
الهايكو ومصداقية النقد الأدبي
توفيق أبو خميس*
“لكي تتجنب النقد لا تعمل شيئا، ولا تقل شيئا، ولا تكن شيئا” (ألبرت هابارد)*1
هل نرتقي ولو قليلاً بقراءاتنا لما ينشر هنا وهناك على مواقع التواصل الإجتماعي أو في الكتب الورقية المطبوعة من نصوص الهايكو، إلى أن نتجاوز الشكر والثناء وعبارات المديح والتقريظ إلى القراءة العلمية المسكونة بأسئلة القراءة الحقيقية والإشكالات النقدية العميقة؟! والسؤال هل يكمن الخطأ في الكاتب حين يجمع أصدقاءه ليسمع منهم الثناء؟!
أم في الناقد حين يستجيب لدعوة أحدهم لقراءة نقدية لنصه وهو يعلم علم اليقين ما المطلوب منه خلالها؟
لا يمكنك أن تكون ناقداً أديباً، شاعراً، روائياً أو كاتباً بأي جنس أدبي كان إن لم تمتلك ثقافة عالية في مجالك، وثقافة بحد أدنى في جميع المجالات.
وعندما يطرأ إنسان غير مثقف على الكتابة يتكون جمهور من القراء الذين لا يكتسبون ثقافة مما يقرأون ودون أي حس أدبي ونقدي.
وهنا يبدأ دوراننا حول أنفسنا وفي حلقات مفرغة من الفساد الأدبي والأخلاقي.
كثيراً ما نعمد أن ننتقد عمل ما أو ينتقدنا أحدهم في عملنا .. وهي مسألة طبيعية جداً، رغم عدم تقبل البعض لها كمجتمع أو أفراد، ورغم أن الهدف المراد بهذا النقد هو الإصلاح و التعديل وتصويب الأخطاء!!
في مجتمعنا لا نقبل النقد بتاتاً، كما يعتبره البعض شخصنه ومُحاربه لذات الكاتب !
من البديهي ومن الكاتب العاقل بأن لا يرى من العملية النقدية إلا عملاً جيداً غايته التصويب والإصلاح .. ويساعد ذلك الكاتب في إستدراك وتصويب وتصحيح أخطاءه .. وهي بدورها لا تنتقص من شخص أحد.
فالمخطئ لا يؤذيه النقد إن كان يريد الإصلاح والرقي في عمله المنتج.
النقد الإيجابي تحكمه شروط ويكون عادة ضمن حدود .. وله آداب وفنون يقترن بها ويحافظ عليها من يتقنها، ويحيد عنها من يجهلها .. وعلى المُنتقد أن يتقبل النقد ما دام إنه في حدود الأدب ويمتلك الحجة على ذلك.
يُقال إن النقد “فن” .. وعلى من لا يجيده .. أن لا يجعله مسخاً
علينا أن نقدم نقدنا الأدبي وأن نتقبل النقد الموجه إلى القصور في كتاباتنا لكن بحُب، من أجل النهوض بسوية الكتابة لهذا الفن وأن يكون نقدنا موجهاً إلى النص فقط .. أو وجب علينا أن نلتزم الصمت أن لم نجّيد النقد.
النقد الإيجابي للإصلاح مطلوب لكن للأسف فكل ما نملك على صعيد المجال النقدي لهذا الفن الشعري هو مجموعة من الأشخاص لا ينتقدون من أجل الإصلاح، بل الكثير منهم يمرر ويكيل المديح لنصوص ليس لها أدنى علاقة بالهايكو ولا تحمل أي من خصائص بنيته الأساسية على إنها نصوص تستحق التمجيد، والبعض من يصفي حسابات على حساب كيانه وجماهيره، والبعض الآخر محايد وينتظر ماذا يحصل بعد.
بُكل تأكيد النقد الإيجابي مطلوب وفي جميع المجالات، وعلى الطرف الآخر أن يتقبل النقد بصدر رحب ما دام إن هذا النقد في حدود الأدب ولا يوجد فيه أي شخصنة وتجريح للكاتب، وتصفية الحسابات لن تصلح أي خلل في أي مجال أدبي كان أو غيره من المجالات، بل إنها ستزيد الطين بله وتفتح المجال لمجموعات لتحقيق أهداف تخصها.
هناك خلط كبير بين الشهادات والفطنة والذكاء في الحياة اليومية، يقول (ريتشارد فاينمان)*2:
“لا تخلط أبداً بين التعليم والذكاء، يُمكنكَ الحصول على درجةِ الدكتوراه وتبقَى أحمق!”
وللحديث بقية ..
هوامش:
- ألبرت هابارد: كاتب وفنان وفيلسوف أمريكي (١٨٥٦-١٩١٥)
- ريتشارد فاينمان: عالم فيزيائي أمريكي حاصل على جائزة نوبل في الفيزياء (11 مايو 1918 – 15 فبراير 1988)
ناقد من الأردن
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي