنة، وبين الجسد والذاكرة، وبين ما يريد الافلات منه وما لا يستطيع التخلي عنه.
رواية تترك للقارئ عملا
تستمد ” تارميني” جانبا مهما من قوتها من مغامرتها في بناء عالم تتجاوز فيه الحكاية الاجتماعية والصورة الشعرية والغرائبي والسخرية وقد يربك هذا التداخل قارئا ينتظر خطا سرديا مستقيما، لكنه يفتح أمام قارئ مجالا لتتبع الروابط الخفية بين المشاهد، والانتباه إلى الطريقة التي تتحول فيها الذاكرة إلى قوة تعيد ترتيب الواقع.
والأهم أن الرواية لا تحتاج إلى تحويل شخصياتها إلى متحدثين باسم فكرة واحدة، فالحياة التي تعرضها أكثر اضطرابا من أن تستوعبها خلاصة جاهزة. إنها تترك القارئ أمام شخصيات تتناقض وتخطئ وترغب وتتألم، وأمام أماكن لا تنفصل فيها الجغرافيا عن الذاكرة، وأمام سؤال الانتماء حين يصبح الانسان موزعا بين أكثر من عالم.
” تارميني ” ليست دعوة إلى قراءة حكاية ” موروكو” من بعيد، بل إلى الاقتراب من عالمه ومراقبة ما يحدث حين يفقد الانسان ثبات المكان، من دون أن يفقد حاجته إلى الحب والأمان والحرية. وفي المسافة بين تونس وروما، وبين الأم والشجرة، وبين ما يراه الجسد وما تستعيده الذاكرة، تنسج فتحية الهاشمي روايتها وتترك للقارئ أن يعثر على طريقه الخاص داخلها.
فقد يغير الانسان عنوانه ويعبر الحدود ويبدأ حياة جديدة، لكن ثمة أشياء لا تعبر معه على النحو نفسه، وأشياء أخرى تظل تلاحق مهما ابتعد. وبين ما يتركه خلفه وما يحمله في داخله، تستمر رحلة ” مورومو” وتبقى ” تارميني” مفتوحة على سؤالها الأعمق : هل يكفي أن يصل الانسان إلى مكان ما كي يشعر بأنه وصل؟
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي