الرئيسية / الأعداد / الفنان الفوتوغرافي أنور درويش يعيد صياغة الواقع – مصيب محمد جاسم

الفنان الفوتوغرافي أنور درويش يعيد صياغة الواقع – مصيب محمد جاسم

الفنان الفوتوغرافي أنور درويش يعيد صياغة الواقع

مصيب محمد جاسم*

 

بناء الصورة الفوتوغرافية يختلف باختلاف المحور الذي تنتمي إليه. ففي الصورة الصحفية مثلاً، يكون البناء الأساسي هو موضوع الصورة وما يحمله من قيمة إخبارية وقدرة على توثيق الحدث ونقل تفاصيله إلى المتلقي، في حين تُبنى الصورة الرياضية على اللحظة الحاسمة، كما أطلق عليها المصور العالمي هنري كارتييه بريسون. تلك اللحظة التي تعكس مهارة المصور في اقتناص الحركة الاكثر أهمية وتأثيراً وجمالاً، لتتحول ثانية عابرة إلى صورة قادرة على اختزال حدث قد لا يتكرر. وهكذا نجد أن لكل محور من محاور التصوير الضوئي خصوصيته البنائية، التي تفرض على المصور الاهتمام بها من اجل إبراز مهارته، من دون أن يعني ذلك إلغاء بقية العناصر. بل إن الأمر يتعلق بتفاوت أهميتها تبعاً للهدف الذي تسعى الصورة إلى تحقيقه، وطبيعة الرسالة التي يراد إيصالها إلى المتلقي.

وانطلاقاً من هذا المبدأ، يمكن القول إن الصورة الفوتوغرافية الفنية لا تستمد قيمتها من موضوعها وحده، ولا من قدرتها على نقل الواقع كما هو، وإنما من الطريقة التي يُعاد بها تنظيم هذا الواقع بصرياً وتحويله إلى تجربة جمالية وتعبيرية. فالمشهد العادي قد يتحول، بفعل المعالجة الفوتوغرافية الواعية من قبل المصور، إلى خطاب بصري مفتوح على التأويل، تتداخل فيه العناصر التشكيلية مع الدلالات النفسية والرمزية. وعليه، فإن قراءة الصورة الفنية تستدعي النظر إلى العلاقات التي تنشأ بين مفرداتها من خلال الظل والضوء، وإلى الكيفية التي يسهم بها التكوين في إظهار المفردات وتشكيل الكتل إلى جانب تأثير اللون والملمس في بناء المعنى المراد.

وبناءً على ما تقدم، يمكن القول إن العمل الفوتوغرافي الذي قدمه الفنان أنور الدرويش يتمتع بطابع فني واضح. فهي صورة ناجحة إلى حد كبير في بناء الجو النفسي والسرد البصري. عمل يعتمد على الإيحاء بدلاً من الوضوح التام. ويعود ذلك إلى توظيف الظل والضوء الذي فتح المجال أمام تأويلات تتصل بالغياب والذاكرة ومرور الزمن. فما نشاهده في الصورة هو المكان بأثاثه القديم، وما يتخلله من ضوء ولون ملفت على الجدار، من دون الاعتماد على حضور العنصر البشري. كما وان العمل هنا لا تكمن قوته الأساسية في جمال العناصر منفردةً، بل في طبيعة العلاقة التي تربط بينها.. كرسي وحيد، وباب ثقيل مفتوح مع خزانة أدراج قديمة، وضوء لا يكشف المكان بأكمله. اضافة الى زاوية الالتقاط جيدة جمعت هذه العناصر ضمن مشهد بصري واحد ومتماسك.

وفي تقديري، فإن أبرز ما يمكن تحسينه في العمل هو تقليل الثقل البصري الذي فرضته الخزانة، مع استعادة قدر محسوب من التفاصيل في مناطق الظل.

 

كاتب من العراق

عن madarate

شاهد أيضاً

مقدمات أساسية في الوعي والنهوض بالثقافة والفكر – حسن إمامي

حسن إمامي*    (هذه مجرد مساهمة واقتراحات لا تكون لها قوة وجود وإمكانية تحقق ما …

اترك تعليقاً