
مولاي إدريس كرم: ومن التمثيل ما يجنن
كريم بلاد
تربطني بالممثل مولاي ادريس كرم صداقة تمتد أكثر من عشرين سنة، لاعتبارات جغرافية متصلة بالإقامة معا بمدينة تارودانت ردحا من الزمان، ولاعتبارات فنية ومسرحية خاصة، متصلة بانتمائنا معا إلى جمعية الشعاع للمسرح بتارودانت.
التحق بالجمعية مولاي ادريس بحثا عن موقع قدم داخلها، في المجال التشكيلي، ورسم اللوحات الديكورية أو غير ذلك مما قد يستوجبه العمل المسرحي، وما دامت جمعية الشعاع للمسرح بتارودانت كانت حينها حاضرة بقوة في الساحة الثقافية على الصعيدين المحلي والوطني، فإن كرم الفنان اعتقد أنه سيجد ضالته هناك. واظب الشاب “الساذج” على الحضور، والتزم بالمواعيد، وواكب التداريب المسرحية على مسرحية “تراجيديا السيف الخشبي”، ولم يقترحه المخرج من أجل الإسهام في العمل فنيا، غير أن غياب صاحب الدور الرئيس في المسرحية، واقتراب موعد عرضها والمشاركة بها في مهرجان وطني لمسرح الهواة، جعل المخرج يلتفت إلى كرم، ويطلب منه الدخول مع الفريق في العمل، لم يبد كرم أي رفض، ولا أي تردد، أخذ نفسا، وصعد الخشبة، واستدار إلى جهة الكواليس، وركز في الشخصية التي سيلعبها، ثم انخرط في التشخيص. ولم يكن من المخرج إلا أن يقول لكرم، وهو لأول مرة يقدم مسرحية: “ستلعب الدور بدل فلان”.
وتلك كانت البداية، غير أن وصول موعد العرض، وقرب فتح الستار إعلانا عن بدء المسرحية، استتب الندم بكرم، وقرر عدم خوض غمار العمل المسرحي “تراجيديا السيف الخشبي”، لأنه سيقدم دورا أنثويا، وعزم على التراجع، لكن المخرج لم يجد بدا من دفع الممثل كرم بقوة إلى خشبة المسرح، ليجد نفسه أمام الجمهور منخرطا في دوره بالقوة، ثم بالفعل بعد ذلك.
ولعب الدور، وتألق، وحقق التقمص بالفعل لا بالتمثيل، فقد كان كرم يدخل في الشخصية التي يلعبها، ولا يخرج منها إلا بصعوبة بالغة، وكان لا ينام الليالي الطوال، ولا يأكل في الأيام التي تسبق عرض أي مسرحية يشارك فيها، ولقد حدث له أن مثل شخصيات متعددة في مسرحية واحدة، وكان يدخل في شخصية ثم يخرج منها، ليدخل في أخرى، منتقلا من مشهد إلى آخر، فكاد أن يصاب بالجنون، لولا دقات الطبل التي كانت تصدر عن الجوقة، والتي أرجعته إلى رشده، بعد أن فقد الإحساس بالمكان والزمان خلال جريان العرض المسرحي.
لذلك ظل كرم الممثل وجها بارزا في كل الأعمال التي قدمتها جمعية الشعاع للمسرح، بلا استثناء تقريبا، من ذلك:
مسرحية “تراجيديا السيف الخشبي” في دور جاكلين؛
مسرحية “البحث عن رجل يحمل عيني فقط” في دور ثغرل بيك؛
مسرحية “شهرزاد” في دور رئيس الجوقة؛
مسرحية “الكراسيز” في دور نوري؛
مسرحية “مسك الليل” في دور الخادم جبار؛
مسرحية “موليير القباني” في دور البستاني ديفو…
وها هو اليوم يتحول من ممثل فذ إلى مخرج جدير بالاحترام، وقبل ذلك إلى معد للأعمال المسرحية ومستنبت مميز لغة وبناء وتصورا، وهو المصر على مخالفة رؤى الكتاب الدراميين الذين يعد أعمالهم أو يستنبتها مغربيا. بروح المشاكس، وطموح الطفل المشاغب، أعاد بناء “الخادمات” لجان جينيه، وفي “انتظار غودو” لصموئيل بيكيت، و”المغنية الصلعاء” ليوجين يونسكو، وغيرها، كما عمل على أعمال روائية وحولها إلى دراما مغربية.

ولقد تمكن كرم من إخراج مجموعة من الأعمال المسرحية، نذكر على سبيل المثال:
“شكون لي ذبح المداد”، 2023؛
“هداك اللي”، 2016؛
“ما يدوم حال”، 2013؛
“مسك الليل”، 1999.
أما المشاركات التي استفاد منها الممثل كرم فلا تعد، منها المهرجانات والملتقيات الوطنية والدولية، في: آسفي ومراكش والرباط وهوارة وزاكورة وورززات ودمنات والبيضاء… ومنها طرطوشة بإسبانيا ورومانس بفرنسا، وأفينيون بفرنسا، وموناكو، والجزائر وتونس والأردن وغيرها.
وتألق كرم فحصد العديد من الجوائز في الملتقيات والمهرجانات سالفة والذكر، خاصة جائزة أحسن ممثل، وجائزة الإخراج عن عمله “هذاك اللي”.
وبالرغم من العطاء المستمر لأربعة عقود في مجال المسرح، فمولاي ادريس كرم لا يزال في قمة عطائه وإسهامه الفني بإخلاص ونكران للذات، وباحترام تام لقواعد العمل المسرحي، وما يتطلبه من جدية ومواظبة وتقدير للمسرح الذي لا يجب أن يكون للهزل فقط، ولكن لبناء الإنسان فكرا وأخلاقا.
البيضاء يوم 26 يناير 2025م.
باحث في المسرح من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي