الرئيسية / الأعداد / مؤتمر الهايكو العالمي رؤي إبداعية تجوب الاتجاهات الأربع –  حسني التهامي

مؤتمر الهايكو العالمي رؤي إبداعية تجوب الاتجاهات الأربع –  حسني التهامي

highlight color=”pink”]نصــــوص من الهايكـــــــــــو[/highlight]

  مؤتمر الهايكو العالمي رؤي إبداعية تجوب الاتجاهات الأربع

 حسني التهامي*

 

منذ أيام قليلة أتمت جمعية الهايكو العالمية مؤتمرها في دورته الثانية عشرة، والذي عقد في الفترة من 2-4 أكتوبر في طوكيو. جمع المؤتمر لفيفا من كتاب الهايكو في بلاد شتى: أميركا، إيطاليا، أستونيا، هنجاريا، نيبال، ماليزيا نيوزيلاندا وغيرها من البلاد الأوروبية. ومن الجانب العربي كان هناك حضور من المغرب الأقصى، الأردن، العراق ومصر. يعقد هذا المحفل الثقافي العالمي المختص في فن الهايكو كل عامين، ويهدف إلى تجمع  محبيه وكتابه، وعرض إنتاجهم، وتبادل تجاربهم الإبداعية. لقد أصبح الهايكو – نظرا لجمالياته وخصائصه التي استطاع الشعراء تطويعها لتواكب متغيرات العصر وسمات لغاتهم وبيئاتهم – فنّا عالميا يجذب ذائقة الكثيرين من الشعراء والقراء في شتى بقاع الأرض.

فقرات المؤتمر:

في باحة فندق شيوركان بمنطقة أوتشاناميزو كنا نتجمع تمام التاسعة والنصف صباحا، ثم ننطلق مشيا نحو قاعة المؤتمرات، يتقدمنا رئيس جمعية الهايكو العالمية البروفيسور بانيا ناتسواشي. أثناء مسيرنا كنا نتأمل تفاصيل الشارع: حركة الناس وإيماءاتهم وهم يسيرون إلى العمل، والمحلّات المنسّقة بشكل لافت، والطبيعة التي لم تكن بمنأى عن تلك التفاصيل الكثيرة المدهشة، حيث تكسو جوانب الطريق أوراق الأشجار الدقيقة والمتشابكة، فيتحوّل الطريق واحة من الجمال والفتنة، فلا تكاد تشعر بارتفاعات المباني الخرسانية أو تضج أثناء سيرك بازدحام مروري. تلك التفاصيل الدقيقة المتنوعة ما هي إلا أدوات يمكنها أن تستحضر اللحظة الجمالية العابرة التي تفضي إلى اقتناص الهايكو.

وبعد قرابة النصف ساعة يصل بنا الطريق إلى قاعة المؤتمر التي ظلت تحتضن -على مدى ثلاثة أيام- فعاليات تتضمن: محاضرات تتناول محاور عن جماليات الهايكو، وقراءة قصائد، وحديث الكاتب عن إسهاماته وإصداراته وتجربته في عالم الهايكو. ونظرا للعدد الكبير الذي يملأ القاعة، يختار على كل هايكست نصا وحيدا من الأنطولوجيا التي تتضمن عددا من النصوص لكل كاتب من الحضور، ويقوم بقراءته على مرتين بلغته الأم إلى جانب الإنجليزية على الأغلب. وفي نهاية كل جلسة داخل القاعة يطلب رئيس المؤتمر السيد بانيا التعقيب على ما يطرح من فعاليات.

فترة التجوال والكتابة :

وبعد الانصراف من فعاليات الجلسة الأولى من المؤتمر يتجمّع المشاركون في ساحة المبنى الشاسعة، لتتحدد وجهتنا السياحية. ومن الأماكن التي كانت تضمنها برنامج الرحلة حديقة ياسودا العتيقة، نهر سوميدا سوق آكي هابارا Akihabara وغيرها من المناطق الشهيرة في طوكيو. أثناء التجوال كنا نتأمل تفاصيل الحياة والأشياء: هدأة البحيرة التي يطفو فوقها صغار الإوز، وتشرئب عيون الأسماك. وفي سوق آكي هابارا ذي الطوابق المتنوعة بمقتنياته الفريدة يتعالى صخب الناس وثرثراتهم التي لم أستطع فهم إلا ما تخللها من عبارات باللغة الإنجليزية، وهي اللغة التي درستها بالجامعة وأثقلت هذه الدراسة بالقراءة في صنوف الأدب الإنجليزي والاطلاع على مستجدات هذه اللغة وآدابها. في ذلك اليوم الذي صادف عطلة الأحد قمنا باقتناء بعض الهدايا لتظل ذكرى تعيد عبق هذه الرحلة القصيرة بتفاصيلها المدهشة. في السوق وفي غيره من أمكان التجمعات تلفت انتباهنا إيماءات الناس، وهي ذات الإشارات التي ألمح إليها رولان بارت في كتابه “امبراطورية العلامات”: يقوم بهذه الطريقة، على ما يبدو لي، كل واحد بطريقته الخاصة – راكب الدراجة الشاب الذي يحمل صينية على إحدى ذراعيه، أو البائعة الشابة التي تومئ برأسها في انحناءة شديدة حد الخضوع وكأنها تؤدي طقسا من طقوس العبادة، قبل أن يغادر زبائن المتجر ليصعدوا على سلم متحرك؛ أو يقوم لاعب الباتشينكو بإدخال ودفع واستلام كراته، بإشارات ثلاث متناسقة؛ أو كما اعتاد المتأنق في المقهى بإشاراته المألوفة على فتح مغلف مناديله البلاستيكي (المجهزّ) ليجفف يديه قبل أن يشرب الكوكا كولا: كل هذه الأحداث هي جوهر الهايكو[1]“. وهذا ما وجدناه في إيماءات الناس المجردة -مثل الهايكو- في تلك الرحلة القصيرة التي استمرت سبعة أيام: ركاب القطار، الشخص الذي قادني من عربة القطار رقم 2 إلى فندق شيوركان -أوتشاناميزو تمام الساعة السابعة والنصف مساء يوم الجمعة، موظفو الاستقبال في الفندق ذاته، وعامل المطبخ وهو يقدم وجبة الفطار، وعند انصرافه ينحني قائلا بالعربية “شكرا” فأضحك قائلا باليابانية “أريجاتوا” وهي الكلمة الوحيدة التي عرفتها أثناء فترة إقامتي في هذا الكوكب النائي الفريد، وبائعة العطور في سوق … التي أمدتني بشاحن لتليفوني الذي كاد يلفظ أنفاسه دون أن أقوم بدفع فاتورة قنينة العطر الأمريكي. يفعل الناس تلك الإيماءات دون تكلّف، وكأنّهم، بهذه الإشارات، يعيدون استنساخ “إشارة الطفل باتجاه شيء ما باتجاه شيء ما (لا يبدي الهايكو تحيزًا لموضوع)، وهو يقول: ذا! بحركة سريعة ولافتة (مجردة، إلى حد كبير، من أي وساطة: للمعرفة أو البحث عن مسمى للأشياء أو رغبة في تملكها)“[2]، وهي ما تشير إليه طبيعة هذا الفن العفوية الخالية من أي غرض سوى الإشارة ذاتها. إنه يقول كل شيء بشكل فوري وعفوي دون انتظار ردة فعل ما، تماما مثل الفوتوغرافي الذي يلتقط الأشياء بعناية ويهتم بتفاصيلها، دون أن يكترث بتحميل الفيلم، فيما يخرج وميض مشعّ من تفاصيل الصورة الفوتوغرافية.

الهايكو العالمي والجهات الأربع:

يشير بانيا ناتساوشي في مقدمته لمقال نشر في منتدى هايكو العالم “أصول الجهات الأربع وواقعها الراهن” إلى ذلك التكامل وضرورة التواصل بين الاتجاهات الأربع، فلا وجود لشرق أو غرب مطلق. فكل إنسان يسير على هذه الأرض نحو الشرق، حتما سيعود، في نهاية المطاف، إلى حيث بدأت رحلته، وكذلك من يتوجه نحو الغرب. يعكس هذا التلاقي اختلاف التجارب الإنسانية وتنوعها في تلقي تجربة الهايكو؛ فلم يعد الهايكو مرتبطا بآليات محددة لا يمكن تجاوزها أو الحياد عنها.
يكشف تتبّع أصول أسماء الجهات الأربع في عدد من اللغات عن مفارقة: فالشرق والغرب، لارتباطهما الوثيق بحركة الشمس كما نشهدها من الأرض، أقرب إلى إحساس الإنسان وأكثر ألفة لديه. لكنهما، حين يُنظر إليهما من الفضاء، يشكّلان امتدادا واحدا، فلا يمثل كل منهما سوى اتجاه نسبي. فبين الشرق والغرب تباين في المناحي الجغرافية والثقافة والأعراف، وهناك أيضا تفاوت بين الشمال والجنوب في الثقافة والأطر الاجتماعية والبيئية. أما الجنوب والشمال، فارتباطهما بالشمس أضعف من ارتباط الشرق (النامي) والغرب (المتقدم). لقد أنتج هذا التلاقي مخرجات من نصوص الهايكو في مجلدات قارب عددها الاثنين والثلاثين بلغات مختلفة منذ عام 2005 حتى 2026.

ومن النصوص التي استشهد بها بانيا ناتسواشي لتمثل اختلاف الحياة والجغرافيا والفصول في بيئته عن الغرب نص للشاعر الإفريقي الجنوبي جيري س. أديسيوو (نيجيريا) :

عشرة فصول

عشرة فصول يائسة

القمر البكر

 

ومن الهند  – بارثا ساركار

يتعاطون المخدرات —

قبل أن نكرههم،

علينا أن نفهم جحيمهم

والنص التالي لأنجلينا بونغ (ماليزيا)

يجتمع الشعراء

تهمس سرخسيات الغابة

عبر الريح

بينما تندر النصوص الإبداعية في الهايكو عند كتاب الشمال، مع ذلك يمكن العثور على نص من العدد الثاني والعشرين من الهايكو العالمي سنة 2026 يعكس فرص التلاقي بين الشعوب وتلاشي الاختلافات بين البشر حين تتساوى الأشياء لحظة الغروب:

مع حلول الظلام

تتلاشى الاختلافات

اعتدال الخريف

 بريسيلا لينوري- الولايات المتحدة

هايكو أوروبا الشرقية

بعد إصدار اثنين وعشرين مجلدا من مختارات الهايكو العالمي، يبرز بجلاء أمران : رسوخ الشغف بالهايكو في أوروبا الشرقية، وقوة الإحساس بالألفة مع الطبيعة. مثال ذلك نص نشربالعدد التاسع عام 2013، عن دار شيتشيغتسودو:

 وردة أرجوانية

في يدها المرتجفة:

قلبه هو نفسه

فاسيلي مولدوفان (رومانيا)

يصوّر هذا الهايكو الرومنسي العاطفة بين عاشقين، ويحدث صدى مزدوج بين كيانين مختلفين، إذ يتماهى قلب الحبيب مع الوردة. يعكس النص شخصية الإنسان الشرقي الذي لاتزال تحركه المشاعر، على عكس الإنسان الغربي المولع بالآلة والعولمة ولا يخضع لمشاعره وأحاسيسه، فهو يحكمه العقل والمنطق

هايكو شرق آسيا

يتميز الهايكو عند كتاب منغوليا بالتعاطف مع الحيوانات والطبيعة الشاسعة. وفيما يلي نص من العدد الثاني والعشرين، الصادر سنة 2026

أخطو بثبات

فوق السهول―

روحي تنبت وتنهض

إن. مونخبات (منغوليا الداخلية واليابان)

يشير النص عن الوحدة التي تربط الأرض الشاسعة بروح الكاتب.

أما اليابان، مهد الهايكو، فتقع في أقصى الشرق، حيث تعبّر نصوص كثيرة عن احتفائها بالطبيعة أكثر رقة مما نجده في هايكو أوروبا الشرقية أو منغوليا. وفي العدد التاسع عشر من الهايكو العالمي سنة 2023، نجد نصا يجسّد صدى خفيا وتعايشا تحتفظ فيه الطبيعة والإنسان بمسافة بينهما، فلا يقترب أحدهما من الآخر أكثر مما ينبغي، ولا يبتعد عنه كثيرا:

تكشف السماء عن الغيوم―

 وأنا سأكشف

عن الصمت[3]

— سايومي كاماكورا (اليابان)

هايكو الغرب

لا تكمن السمة المميزة لهايكو أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، في التعاطف بين الكائنات المختلفة، وإنما في العزلة والتشظي واشتداد الوعي بالذات. ومن العدد الثامن عشر من الهايكو العالمي، الصادر سنة 2022، نقرأ:

يأس الكلب

الذي عضّني

— تيم غاردينر (المملكة المتحدة)

 

ومن العدد العشرين، الصادر سنة 2024

بفخذيها الفاتنتين

القمر المتعرّق

يحطّم كل الصحون

— ديفيد بوير (الولايات المتحدة)

تصبح العزلة موضوعا سائدا يسيطر على روح النصوص الغربية، مع التقدم الاجتماعي واشتداد الوعي بالذات، في هذه الحالة نادرا ما يلتفت الكاتب إلى صوت الأشياء من حوله.

هايكو الشرق والجنوب الناطق بالعربية

يضيف الكتاب المثقفون العرب الذين يتقنون لغات أوروبية أخرى إلى جانب لغتهم الأصلية ألوانا جديدة إلى الهايكو. وقد ظهر في العدد الثالث عشر من الهايكو العالمي سنة 2017 نص يصوّر جنوبا يفيض بالنور:

لَوهلة

الطاووس وظلّه

معا بالألوان

— سامح درويش (المغرب)

ومن العدد الثاني والعشرين من الهايكو العالمي سنة 2026، نختار هذا النص للشاعر العراقي:

يا لنباهة رولان بارت

يتحاشى حتى النملة في الشارع:

مات وقد صدمتْه شاحنة

— عبد الكريم قاصد (العراق والمملكة المتحدة)

هايكو يتجاوز الجهات الأربع

تناولنا نماذج تمثيلية من هايكو الشرق والغرب والجنوب، مع استثناء الشمال. وتكشف هذه النماذج كيف تتبلور السمات الإقليمية في صيغة الهايكو الشعرية الموجزة، فتكتسب خصوصيتها. ففي الجنوب، يتجاور الخراب والفردوس؛ وفي الشمال، لا نجد هايكو يتباهى برخاء الدول المتقدمة. ويستند هايكو الشرق إلى الانسجام بين الإنسان والطبيعة، بينما يبرز في هايكو الغرب، على العموم، انعزال الفرد واشتداد وعيه بذاته.

 وفي العدد الحادي عشر من الهايكو العالمي، الصادر سنة 2015 عن دار شيتشيغتسودو، نص يتطلع إلى جوهر العالم كله، متجاوزا حدود الواقع:

أجلس على الرمل

أغمض عينيّ

وأتأمل العالم، موسيقاه

— كازيميرو دي بريتو (البرتغال)

العالم في كليته هو موضوع هذا الهايكو. وفيه يتواصل الشاعر وهو في حالة من التأمل بالوجود عبر الحواس الخمس.

ثم يدرج بانيا ناتسوائي نصا له في العدد الثاني والعشرين من الهايكو العالمي سنة 2026، وقد كتبه أثناء زيارته الهند للمرة الأولى ورؤيته للكائنات التي لا تُحصى، وهي تحتشد في فضاء الهند الشاسع:

ما لا يُحصى

لا يبلغ اللانهاية —

جروف من الحجر الرملي

— بانيا ناتسويشي (اليابان)

في هذا النص تسيطر على ذهن الشاعر فكرة الزوال: ففي العالم الذي يحيط بنا كائنات لا تُحصى، ومع ذلك فهي محدودة ، تفصلها عن الأبدية مسافة، وهي في طريقها إلى الزوال.

التمثيل العربي 2026

شكّل الرباعي – الأردني (عصام وزوز) والمغربي (محمد بنفارس) والعراقي (عبدالكريم كاصد الذي قام -نيابة عنه-  الشاعر والفوتوغرافي الياباني والأمريكي لتخلفه عن المؤتمر نظرا لمرضه) والسوري محمد عضيمة والمصري حسني التهامي – حضورا عربيا، حتى قبل ذهابهم إلى طوكيو  عبر نصوصهم الحاضرة في أنثولوجيا هايكو العالم المكتوبة والمترجمة إلى عدة لغات، والتي قد قام كل شاعر بقراءة ما تيسر له من نصوص خلال أيام المؤتمر الثلاثة. عكست هذه النصوص تجربة الهايكو العربي المتنوعة:

طائرة ورقية

السماء كلها

بيد طفل[4]

يعكس النص طبيعة الهايكو سواء في طبيعته في بلد المنشأ من حيث الإيجاز والعمق والحفاظ على اللحظة الجمالية العابرة أم في الخصائص العربية التي تحمل جوهر اللغة والبيئة العربيتين وجمالية اللحظة معا. تكمن المفارقة في النص الأول في الجمع بين عالمين أحدها غاية في الصغر (الطفل – طائرة ورقية) والآخر شاسع وممتد (السماء)، ما يثير الدهشة في نص غاية في الاختزال والعمق.

يقول الهايجن العراقي عبدالكريم كاصد:

يا لنباهة رولان بارت

يتحاشى حتى النملة في الشارع

مات وقد صدمته شاحنة[5]

ينبني النص على مفارقة حادة بين وعي الناقد والمفكر رولان بارت البالغ الذي يمكّنه من تحاشى “حتى النملة في الشارع”،  ما ينمّ عن حرص وفرط حساسية تجاه الكائنات المهمشة، وبين النهاية القدرية الصادمة تحت عجلات شاحنة عابرة. لقد عجزت نباهته عن إنقاذه من آلة عمياء في الشارع العادي. وهكذا يبرز النص هشاشة الإنسان أمام القدر، مهما بلغ من نبوغ وعبقرية.

نص آخر للأردني عصام وزوز:

 عاصفة

غصن مكسور

يلوح للريح[6]

يخرج النص عن الأنساق المتعارف عليها في الهايكو، حيث يتجاوز المشهد حدود الطبيعة ليحمل أبعادا إنسانية. ترمز العاصفة (العنصر الطبيعي) إلى أزمات الحياة وتقلباتها، فيما تتعمّق الأنسنة من خلال الغصن المكسور الذي يلمّح إلى الإنسان الجريح، وهو يقاوم سطوة الريح. ويبقى الفعل “يلوح” في قفلة النص ليشكّل الصورة الأهم والأكثر كثافة، ويؤكد خاصية الأنسنة مرة أخرى، كما يدخل المشهد ضمن جمالية اليوجن الشفيف التي تترك المتلقي يتفاعل مع النص بطريقته الخاصة.

أيضا يقول محمد عضيمة من سوريا – اليابان:

من المحطة الموحلة

أستقل القطار الموحل

كل صباح [7]

يقوم النص على خاصية التكرار، فالمحطة “موحلة” والقطار “موحل”، وهذا التكرار لم يأت عبثيا، لكنّه يشكّل المُناخ العام المحيط بالتجربة اليومية والمعاناة الإنسانية التي لا يجد الشاعر منها فكاكا. حتى عندما يحاول تغيير هذا الوضع (بتغيير تلك البيئة التي تحيط به)، لا يجد نفعا، فالمحطة التي يصل إليها تحمل ذات السمات البائسة والغارقة في المتاهة والوحل. يزيد السطر الأخير المشهد قتامة، حين يتبين أن هذه الحالة ليست عابرة أو استثنائية، لكنها تمثل وضعا قائما وروتينا صباحيا لا يمكن الخلاص منه.

يقول حسني التهامي – مصر:

دوامة هوائية

محفل راقص

في ساحة المقبرة[8]

  يقوم النص على المجاورة الشعرية: الرقص في حضرة المقبرة؛ هذا المفارقة الوجودية تحدث نوعا من التوتر الدلالي. تثير الدوامة الهوائية حركة الأوراق الخريفية، فتدور حول ذاتها في مشهد راقص يحيل المكان الموحش إلى مرقص طبيعي مفعم بالحركة والبهجة والحياة. فالمقبرة، على الرغم من مكانتها المهيبة، ليست نقيضا للحياة، ففي ساحتها يواصل العالم دورته، وكأن الموت والحياة يتجاوران دائما. وقد تضفي عبارة “محفل راقص”، بما تنطوي عليه من تجريد، على مشهد الدوامة الهوائية الحسي طابعًا سرياليًا يكتنفه شيء من الغموض، تاركةً للقارئ حرية تشكيل الصورة الشعرية وفقا لتصوّره ورؤيته الخاصة.

لقد مرت فترة مؤتمر الهايكو 2026 زاخرة بتجارب شعراء حمَلوا عبق الاتجاهات الأربع، وحُمّلوا بتجارب متنوعة في مسار الهايكو الفريد. وبعد العودة من طوكيو، عاصمة الهايكو وحاضنة هذا الفن، قد يجول في أذهاننا بعض التساؤلات حول الوضع الراهن للهايكو العربي، آملين أن يتعاطى كل متلق واع في المقاهي، وفي الشارع، جنبا إلى جنب مع الصالونات والمهرجانات الأدبية والمنتديات الإلكترونية النشطة في هذا المسار إبداع الهايكو بنوع من التكثيف والاهتمام والترويج الهادف. كما نأمل أن يُقبل النقاد والأكاديميون في الأوساط الجامعية على دراسة جماليات هذا الفن الوافد، والكشف عن إمكاناته الإبداعية، الذي يعدّ إضافة نوعية إلى الشعرية العربية التي تمتلك إرثا إبداعيا ضاربا بجذوره في أعماق التاريخ.

الإحالات

[1] رولان بارت ، ت. حسني التهامي،  من شعر الهايكو الياباني- الحدث، امبراطورية العلامات، مجلة البيان، العدد 644، ص33

[2] نفس المرجع

[3]

[4] – Ban’ya Natsuishi, Tokyo, The 12th World Haiku Association Conference Anthology, The Art of Haiku, East, West, Noth and South, Ginyu Press, 2026, p. 8.

[5] نفس المرجع، ص30

[6] -نفس المرجع ص 67

[7] – نفس المرجع ص 51

[8] – نفس المرجع ص 4

شاعر وناقد من مصر

عن madarate

شاهد أيضاً

حوار مع المبدع المغربي حسن بيريش – حاوره الشاعر الحسَن الگامَح

ورقة عن المبدع حسن بيريش مكان الولادة: مدينة طنجة، المغرب. التخصص البارز: كاتب وصحافي متخصص …

اترك تعليقاً