الرئيسية / الأعداد / ترميز اللغة في شعر عبد اللطيف الفؤادي – معاذ بن طالب

ترميز اللغة في شعر عبد اللطيف الفؤادي – معاذ بن طالب

ترميز اللغة في شعر عبد اللطيف الفؤادي

معاذ بن طالب

إذا كان الأدب يعبر عن الحياة، فلا يعني أن تكون لغتُه – وسيلتُه لتحقيق ذلك – لغةَ الحياةِ ذاتَها، اللغةَ النفعية. لأنه وهو يعبر عنها ينبغي له أن يكون مرتفعا عنها لا متساويا معها، لبلوغ هدفين: تكوينُ صورةٍ شاملة وواضحة إلى حد ما للحياة التي يتناولها، لأنه وإن كان مرتفعا عنها فإنه أساسا ينطلق منها، وتحفيزُ طاقاتِ المتلقي التأويلية للتعامل مع اللغة الخاصة التي يعمد (الأدب) إليها. إن اللغة الخاصة التي يتناول الأدبُ بها الحياةَ تستجلب معطياتٍ معرفيةً ليس ضروريا أن تنتمي حقيقةً إلى واقع الحياة التي نعيشها، لكنها تعين على تَلَمُّسِه، لذا لها دورٌ مهم في إنجاز الهدفين السالفين. لعل هذا ما كان يشير إليه سمويل ليفن (Samuel R.Levin) وهو يكتب عن الشعر: “إن الشعر يختلف عن الخطاب العادي بالصورة التي يستخدم بها اللغة”1.

إن اللغة الخاصة التي تميز الأدب عامةً والشعر خاصةً تستند أساسا – بنظرنا – إلى الرمز، أو الترميز، وبيانُ ذلك أننا نعتقد أن اللغة واحدة، لكنها تتخذ، عند كل مَقام، شكلا ما، فما الرمزُ سوى وضعٍ تَحُلُّ فيه اللغةُ بحلولها في الأدب. إن الرمز ليس مكملا تزيينيا، إنه ضرورة تستدعيها الحاجة إلى “تقريب” ماهو “خاص” بِما هو “عام”، لذا عَدَّ اريك فروم تعريفَ الرمزِ بأنه شيءٌ يمثل شيئا آخر تعريفا ناقصا، وعَرَّفَ اللغةَ الرمزية بأنها: “لغة نعبر بها عن تجربتنا الداخلية كما لو كانت تجربة خارجية”2 وأضاف عن الكلام الرمزي: “إن الكلام الرمزي كلام يُكَوِّنُ العالمُ الخارجي من خلاله رمزا للعالم الداخلي، رمزا للنفس والذهن”3. يفيد ما سبق عن الرمز أن هذا الأخير يكون – في الأدب – في رحلةٍ منطلقُها التزودُ من المحيط الخارجي، ومَحَطُّها سبرُ أغوارِ النفس الإنسانية، بالزاد الذي أُتِيَ به. إنه: “يبدأ من الواقع، ولكنه بالخطوة التالية يجب أن يتجاوزه إلى ما وراءه من معان مجردة”4.

برؤية أخرى، يعمد أحمد الطّْرِيسي إلى “الإدراك المعرفي” لِيُعَرِّفَ الرمزَ رائِيًا فيه “حالًا لغوية” تتحقق لما يتخطى ذلك الإدراك “رؤية العين” ثم “رؤية العقل” لِيُقيمَ في “رؤية النفس”5. يفيد هذا الرأي أن رمزية الإبداع الأدبي أو الشعري محكومة بطبيعة إدراك الشاعر المعرفي لأشياء الكون؛ فلكي تتحقق الرمزية لإبداعه عليه أن يَعْدِلَ عن النَّسْخِ المباشر الساذج لِما يراه، وعليه أن يَحيدَ عن عقلنة أفكاره عقلنةً مبالَغًا فيها، ليتمكن من ارتياد عوالم النفس الباطنية التي لا تعمل وفق العلاقات المباشرة أو السببية والمنطقية. يواصل الطريسي كاتبا عن ارتقاء الشاعر إلى رؤية النفس: “فالعالم الخارجي يكون قد تحول بكل ظواهره وصفاته ليكون تحت تصرف ذات الشاعر”6. ويرى أن الأسطورةَ درجةٌ جِدُّ متقدمةٍ لوجود الرمز في الشعر7، هي بناء على هذا الطرح لا تحيل على الاستخدام الوظيفي المُمَثَّلِ بحشو القصيدة بالآلهة والخوارق، إنها الأسطورةُ التي تخلقها القصيدةُ ذاتُها.

يُقَسِّمُ اريك فروم الرمزَ إلى ثلاثة أنواع، لاستنتاج الصلة الحاصلة بين الرمز والمرموز إليه: فعنده أن الرمز إما أن يكون اصطلاحيا، يخص ما اتفقت الجماعة البشرية على وضعه لتعيين الأشياء المادية النفعية، وإما أن يكون عَرَضيا يخص كل شخص على حدة تأسيسا على تجاربَ فردية مختلفة، وإما أن يكون جامِعًا فَيَخُصَّ التجاربَ المتجذرة في تاريخ الإنسان8. إن تقسيم اريك فروم للرمز مماثل مضمونا لتقسيم عنصر “المؤوِّل” في سيميائيات پيرس (Ch.S.Peirce): المؤول المباشر، المؤول الديناميكي، المؤول النهائي9. ولنا أن نكتشف، في تجربة الشاعر المغربي عبد اللطيف الفؤادي، تحقيقَ اللغةِ لانتقالها إلى المَقام الرمزي، الذي يصهر التجربة الخاصة في التجربة العامة.

يقدم لنا الشاعر المغربي عبد اللطيف الفؤادي في قصيدة من ديوانه “الطفولة الهاربة” تحمل عنوان “ليلى والذئب” مشهدَ الفتاة “ليلى” التي تذهب مُبَكِّرَةً إلى العمل، نقرأ من بداية القصيدة:

وليلى في الصباح كعادتها تأخذ كأسا من الشايْ

وتَدُسُّ في سِرِّ الملابس فطائرَها..جزءا من الأحداقْ

نهارٌ تَصَرَّمَ مِن أَلْفِ نهارْ.

ولسانُ ليلى يَنْسَلُّ في بَهْوِ النسيج دَمًا10

تبدو ليلى هذه في القصيدة فتاةً اضطَرَّها الفقرُ إلى العمل لإعالة أسرتها (الأخ والجدة) ربما دون أن تَقْدِرَ على إتمام تحصيلها العلمي، بل اضطُرَّت – بسبب استفحال أوضاعها وسوء أحوالها – مثلَ أُخْرَياتٍ إلى بَيْعِ نفسِها!

عَوَتْ مِن سَغَبِ الأردافِ في الخليج ذِئابْ

وَرَجَّعَتْ أَقْداحُ عَيْنِ الذئاب صَداهْ

العمرُ غَنَجٌ من رغبات التاجْ

أو من عتبات شارع الليل الساقطْ11

لقد جَرَفَ ليلى هذا التيارُ وصَيَّرَها طرفا فيه، أما هي فقد تجردت من ثيابها القديمة لتنخرط في هذا العالم الجديد، الذي – ربما – تصعب العودة منه إلى سابق العهد، على الأقل بالنسبة لِلَيلى. يكتب الشاعر:

وليلى تنسى

جواربَها..الزمانَ المُؤسي..

الفطائرَ والأثوابْ12

بعد أن سَرَدَ أحوالَ ليلى “مُشَعْرَنَةً”، منذ ما كانت عليه حتى ما آلت إليه، يطرح الشاعر هذا السؤال الاستنكاري، تأسيسا على ما فُعِلَ بها وبأمثالها:

فأين تولد أيها المسجدُ الأقصى

مِن جِهادٍ تَرفعُهُ مُدُنُ الْعَاجْ…؟؟؟؟13

إن ليلى الشاعرِ الفؤادي في القصيدة هي القدس، وما الاغتصابُ الذي لَحِقَ الفتاةَ وكثيراتٍ مثلَها إلا الانتهاكُ الذي يمارَس يوميا بِحَقِّ المسجد الأقصى والقدس وفلسطين كُلِّهَا، مِن العربِ أنفسِهم (الذئاب) بَلْهَ الغرب! نقرأ في نهاية القصيدة:

والتقيتُ بليلى..وقال القدسُ: وداعًا

هذا السيفُ يَمضَغُ عَضْمَ مَوْجي

وهذا الجَمْعُ يُلوِّثني..أنا القطرة التي اشتعلَتْ.

وأسكنَت جُرحَ ليلى قرنفلةً..بذرةَ وَردْ..

وأطعمْتُ جوعَها خبزَ شعبي

فالتقينا في الزلزلة.14

تُذَكِّرُنا هذه الإحالةُ على القدس في قصيدة “ليلى والذئب” بقصيدة الشاعر العراقي مُظَفَّر النَّوّاب التي نقرأ منها:

القدسُ عَروسُ عُروبَتِكمْ

فلماذا أَدْخَلْتُمْ كُلَّ زُناةِ الليل إلى حُجْرَتِهَا؟؟

وسَحبتُم كُلَّ خناجرِكم

وتَنافَخْتُم شَرَفًا

وصَرختُم فيها أَنْ تَسْكُتَ صَوْنًا لِلْعِرْضِ15

هوامش

[1]البنيات اللسانية في الشعر، سمويل ليفن، ترجمة محمد الولي وخالد التوزاني، منشورات الحوار

الأكاديمي والجامعي، ط1989، ص: 75.

2اللغة المنسية، اريك فروم، ترجمة حسن قُبَيْسي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء وبيروت،

ط1/1995، ص: 17.

3 اللغة المنسية، اريك فروم، المرجع السابق، ص: 17.

4الرمز والرمزية في الشعر المعاصر، محمد فتوح أحمد، دار المعارف، القاهرة، ط3/1984، ص:

304.

5 الشعرية بين المشابهة والرمزية، أحمد الطريسي أعراب، شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع،

الرباط، ط1991، ص: 41.

6المرجع السابق، ص: 42.

7المرجع السابق، ص: 44.

8اللغة المنسية، اريك فروم، الصفحات: 23 – 18.

9يُنظر للتوسع كتاب: السميائيات مفاهيمها وتطبيقاتها، سعيد بنگراد، دار الأمان للطباعة والنشر بالرباط

ودار التنوير للطباعة والنشر ببيروت والقاهرة وتونس، ط2/2019، الصفحات: 85 – 78.

10الطفولة الهاربة، عبد اللطيف الفؤادي، اتحاد كتاب المغرب فرع مراكش، ط1/1995، ق: ليلى

والذئب، ص: 79.

1[1]الطفولة الهاربة، عبد اللطيف الفؤادي، المصدر السابق، ص: 80.

12المصدر السابق، ص: 81 – 80.

13المصدر السابق، ص: 81.

14 المصدر السابق، ص: 82 – 81.

15الأعمال الكاملة للشاعر مظفر النواب، دراسة وإعداد إسلام إبراهيم، دار فاروس للنشر والتوزيع،

الإسكندرية، 2011، ق: القدس..عروس عروبتكم، ص: 55. تحذف هذه الطبعة جملة “ووقفتم

تستمعون وراء الباب لصرخات بكارتها” الواقعة بين السطرين الثاني والثالث.

كاتب من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً