الرئيسية / الأعداد / البناء والدلالة في مجموعة “خطوط ومنعرجات”  لعبد الله فراجي-  عبد الرحيم التدلاوي

البناء والدلالة في مجموعة “خطوط ومنعرجات”  لعبد الله فراجي-  عبد الرحيم التدلاوي

البناء والدلالة في مجموعة “خطوط ومنعرجات”  لعبد الله فراجي  

عبد الرحيم التدلاوي

 

بعد إصداره لديوانين شعريين مهمين، يصدر الشاعر عبدالله فراجي مجموعته القصصية القصيرة جدا بعنوان: “خطوط ومنعرجات”، وهو بهذا الإصدار يؤكد وبقوة أن هذا اللون التعبيري ذو جاذبية يجر إليه كتابا كثر، يغنونه برحيق إنتاجاتهم، بيد أن للعملة وجه سالب يتمثل في الإقبال الكثيف عليها إنتاجا، مما حفز بعض النقاد الجادين إلى التكلف بمهمة نفض الغبار عن القصة القصيرة جدا، وإزالة الأعشاب الضارة من حقلها، ومنهم، على سبيل التمثيل لا الحصر: ناديه الأزمي، السي محمد داني، والسي حميد ركاطة، بحيث كانوا صارمين في فعلهم هذا، يحملون غربال التصفية عن دراية وتجربة ومتابعة، فكانت لهم الجرأة على إبعاد الكثير من النصوص التي لا تدخل في باب القص الوجيز إلا تعسفا. * القصة القصيرة جدا لا تقر بالفصل بين النص والقارئ بل تمنح لهذا الأخير مساحة كبيرة تخوله فرصة إعادة بناء النص، وأكثر من ذلك، تعتبره عنصرا مشاركا في كتابته. إنها بذلك تقر بمساحة التفاعل والحوار بين الطرفين. فالحوار يقود إلى التفاعل المنتج، وبالتالي زعزعة القناعات السائدة وطرح الأسئلة. نصوص القاص عبدالله لا تهدف إلى التحريض ولكن إلى جعلنا نرى الحقائق عارية، وأن نعرف الأسباب العميقة التي تجعل الإنسان تعيسا مقهورا ومستغلا. وأن نرى الصراعات الحقيقية داخل المجتمع دون تمويه، إن الهدف هو زيادة الوعي لدى القراء، وتحريضهم على طرح الأسئلة عن معنى الوجود والموت والحب وغيرها. القاص رغم الخراب الذي يعم واقعنا لا يسعى إلى رسم السواد وجعلنا نسكن اليأس، بل بالعكس من ذلك، يؤكد على أن في نهاية النفق ضوءا، أملا، ورجاء. القاص في مجموعته يتحدث بضمير الصامتين، بضمير المنتظرين والمؤملين. وهو يؤمن أن الصدق في هذه الحياة ضرورة كبرى، وأن إرادة البشر تلعب دورا أساسيا في محاولة خلق عالم أجمل، وإن الشجاعة الأدبية، وقول ما يجب قوله في الوقت المناسب، وإعطاء المثل من خلال السلوك والممارسة، أمور تعطي الحياة معنى، وتجعل الناس يفكرون بطريقة مختلفة.{عبد الرحمن منيف، لوعة الغياب، ص 18.} لقد اعتمد القاص القصة القصيرة جدا باعتبارها إحدى أهم وسائل التعبير في العصر الذي نعيشه، والدور الذي يمكن أن تلعبه، وما تعني له بشكل خاص ضمن وسائل التعبير العديدة، وبالأخص الشعر، التي يمارسه. فإذا كانت القصة القصيرة جدا هي ابنة اللحظات الآنية الحاضرة والتي تومض كالبرق، فهي تتماهى مع الشعر الذي هو أيضاً، ابن الانفعال اللحظي لذلك فهي كنص أدبي، برغم استقلاليته عن الشعر فهي أقرب الأجناس الأدبية إليه.. فهي تقبل الشعرية في لغتها، وتقبل الجمل القصيرة المكثفة والمقتصدة. يؤكد الروائي عبد الرحمن منيف على ضرورة أن تنفتح وسائل التعبير على بعضها، وأن تستفيد من التجارب والانجازات التي تتحقق في كل وسيلة على حدة في المرحلة الراهنة، وكيف يمكن أن تبنى جسور بين هذه الوسائل لتغتني ولتتفاعل، ومن ثم تستطيع أن تخصب وتفتح أفاقا أمام العملية الفنية الأدبية بمجموعها.

ونظن أن الشاعر والقاص عبدالله فراجي لم يتأخر في تجسيد هذه الفكرة. (لوعة الغياب، ص 90 ) إن عتبة العنوان ” مفترق طرق ” له دلالات عدة منها الحيرة وإطلاق العقل نحو المجهول في فضاء ذي أشكال متعددة يعكس مدى تأثير النصوص الحكائية في نفسية القاص عبدالله فراجي التي تمتاز بروح شعرية تضيء للمتلقي مضامينها بأسلوب متزن يجسد تساؤلات في رحلة البحث بين الماضي والحاضر والمستقبل. وقد حرص القاص على تخير عناوين تميزت بالإيجاز والتكثيف حيث عنون أغلب قصصه بكلمة واحدة. ومما له دلالة هنا، كون القاص اعتمد على عنوان غير مطروق البتة، وكأنه استوحاه من عالم الهندسة، حيث الخطوط والمنعرجات، في رسم سير الشخصيات، وانكساراتها، في تقدمها وتراجعها، في سموها وانحطاطها، في ارتقائها وسقوطها، مشيرا إلى أن الواقع المر يقف وراء كل ذلك. وهو عنوان استل من داخل نصين حملاه ببطنهما، الأول بعنوان: “أهل الكهف” ص12، والثاني بعنوان: “إحصاء” ص63. كما أن بعض عناوين القصص الداخلية كانت مختلفة ومثيرة للدهشة ومثيرة لشهية القراءة، من ذلك، قصة”2011″، وهي تشير للربيع العربي، وقصة “شقرزاد” المنحوتة من كلمتين، شقراء، وشهرزاد، وهي خاصية يتميز بها الشاعر والقاص، السي عبدالله فراجي وتؤكد اهتمامه باختيار عناوينه بدقة، وسعيه إلى التميز في بعض المحطات. وقد كانت معظم العناوين معبرة عن المضمون وجاذبة للانتباه ومختصرة مما منحها تميزا واضحا. تعد البداية في القصة القصيرة جدا ذات أهمية كبيرة إذ تقوم بتحفيز القارئ على إكمالها ، لذا، من المهم أن تكون عتبة النص الأولى ذات لغة جميلة ومحفزة وموظفة بشكل جيد حتى تتمكن من فتح شهية القارئ لما سيأتي داخل النص، والأمر نفسه بالنسبة للنهاية أو ما يسمى بلحظة التنوير فهنا يكمن لب النص وفكره وأبعاده. وينبغي، غالبا، أن تكون القفلة مثيرة للدهشة ومخيبة لأفق انتظار القارئ. تتميز بدايات عبدالله فراجي ببراعة الاستهلال والإيجاز، وتتنوع مداخل قصص المجموعة فتأخذ أشكالا متنوعة تمنح لمجموعته الثراء منها: المقدمة الوصفية، والحدثية، والمقدمة الحوارية، وهذه بعض النماذج منها:

1 البداية الوصفية:

كما في نص “ديكور” ص 1، حيث يقدم لنا السارد وصفا للسيارة التي توقفت، وصفة سائقيها: توقفت السيارة الفاخرة. ترجل راكبوها الأجانب. طلبوا صاحب الحقل…ص1 2 البداية الحوارية كما في نص “هجرة ” ص 24، إذ يبتدئ النص بسؤال من الشخصية ، وهو سؤال يدل على غياب معرفة يريدها، ولا يكتمل حضوره إلا بها، فالجواب بالنسبة له امتلاء. وكثيرة هي النصوص التي جمعت بين تقنية السرد والمشهد، وهو جمع يقدم نصوصا تتميز بدينامية الحدث، وبحضور الجانب الدرامي، فالسرد يعرض الحدث ويقويه بالمشهد حتى يتابع القارئ عن كثب ما يحدث أمامه، وكأنه يقع في لحظة رؤيته. بيد أن الحوارية إذا كانت تعني إقامة تواصل بين طرفين، فإننا نجد في نص “وعي” حوارا داخليا، يعبر عن دواخل الشخصية ويكشف هشاشتها وضعفها. البداية الحدثية: كما ورد في نص: “إحصاء” ص 63، إذ يستهل النص بفعل الضرب، كحدث له تناسلاته النصية، انفلتت و تهجى. ومن أبرز سماته الإيجاز والخلو من الحشو والتكرار فلا ترد فيه كلمة يمكن الاستغناء عنها مثلما نرى في قصة “تفتح” ص62، إذ نعثر فيه على بلاغة الحذف المحقق لسرعة توالي الأحداث: أدخلها إلى بيته .. نضجت .. تفتحت .. رام قطافها، فأخرجت أشواكها. نلاحظ توالي مجموعة من الأفعال ذات الأبعاد الزمنية المختلفة، هذه السرعة، وهذا الحذف البلاغي، كانا ضروريان لكون القص الوجيز لا يقبل الترهل كما لا يقبل الإطناب في الوصف، والإكثار من النعوت، فبين إدخالها المنزل، وإخراج أشواكها نهر زمني متدفق، حصلت فيه مجموعة من الأحداث. والمفارقة بين الإدخال والإخراج توجت لحظة النهاية وأثمرت رد فعل إيجابي، قلما نعثر على شبيه له في المجموعة. التكرار يعتمد القاص كثيرا على خاصية التكرار لما له من دور في تحقيق اللذة القرائية، حيث التأكيد على المعنى، وتحقيق انسجامية النص، من ذلك ما ورد في نص “سيرورة” ص80، إذ نجد تكرار كلمة الباب، باعتباره عتبة تجمع بين ضدين، الدخول والخروج، والسارد في النص يسعى إلى الباب من دون تحديد الرغبة، مشفوعا بكلمات تعبر عن تردده، لكنه، وهو يطلب الباب لن يجد الاستجابة، فبدل النجاح تتحقق الخيبة: ثم انغلق الباب صارخا…في وجهي. ص 80. وبهذا يكون التكرار مختلفا في ارتباطه بما بعده، أي المضاف إليه. وبهذا ينشب صراع خفي بين التوجس والتحقق. التوازي: ولأن السي عبدالله شاعر، فقد وظف بعض مميزات الخطاب الشعري في قصصه القصيرة ليمنحها بعدا موسيقيا وجماليا ، حيث نجده في نص: “سباحة ضد التيار” ص54، يوظف هذا الملمح بطريقة فنية لا نبو فيها، فقد جاءت سلسة، يتطلبها النص، يقول السارد: لم يتهيب الأشباح .. لم يعبأ بالفخاخ .. لم ينتبه للألغام إنها جمل منفية بحرف واحد، وهو: لم، يأتي بعده فعل مضارع يفقد ومنه الحاضر والمستقبل ليدل على الماضي، بعدا اسم إما مجرور بحرف جر، او غير مجرور. وهو تواز يلعب دور تخدير القارئ، وجعله يعتقد بقوة الشخصية، ليفاجئ بنهاية مأساوية، إذ أن ما قام به لا يمكن اعتباره سوى تهور، فمن يطلب الياقوت والمرجان، عليه أن يستعد موقظا حواسه، حتى لا يسقط ضحية. المفارقة: المفارقة صيغة بلاغية تعني: قول المرء نقيض ما يعنيه لتأكيد المدح بما يشبه الذم، وتأكيد الذم بما يشبه المدح. وفي القصة القصيرة جدا لعبة فنية أو تقنية قصصية لا غاية لها إلا الخروج على السرد، وهو خروج يبعث على الإثراء والتشويق. محمد داني: جماليات القصة القصيرة جدا. مطبعة سجلماسة ط 1 2015 ص119، وهذا الملمح البلاغي نعثر عليه مخترقا للعديد من النصوص، كون القصة القصيرة جدا لا يمكن أن تقوم من دونه، ومن الأمثلة النصية الدالة، نسوق التالي: نص “مأزق” ص52، حيث نلمس التضاد الحاصل بين الاتفاق والاختلاف: اتفقوا{ضدي} على الاستراتيجية.. واختلفوا {فيما بينهم} على التاكتيك .. والكلمتان تقويان بعد المفارقة بالمفعول به، فهم ضده، وفي الوقت نفسه، مختلفون بينهم، والحال، أن طرفا من أطراف الاختلاف لابد أن يكون قريبا من الضحية، بيد أن الضحية، في هذه المفارقة، ليس السارد بل المختلفون، وهنا منبع الضحك، ومثوى السخرية. وإذا أضفنا الكلمتين الأخيرتين: الاستراتيجية والتاكتيكية، زادت سخريتنا منهم. وفي نص “نواطير” ص53، نحصل على المفارقة بين لحظتهم الأولى وما صاروا إليه، فقديما، حاربوا السحاب والأشباح، وحاضرا، صاروا مجرد نواطير، هذا التحول يولد سخرية بفعل المسخ الموصوف. وفي نص “تفتح” ص62، تقوم المفارقة من خلال التنافر الحاصل بين كلمتي: الملساء و الأشواك، فظن الرجل أن الفتاة ستظل طيعة إلى أن تكبر فيحقق منها مراده، ونسي أنها ربت شوكها لمثل هذه اللحظة، ليكون الرجل هنا هو الضحية لا الفتاة، ومن ثم حضور السخرية. أما في نص “سعادة” ص76، فتكمن المفارقة بين الظاهر والحقيقي، فالظاهر أنها ابتسمت وهي تطيل النظر إلى السائق، لكن الحقيقة، أنها عمياء، والسخرية تأتي من عمى السائق الذي كاد يتسبب في حوادث خطيرة لظنه أنها ترسل إليه عشقها، فانشرح، وترك لعنان خياله يحلق به بعيدا، ناسيا مهمته الأساس، وهي الحفاظ على أرواح الناس، إنه، فعلا، سائق أعمى، تسربت السعادة من بين يديه، فسقط ضحية السخرية. القفلة: تعد القفلة مدار النص، ولبه، تلعب كل العناصر السابقة عليها دور الممهد لها، دورها تحقيق الدهشة من خلال خرق انتظار القارئ، ويؤكد الباحث، جميل حمداوي هذا الطرح بقوله: تتأسس القصة القصيرة جدا – معماريا- على البداية والعقدة والجسد والنهاية. بيد أن أهم عنصر في هذا الفن الأدبي الجديد هو النهاية أو القفلة التي تربك المتلقي بإيجازها وإضمارها وتكثيفها، وتخيب أفق انتظاره بجملها الصادمة، وتشتبك معه بعباراتها المستفزة. ولا تقتصر الخاتمة أو القفلة على العبارة أو الجملة الأخيرة من القصة، بل قد تكون عبارة عن نقط حذف أو علامة ترقيم أو مقطع أو فقرة أو متوالية أو مجموعة من الجمل المتراكبة أو المستقلة. الرابط :

http://www.alukah.net/literature_language/0/61869/#ixzz3xavkBEvI ففي نص “خلفية” ص72، نجد شخصا منكبا بشهية على التهام ما تحويه الصورة من معروضات، بيد أن نهيق الحمار سيجعله يستيقظ من وهمه اللذيذ على واقع مر، فصاحبنا كان يعيش حلم يقظة في عز النهار، بدليل: القيلولة.، وبذلك تأتي القفلة مناقضة للبداية، ومخيبة لانتظار القارئ. قفلة السقوط، كما في نص “نواطير” ص 53، وقد سبقت الإشارة إليه. وفي نص: “جاذبية” ص51، لم يتحقق المتوقع بل خاب، إذ الرجل الفاقد ذاكرته لم يستعدها، فكثرة التفاح لم يقم إلا بإبعاده إلى شجرة ثانية. وفي نص “مصيدة” ص14، تأتي القفلة على النقيض من الأوصاف المقدمة في حق الصياد، فهو لم يكن كما تم ذكره، بدليل أنه فقد عينيه، فالطريدة فضحته وبينت عواره.

* في هذه المجموعة القصصية “خطوط ومنعرجات” للقاص والشاعر، عبدالله فراجي، قيد القراءة، نجد أن القاص قد منح لنفسه حرية التعبير؛ فبعثر الزمن في ثنايا الحكايات حتى يترك للمتلقي فرصة متابعة الأحداث وفق زمن النص الذي يحقق سرده متعة تضمن له إمكانية البحث عن ماهية الإنسان وجوهره وتعرية واقع هش متذبذب في زمن أحبط آمال وأحلام الذات الإنسانية في ربوع العالم. وقد أتت النصوص في المجموعة بسرد متراص و محكم البناء، تراوح بين وصف شاعري متأمل للمشاهد و الأحداث و تصوير داخلي لمشاعر الشخصية الداخلية، كاشفا من خلال هذه الآلية حكيا متشابكا مع الواقع ومظهرا، بالنتيجة، رؤى و أحكاما مرتبطة بتجارب ذاتية سابقة مزجت بين التصور الفلسفي المتأمل و الشاعري الخلاق .وقد عالجت مجموعة من التيمات، أظهرت المشاعر الإنسانية ، منها تيمة القضية الفلسطينية، والقهر والظلم، والانسحاق، وغيرها، حيث الشخصيات تذوب مع الحدث والواقع وتوسل القاص بأساليب فنية كثيرة متماسكة البناء متلاحمة العناصر في رسم المتاهة والتيه والقبض على اللحظات المنفلتة. إنه لأمر ذو دلالة أن يكون أول نص في المجموعة يرتبط بالقضية الفلسطينية؛ وهو إن دل على شيء فإنما يدل على انخراط القاص في قضايا شعبه المحلية والإقليمية، وعلى رأسها، أم القضايا، فلسطين، فحلها قد يؤدي إلى حل الكثير من قضايا وطننا العربي العالقة، مركزا على المقاومة، كبعد نضالي، الرافضة لكل شكل من أشكال التخلي عن الأرض، والانهزامية، رامزا لها هنا، بالزيتونة، فقد ترسخ في الذهن، أنها رمز السلم كما رمز التجذر في الأرض الفلسطينية. فها هو الرجل يقبل عليه الغرباء لشراء حقله، وضمنه، زيتونته العريقة، لكنه يرفض، ويطلب مقابل ذلك أخذه صحبتها، مما يعني الارتباط الحميم بينهما: أخبرهم أن وقد عرسها أجداده منذ نيف وقرن.. ص1، وشجرة مثلها تحمل هذا الكم من الحضور لا يمكن التفريط فيها: ثم اشترط عليهم أن يأخذوه مع زيتونة أجداده.ص1 تيمة القمع : كما في نص “اتجاه ممنوع”ص2 فإذا كان العنوان يعبر عن المنع، وبالتالي، فإن أي خرق يستوجب عليه العقاب، فإن النص ينتهي بكلمة: هراوة، وهي أداة القمع بامتياز، إنها تقف في وجه أي تمرد كيف ما كان نوعه، وفي وجه أي تجمع، وإنه لمن باب السخرية أن يواجه اللعب بالضرب، لكنه لعب غير بريء، فيمكن أن ينقلب، في نظر السلطة، إلى تمرد، مما يدعو إلى تدخل استعجالي ووقائي: وما هي إلا لحظات حتى تبعنا الناس .. وتبعتنا الهراوات ..ص 2، فعل ورد فعل يمحوه ويفنيه. تيمة الانكسار الذاتي: كما في نص “مفرد متعدد” ص3 هذا النص جاء بصيغ ثلاث، تعزف على التيمة نفسها، باختلاف الضمير، فمرة يعود على الجماعة، ومرة على الغائب المفرد، تنويعات على موضوعة واجدة لا تتغير وإن تغيرت الشخصيات، جماعة كانت أم مفردا، ما يوحدها هو جلباب الانكسار والتمزق: فتوزعوا في كل الشظايا، ثم، فتوزع منكسرا، ثم، لم تعجبه “أحواله”، كلها قفلات تعبر عن الانكسار وعدم الرضا، إذ كيف يمكن للشخصيات/الشخصية أن ترضى عن نفسها وهي ترى في المرآة، صورتها المشروخة. تيمة الفقر والغنى: وتتجلى في ثلاثة نصوص بعنوان واحد: “كابوس”، صص55 و 56 و 57، وكلها تسير وفق إيقاع تعرية الواقع، وإظهار تفاوتاته الطبقية، في الأول، يحضر الأطفال العرايا، والأسر الفقيرة، والشبان المحتجون، وفي الثاني: يحضر النقيض، المأكولات اللذيذة، والرقص، والمناظر الخلابة، وفي الثالث، يكتمل المشهد بالقمع، حيث لغة الرصاص، فالاحتجاج صنو التمرد، والرغبة في صنع المساواة غير المقبولة في قاموس الطبقة المتنفعة. وليس غريبا أن تنتهي كلها بقفل تؤكد غياب الحرية والحقيقة والموت، مقابلها، تحضر، ضمنا، الطغيان، التنعم بالخيرات، والحياة، فللفقراء الموت، وللأغنياء الحياة. تيمة الغرور والتسلط: كما في نص: “حكامة” ص 59، فالسيد سيستولي على أفكار خدمه وينسبها لنفسه محققا لها إشباعا أنانيا، وانتفاخا ذاتيا عجيبا، يقول السارد، مبرزا هذه الفظاعة في الفعل والسلوك: إنك ممتاز ..نحن ممتازون ..لكن ..أنا الممتاز..، ص 59 فتوظيف حرف الاستدراك، لكن، كان بهدف ما سبق وإلغائه، يكون الاعتراف المؤقت، ثم يعقبه المحو النهائي، مفسحا المجال للأنا، بالحضور والتجلي، لا أحد ينافسها. تيمة الخديعة بالدين: كما في نص: “اجتماع” ص 60، فالبسملة والحوقلة تفيدان التدين، لكن القفلة الساخرة أتت للفضح، حيث لم يتحقق الإجماع، ولكن الفرض، فتم للرجل فرض تصوره، نافيا بذلك فعل الحوار والاختلاف، والمتسلط يعتمد على مثل هاته الآليات لفرض رأيه الأوحد، باللعب والفهلوة تارة وبالقوة طورا. على سبيل الختم: قدم لنا الشاعر مجموعة قصصية تغري بالقراءة والمتابعة لما تزخر به من قضايا وتقنيات، فضلا عن توظيفه للكثير من جماليا الشعر فخصب القصة ومدها بدماء حارة، تتمثل باختصار في التشكيل الفضائي، حيث يأتي النص على شكل قصيدة، ومن خلال الصور الشعرية، فضلا عن المفارقة والسخرية.

 

عن madarate

شاهد أيضاً

حلاق قريتي – عمر ايت سعيد

عمر أيت سعيد*   يبدأ الجمال حين يستقبلك الحلّاق الفنان في صالونه المتواضع بابتسامته الرقيقة …

اترك تعليقاً