يسألونك عن علاقة المبدع بالجوائز الثقافية

يسألونك عن علاقة المبدع بالجوائز الثقافية:
فقل هي حكاية عشق مأساوي تنبت في عالمنا العربي البهيج حيث تُختصر نهضة الأمة في مأدبة مفتوحة على هامش مهرجان أدبي، وحيث الكاتب كائن أثيري يعيش على هواء العزة والنصوص، بينما تتبوأ الجوائز الثقافية مكانة مقدسة تطوق النجاة من شبح الفقر المدقع الذي يتربص بكل من تجرأ على حمل قلم بدل معول. لقد تحولت الجوائز العربية إلى ما يشبه المسابقات التلفزيونية الكبرى، بمسحة وقورة تليق بكتب لا يقرؤها أحد، لتجد صاحب القلم ساهراً يذيب شحماً في سبك عبارات تفوق طاقة بشر، منتظراً تلك اللحظة التاريخية التي ينطق فيها رئيس لجنة التحكيم بالاسم المبارك. وما إن يُعلن الفوز، حتى يتحول الشاعر المغمور أو الروائي الباحث عن لقمة الخبز إلى فيلسوف العصر، تتسابق الفضائيات لاستضافته ليحدثنا عن معاناته مع الحرف ومخاضات الكتابة، بينما الحقيقة أن المعاناة الحقيقية كانت في كيفية إقناع الناشر بطباعة الكتاب على نفقة المؤلف الخاصة، بشيكاتها المزدهرة وألقابها الرنانة التي تمنحه شعوراً مؤقتاً بأنه غابرييل غارسيا ماركيز، قبل أن ينتهي المبلغ في دفع أقساط السيارة وإيجار الشقة، ويعود لكتابة مقال أسبوعي يلعن فيه انحطاط الثقافة.
أما إذا عرجنا إلى وطننا الحبيب حيث لكل زاوية مبدع، ولكل ركن منسي شبه ناقد، فإن المشهد الثقافي يكتسي طابعاً كوميدياً سوداويًا فريداً لا توجد فيه جوائز كبرى تشتري الشقق، بل توجد مهرجانات ودعم وزارة الثقافة، حيث المبدع المغربي مناضل بالفطرة يكتب بيساره ويقبض بيمينه إن وُجد اليمين، وطوال العام ناقماً على السياسات الرسمية وتهميش الثقافة وأول الحاضرين في كل وقفة احتجاجية، لكن ما إن تُفتح أبواب الترشيح لجوائز شبكة القراءة أو جائزة المغرب للكتاب حتى يرتدي بدلة الرسميات وينسى كل بياناته الثورية. وحين يفوز أحدهم بجائزة مغربية يبدأ العرض المسرحي الحقيقي حين تنهال التبريكات على فيسبوك بشكل يجعلك تظن أن المغرب حقق الاكتفاء الذاتي من الحبر والقرطاسية، وتخرج الصحف الثقافية لتكتب لتكتب عناوين ضخمة عن التجربة الفريدة والزمن الجميل للإبداع المغربي، عن التجربة الفريدة والزمن الجميل للكتاب (الرواية أو الديوان)، بينما الكتاب الفائز نفسه طُبع في خمس مئة نسخة وُزعت منها أربع مئة على الأصدقاء وبقيت مئة نسخة تسبح في رطوبة مستودع الناشر أو المبدع. والويل ثم الويل لمن لم يفوز، حيث ينطلق الإبداع الحقيقي في النميمة الثقافية، فترى المحرومين من الجائزة يشككون في نزاهة لجان التحكيم ويؤكدون في المقاهي أن الفائز لم يكتب حرفاً بل هو صنيعة كواليس وعلاقات مشبوهة. وفي النهاية يظل المبدع يرقص بحذر على حبل مشدود بين جائع يبحث عن رغيف خبز ومبدع يرتدي طربوش الفخامة الثقافية، لتستمر الجوائز في توزيع الأوهام ويستمر المبدعون في الركض خلفها وكأنهم دونكيشوت يصارع طواحين الهواء، ليس دفاعاً عن طاحونة الحقيقة بل طمعاً في دراهم معدودات تستر عورة النص المكتوب في زمن أصبحت فيه الثقافة آخر ما يهم الإنسان.
رئيس التحرير
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي