
نظرية الحجاج ـ الآليات والمفاهيم. دراسة تطبيقية لنص سردي من ألف ليلة وليلة.
خالد عبداللطيف.
ـ مقدمة:
شكل الخطاب الحجاجي أو نظرية الحجاج مجالا خصبا للدراسة والتحليل، وتفكيك مقوماته، وتحديد مكوناه في ارتباطه بعدة دلالة تدخل ضمن دائرة اختصاصاته، وحقول اشتغاله، فعرف الحجاج ب (فن الاقناع ـ البلاغة ـ التداولية ) كما أن الحجاج، له علاقة بمصطلحات أخرى، كالاستدلال والبرهنة. وعلى العموم فإن الاستدلال، والبرهان، والإقناع، هي مصطلحات تمثل وجوه الحجاج من جهة، وتعرف سمات الخطاب الحجاجي من جهة أخرى، بالنظر إلى المتكلم أهو يستدل؟ أو يبرهن ؟ أم أنه يقنع.
ويمكن لهذه الوجوه وهذه السمات ،أن تحدد المراتب التي يترتب بها الحجاج ،ويمكن للمتفحص الواعي أن يدرك منزلة قطبي التواصل من هذا، بالإضافة إلى أنه يوافق مصطلح البلاغة، والبيان، وغيرهما.
ويمكن اعتبار نظرية الحجاج، مبحث يختص بدراسة الفعالية الحجاجية(أو الحجاج)،وهي فعالية لغوية اجتماعية وعقلانية ،غايتها إقناع المعترض العاقل ،بمقبولية رأي من الآراء، وذلك عبر تقديم جملة من القضايا المثبتة أو النافية لما ورد في هذا الرأي من قضايا. ويتميز مبحث الحجاج ،بكثرة الحقول المعرفية التي تتناوله، كالفلسفة والمنطق واللسانيات، ونظريات التواصل والقانون،،وحديثا امتد الأمر الى علم النفس، وعلم الاجتماع وتخصصات أخرى كثيرة .
ـ مفهوم الحجاج عند أرسطو:
كان أرسطو ينطلق من كون الخطابة إنما هي “الكشف عن الطرق الممكنة للإقناع “(1)،وهذا الإقناع يتوقف عند أرسطو على ثلاثة أركان، هي أولا “أخلاق القائل” وهو ما يمكن أن نسميه بحجة الإيتوس، وثانيا “تصبير السامع في حالة نفسية ما”، وهو ما يمكن أن نسميه بحجة الباتوس، وثالثا “القول نفسه من حيث هو، يتبث أو يبدو أنه يثبت” وهو ما يمكن أن ننعته بحجة اللوغوس أي الكلام أو العقل.
وفي مواضيع مختلفة من كتاب “الخطابة”، يعود أرسطو إلى هذه الأقسام الثلاثة، التي يقوم عليها فن الإبلاغ فيقول في أحدها باسطا القول فيما أسميناه حجة الإيتوس، أي الأخلاق، أخلاق الخطيب “والخطيب يقنع بالأخلاق إذا كان كلامه يلقى على نحو يجعله خليقا بالثقة ،لأننا نستشعر الثقة على درجة ،وباستعداد أوسع بأشخاص معتبرين في كل الأمور وبوجه عام. وهذا الضرب من الإقناع ينبغي أن يحدث عن طريق ما يقول المتكلم، لاعن طريق ما تظنه الناس عن خلقه، قبل أن يتكلم، وليس صحيحا، كما يزعم بعض الكتاب في مقالاتهم عن الخطابةـ أن الطيبة الشخصية التي يكشف عنها المتكلم لا تسهم بشيء في قدرته على الإقناع، بل بالعكس، ينبغي أن يعد خلقه أقوى عناصر الإقناع لديه” (2)
وعليه يشترط أرسطو في الخطيب ،أن يكون قادرا على ” فهم الخلق الإنساني والخير في مختلف أشكالها” ( 3) ويقول في الوضع نفسه متحدثا عن حجة”الباتوس””إن الاقتناع يمكن أن يتم بواسطة السامعين، إذا الخطبة مثيرة لمشاعرهم، فأحكامنا حين نكون مسرورين ودودين ليست هي احكامنا، حين نكون مغمورين ومعادين.ونعتقد أن معظم الذين يصنفون في الخطابة اليوم، يسعون إلى توجيه كل جهودهم نحو احداث هذه الآثار” ( 4)
ـ مفهوم الحجاج عند العرب:
لقد ساهم الفلاسفة المسلمون كالفارابي وابن سينا ، وابن رشد والجاحظ وابن رشيق، في شيوع الأساليب الحجاجية في المدارس الإسلامية بمختلف توجهاتها واختصاصها، فسارع المسلمون إلى الإفادة من هذه الأساليب في ضبط الكثير من العلوم، كعلم الكلام والفقه والأصول، بل إن الدرس الحجاجي سيتوج بقيام علم خاص يدرس الفعالية الحوارية، والحجاجية سمي بعلم المناظرة وأداب البحث الذي يعتبر نظرية عربية أصيلة في الحجاج…وتبقى البلاغة العربية بلاغة حجاجية، لكنها تنتظر هي ومؤلفاتها الغابرة ومدارسها المنسية من يكشف عن جواهرها ،لأن الدراسات التي أنشئت مؤخرا، لم تتشرب الفعل الحجاجي، ولم تتمكن من رصد ظواهره في البلاغة العربية ومدارسها، ويعد البحث والكشف عن الحجاج في البلاغة العربية عملا صعبا ،يتطلب اطلاعا كبيرا بالسياقات الفكرية والفلسفية والدينية ،والتاريخية التي أقامت البلاغة العربية ، ودعمت مدارسها الكبرى والكشف عن النصوص من منظور حجاجي، والبحث عن روافدها واتجاهاتهاعند العرب والغرب، وكذا الأصول التداولية واللسانية.
ويمثل القرآن الكريم حجة الحجج، والمتأمل في آياته، يجده خطابا حجاجيا لقيامه على ثنائيتي (الإقناع والتأثير) ،عن طريق وسيط اجتماعي هو اللغة، ردا على أقوال المعاندين الجاحدين بالأدلة المقنعة، كما خاطب المؤمنين القانتين وطمأنهم،ولقد ذكر أبو بكر الباقلاني (ت 403) أن القرآن الكريم، يتوفر على جميع أساليب العرب في كلامهم، ليجعلهم حجة عليهم عن ذلك ،”فالقرآن أعلى منازل البيان، وأعلى مراتبه، ماجمع وجوه الحسن وأسبابه، وطرقه وأبوابه، من تعديل النظم وسلامته، وحسنه وبهجته، وحسن موقعه في السمع، وسهولته على اللسان، ووقوعه في النفس موقع القبول، وتصوره تصور المشاهد، وتشكله على جهته حتى يحل محل البرهان ودلالة التأليف ،مما لا ينحصر حسنا وبهجة وسناء ورفعة) (5)
ـ مفهوم الحجاج في الدرس اللغوي الحديث.
استقطبت نظرية الحجاج في الدرس اللغوي الحديث، نتائج المباحث اللسانية والبلاغية والاجتماعية والنفسية، ووسائل تشكيل الرأي العام ،وتوجهيه بصفة عامة، وهذه المباحث تصب كلها وبعمق في الحقل التداولي ،لذلك فلاغرو أن يحتل الحجاج ونظريته بؤرة مشغل التدخل المعرفي وخاصة الحقل اللساني (6)
فالدراسات الحجاجية، تتطرق إلى المتكلم وقصده والمتلقي وقدراته الاستيعابية، وإلى النص وأبعاده اللغوية، والسياقية والتواصلية، وكلها تصب في صميم البحث التداولي ،وعليه لابد من الإشارة إلى بعض الجهود التي وقفت على هذا التداخل، الذي أنتج لنا تداولية حجاجية، شغلها الشاغل معرفة مآل الخطاب، ونتائجه داخل المجتمع.
1 ـ نظرية الحجاج عند بيرلمانوتيتيكا:
عمل بيرلمانوتيتيكا على تخليص الحجاج من الأبنية الاستدلالية المجردة، التي كانت تهيمن عليه قديما،وعليه قدما مفهوما للحجاج جعلاه” جملة من من الأساليب، تضطلع في الخطاب بوظيفة حمل المتلقي على الاقتناع بما نعرضه عليه،أو الزيادة في حجم هذا الاقتناع.(7)
يعرف المؤلفان موضوع نظرية الحجاج بقولهما:” موضوع نظرية الحجاج هو درس تقنيات الخطاب التي من شأنها أن تؤدي بالأذهان إلى التسليم بما يعرض عليها من أطروحات ،أو أن تزيد في درجة ذلك التسليم” (8)
وفي موضع آخر من الكتاب يتحدث الكاتبان عن الغاية من الحجاج فيقولان:” غاية كل حجاج أن يجعل العقول تذعن لما يطرح عليها أو يزيد في درجة ذلك الإذعان.فأنجع الحجاج ما وفق في جعل حدة الإذعان، تقوى درجتها لدى السامعين بشكل يبعثهم على العمل المطلوب(إنجازه أو الإمساك عنه)،أو هو ما وفق على الأقل في جعل السامعين مهيئين لذلك العمل في اللحظة المناسبة”(9)
لقد سعى المؤلفان في كتاب”مصنف في الحجاج،الخطابة الجديدة “أن تحقيق الاقتناع الذي هو غاية الحجاج يقع في منطقة وسطى بين الاستدلال والاقناع.
إن الاستدلال يقتضي أن تكون كافة عناصره المكونة له غير قائمة على التعدد والاشتراك، فهي أحادية المعنى، بحيث تكون هذه العناصر مما يفهمه الناس جميعا، بدون اختلاف بينهم،ولايثير تأويلها أي مشاكل أو مسائل خلافية بينهم، والاستدلال غير مرتبط كذلك بمقام مخصوص. وهو في خصائصه هذه كلها على عكس الحجاج تماما. (10)
ويعتبر ذات الباحثين ،على أن الحجاج مثلما أنه ليس موضوعيا محضا،فإنه ليس ذاتيا محضا أيضا، بمعنى أنه ليس إقناعا، على اعتبار أن الإقناع يكون بمخاطبة الخيال والعاطفة،مما لايدع مجالا لإعمال العقل والحرية الاختيار، إذ من مقومات الحجاج عند المؤلفين” حرية الاختيار على أساس عقلي” .(11). إن الإذعان يكون بواسطة الاقتناع،وفرق ما بين الإقناع والاقتناع،كما يرى شانييه.
ويقسم المؤلفان الحجاج إلى قسمين بحسب نوع الجمهور.
ـ الحجاج الاقناعي: وهو يرمي إلى إقناع الجمهور الخاص.
ـ الحجاج الاقتناعي: وهو حجاج يرمي إلى أن يسلم به كل ذي عقل،فهو عام.
يتضح أن كل من بيرلمان وتبتبكا يجعلان و يضعان في موضع وسط الجدل والخطابة التي يأخذ منها القدرة، على جعل العقول تؤثر في المتلقي ذهنيا ثم عمليا،فيبعداه بذلك عن الاستدلالات المنطقية، التي تقبل الأحكام كما هي،بمعنى ربط الحجاج بالتواصل،بإخراج الاستدلالات من الحالة الذهنية إلى الحالة القولية والعملية.
رغم تدخل الخطابة مع الحجاج، إلا انه يختلف عنها في نظر بيرلمان من ناحيتين: أولهما نوع الجمهور،فلئن كان جمهور الخطابة حاضرا أمام الخطيب في فضاء مكاني محدد,فإن جمهور الحجاج متعدد متنوع ،يمكن أن يكون حاضرا،كما يمكن أن يكون غائبا، كالكتابة مثلا، وثانيهما نوع الخطاب،فالحجاج يكون تلفظيا شفويا أمام السامعين،مثلما يكون مكتوبا مقروءا متداولا بين جماعة المعنيين به، وهذا ماتركز عليه النظرية الحجاجية ،لأن مجال إعمال العقل فيه تحليلا وتأويلا، أوسع مما هو متاح في الخطابة التي تتميز بالشفوية” (12).
2ـ نظرية الحجاج في اللغة (الحجاج اللساني):
يقترن الحديث عن الحجاج في اللغة، بأعمال كل من أوزفالد ديكرو وجان كلود أنسكومبر، لاسيما في كتابهما” الحجاج في اللغة” حيث ركزا في دراستهما على بنية اللغة كأساس حجاجي.
ولقد انبثقت هذه النظرية من داخل نظرية الأفعال الكلامية،حيث اقترح ديكرو إضافة فعليين لغويين ، هما فعل الاقتضاء وفعل الحجاج” (13).
” والحجاج باللغة يجعل الأقوال تتابع وتترابط بطريقة منتظمة ودقيقة،فتدعم بذلك بعض الحجج بعضها الآخر “( 14 ) .
هذا يعني أن المحتج يذكر بعض الحجج،ويترك الأخر ضمنيا أو غائبا،فيكون على المتلقي كشفها، والوصول إليها، باعتماده البنية الحجاجية للغة ودور المتكلمين في ذلك.
1 ـ التداولية المندمجة:
يشير ديكرووأنسكومبر إلى أن ظهور التداولية المندمجة تلخص مضمونه العبارة المركزة للساني كليتولي” إن التداولية يجب إدماجها في الوصف الدلالي،وليس فقط إضافته إليه” (15) .
فالتداولية المندمجة ،يمكن اعتبارها إطارا نظريا بديلا للمعالجة الدلالية الكلاسيكية،والنسخة التحليلية الانجليزية للتداوليات،فالرهان في التداولية المدمجة ،يرتكز على إدماج الظواهر التداولية في صميم الدراسة اللسانية الدلالية” (16) .
فالحجاج في اللغة هو حجاج تداولي دلالي،وعليه يكون ” الإطار العام الذي تتموضع فيه نظرية ديكرووأنسكومبر هو إعادة النظر في الاعتقاد القائل بوجود تعارض بين الدلالة والتداولية،كما نظر اليها الفلاسفة الايجابيون الجدد،خاصة الأمريكيون منهم،وهذا ما لاحظناه في تقسيمه لعلم العلامات إلى تراكيب ودلالة وتداولية” (17) .
وتبقى النظرية الحجاجية من وجهة نظر لسانية، تعنى بالأينية الحجاجية،وبرد فعل المتلقي وتدخلاته”لأن جل الدراسات تؤكد وجود عناصر براغماتية في الحقل الدلالي من جهة…،ومن جهة أخرى،فإن البرغماتية لاتتعلق فقط بالظاهرةالتأويلية،ولكن أيضا بالتعلق الاساسي للتواصل داخل اللغة الطبيعية بين المتكلم والسامع،والسياق فوق اللساني” (18)
وهكذا يقصي كل من ديكرووأنسكومبر العنصر التركيبي،ويدمجان كل من العنصر الدلالي والتداولي بمفردات اللغة,فيشكلان بذلك نسقا لتركيب الأقوال وترابطها،بحيث أن هذا الترابط “لايستند إلى قواعد الاستدلال المنطقي،وإنما هو ترابط حجاجي،لأنه مسجل في أبنية اللغة بصفة توجه القول وجهة دون أخرى،وترفض ربطه بقول دون آخر،فموضوع الحجاج في اللغة هو بيان ما يتضمنه القول من قوة حجاجية،تعتبر مكونا أساسيا لاينفصل عن معناه،يجعل المتكلم في اللحظة التي يتكلم فيها يوجه قوله وجهة حجاجية ما”(19)
آليات الحجاج وأدواته:
الخطاب الحجاجي مبدان ثري للدراسات المتنوعة،وذلك لغناه التكويني ولتعدد الأبعاد التي ينطوي عليها،ويمكن أن نلمس هذا من خلال تعريفه تعريفا مبسطا،إذ أن الحجاج ممارسة لفظية،اجتماعية،عقلية تهدف إلى تقديم نقد معقول حول مقبولية الموقف بصياغة مجموعة تراكمية من القضايا التي تبرر الدعوى المعبر عنها في الموثق ،أو تدحضها،”فالحجاج لايكون فيما هو يقيني،فلا نحاجج في أمور حقيقية يقينية راسخة كالحقائق الرياضية مثلا ،أو في أمر مأخوذ على أنه صارم واجب النفاذ،وإنما يكون الحجاج كما يقول”بيرلمان فيما هو مرجح وممكن ومحتمل” (20) فانطلاقا من هذا التعريف يمكن أن نقف على مكونات خطاب الحجاج الرئيسية،لأن ممارسة الحجاج الفعلية تتبلور فيه،وتتجسد أبعاده في ثنايا، مثل الأبعاد السياقية والمنطقية واللغوية،فالخطاب الحجاجي ثمرة لقدرة الإنسان التواصلية بوصفه ممارسة ناتجة عن تفعيل الكفاءة الحجاجية ذاتها لهذا “يفترض أن ننظر إلى الحجاج ضمن الإطار الكلي لعملية التواصل الإنساني.(21)
وللحجاج بوصفه ممارسة ،ثلاث مكونات كبرى:
ـ المكون السياقي/ الثقافي.
ـ المكون المنطقي.
ـ المكون اللغوي.
إذ تسري علاقات التأثير بين هذه المكونات الثلاثة سريانا طبيعيا ولازما،بوصف المكون السياقي هو مكون المدخلات الرئيسة،والمكون اللغوي هو مكون المخرجات النهائي،وذلك عندما ينشأ تأثير السابق في اللاحق نتيجة لدور كل واحد منهما في الممارسة الحجاجية،إذ يربط المكون المنطقي بين مكون المدخلات،أي المكون السياقي،ومكون المخرجات،المكون اللغوي،مما يجعل المكون المنطقي مكونا متأسسا على السابق،ومتأثرا باللاحق.إذ يصوغ مستعمل اللغة الطبيعي خطابه الحجاجي، وفق المقتضيات المنطقية التي توجهه في اختيار أدواته المنطقية،وآلياته الاستدلالية،وهو لاينبتق هذا الحال عن انغماسه في سياقه الحجاجي من جهة،والاستجابة لمقتضيات اللغة الطبيعية من جهة أخرى،مما يمكن معه أن نصف منطقه الحجاجي هنا بالمنطق التداولي،لأن”معظم الاستدلالات مما يجري في عالم الناس، تتم صياغته في اللغة الطبيعية،شئنا ذلك أم أبينا،وبالمثل فإن كثيرا من استعمالات اللغة الطبيعية يستخدم الاستدلال بوجه ما.وإذن لايجب أن نستغرب متى تبينا أن البينة المنطقية اللازمة لاستعمال اللغة الطبيعية كأداة للاستدلال ينبغي أن تطابق تمام المطابقة البنية النحوية للغة الطبيعية” (22) عند هذا الحد يمكن أن تتوغل العلاقة بينهما،فتتجاوز التأثير السطحي إلى التأثير التكويني، عندما تصبح مخرجات المكون السياقي هي مدخلات المكون المنطقي،فتقربه من الإنصاف بالطبيعية بالقدر الذي تنأى عن الأنصاف بالصورية.
وعليه يتضح عدم صلاحية المنطق الصوري ،ليكون مركبا للخطاب الحجاجي.وهذا ناتج عن صفة نظرية متأصلة فيه،هي قصوره عن ملابسة لغة الخطاب،أي اللغة الطبيعية،فجفافه يجافي غناها،وصوريته تقصر دون استيعابها،بوصفها مادة للخطاب،وبالرغم من “إن الباعث أو المحرك الأول للحجاج هو الاختلاف،فالحجاج لايكون فيما هو يقيني أو إلزامي،فنحن لانحاجج في أمر مأخوذ على أنه حقيقية يقينية راسخة كالحقائق الرياضية مثلا ،أو في أمر مأخوذ على أنه صارم واجب النفاذ.
ـ طرائق الاشكال الحجاجية:
إن الأشكال الحجاجية التي يمكن اعتبارها مواضيع حجاجية، أو معاني حجاجية على نوعين أي لها نوعان من الطرائق: طرائق الوصل أو الاتصال وطرائق الفصل أو الانفصال.ومعنى هذا أنه توجد أشكال حجاجية اتصالية، وأشكال حجاجية انفصالية. والمقصود بالطرائق الاتصالية، الطرائق التي تقرب بين العناصر المتباينة بدء وفي الأصل ،وتتيح إقامة ضرب من التضامن بينها لغاية هيكلتها أي إبرازها في هيكل أو بنية واضحة أو لغاية تقويم أحد هذه العناصر بواسطة الآخر تقويما إيجابيا أو سلبيا. ومن الأشكال الاتصالية الحجج أو الأدلة شبه المنطقية، والحجج المؤسسة على بنية الواقع، والحجج المؤسسة لبنية الواقع شأن الحجج التي تستخدم الحالات الخاصة كحجة تدعم رأيا ما( المثل والشاهد والمثال)، وشأن الحجج المستخدم فيها التمثيل، فهي تعاد بواسطتها صياغة بعض العناصر الفكرية على غرار الأشكال المسلم بها في مجالات أخرى من مجالات الواقع (التمثيل والاستعارة …..)
والمقصود بالطرائق الانفصالية، التقنيات المستخدمة لغرض إحداث القطيعة وإفساد اللحمة الموجودة بين عناصر تشكل عادة كلا لايتجزأ أو على الأقل كلا متضامنة أجزاؤه في نطاق نظام فكري واحد. فوفق هذه الطرائق، يحدث فصل داخل المفهوم الواحد وانسجام بين العناصر المكونة له، بحمل أعراضه على جوهرة ومحاكمة ظاهره في ضوء حقيقته.
ـ الطرائق الاتصالية:
1 ـ 1 الحجج المنطقية:
تستمد الحجج شيه المنطقية قوتها الاقناعية من مشابهتها للطرائق الشكلية والمنطقية الرياضية في البرهنة، لكن هي تشبهها فحسب وليس هي إياها،إذ في هذه الحجج شبه المنطقية ما يثير الاعتراض، فوجب من أجل ذلك تدقيقها، بأن يبذل في بناء استدلالها جهد غير شكلي محض،ولكن رغم ذلك تبقى الحجج شبه المنطقية تعتمد البنى المنطقية مثل التناقض والتماثل التام أو الجزئي،أو مثل قانون التعدية، كما تعتمد الحجج الشبه المنطقية، العلاقات الرياضية مثل علاقة الجزء بالكل، وعلاقة الاصغر بالأكبر، وعلاقة التواتر وغيرها.
1 ـ2 الحجج شبه المنطقية التي تعتمد البنى المنطقية وهي أنواع:
أ: التناقض وعدم الاتفاق:
المقصود بالتناقض ،هو أن تكون هناك قضيتان في نطاق مشكلتين إحداهما نافية للأخرى ونقض لها،(23)كأن يقال المطر ينزل ولاينزل) في حين أن عدم الاتفاق أو التعارض بين الملفوظين، يتمثل في وضع الملفوظين على محك الواقع الظروف أو المقام لاختيار إحدى الأطروحتين وإقصاء الأخرى فهي خاطئة.
ب: التماثل والحد في الحجاج وهما من الحجج شبه المنطقية التي تعتمد البنى المنطقية:
التماثل التام مداره على التعريف من حيث هو تعبير عن التماثل بين المعرف والمعرف ،وليس المعرف تمام المعرف على الحقيقة لهذا سمي الحجاج من هذا القبيل حجاجا شبه منطقي،فقولنا على سبيل المثال:
الرجل رجل
أو الأب يبقى دائما أبا
وهو من قبيل تحصيل الحاصل لاتجد فيه معنى المعرف ،وهو رجل أ و أب هو نفسه معنى المعرف وهو الرجل والأب، لهذا قيل عن مثل هذه القضايا، أن أحد ركنيها أو لفظيها ورد على الحقيقة والآخر على وجه المجاز.
إن صيغة التماثل، ليست إلا طريقة شكلية نتوخاها في تقويم شيء ما تقويما إيجابيا وسلبيا، بواسطة الحشو كقول القائل:”حين أرى ما أرى أفكر فيما أفكر.ففي هذا القول نجد اللفظ الثاني دائما هو الذي يحمل القيمة الدلالية شأن مايحدث في ظاهرة التكرار.
ج: الحجج القائمة على العلاقة التبادلية وعلى قاعدة العدل.
تتمثل هذه الحجج في معالجة وضعيتين إحداهما بسبيل من الأخرى معالجة واحدة، هو ما يعني أن تينك الوضعتين متماثلان وإن بطريقة غير مباشرة.وتماثلهما ضروري لتطبيق قاعدة العدل.
وقاعدة العدل هي تلك القاعدة التي تقتضي معاملة واحدة، لكائنات أو وضعيات داخلة في مقولة واحدة.
أمثلة: لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه (حديث)
ـويل للمطففين الذين اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون” سورة المطففين الاية 1/”
ـ أحرام لى بلابله الشدو حلال للطير من كل جنس (شوقي)
وفي كل هذه الأمثلة حجج عكسية ودعوة إلى تطبيق قاعدة العدل على وضعيتين متناظرتين.
على أن الحجج القائمة على العلاقة التبادلية أو العكسية ،يمكن أن تنشأ عن قلب وجهات النظر من قبيل”إذا كانت تبدو لكم تقاليد أهل الصين غريبة فإن تقاليدكم تبدو لهم كذلك”
د: حجج التعدية:
رابع أنواع الحجج شبه المنطقية المؤسسة على البنى المنطقية (الشكلية)، الحجج القائمة على التعدية.
إن التعدية خاصية شكلية تتصف بها ضروب من العلاقات التي تتيح لنا أن نمر من إثبات أن العلاقة الموجودة بين (أ) و(ب) من ناحية و(ب) و(ج) من ناحية أخرى ،هي علاقة واحدة إلى استنتاج آن العلاقة نفسها موجودة بالتالي بين (أ) و(ج) .وضروب العلاقات التي تقوم على خاصية التعدية، هي علاقات التساوي والتفوق والتضمن.
ومن حسن الأمثلة على ذلك الحكمة التي تقول:
عدو عدوي صديقي
حيث يدعم الطابع شبه المنطقي في هذه الحكمة أن يستنتج منها وهو ” صديق عدوي عدوي.
إن من أهم علاقات التعدية ذات الصبغة الحجاجية شبه المنطقية، علاقة التضمن وهي العلاقة المنطقية التي تبين أن قضية ما تتضمن قضية أخرى، ويبدو هذا خاصة في الاستدلال القياسي القائم أساسا على التعدية في القياس الخطابي، الذي يسميه ارسطو ضميرا ويسميه كنتليان قياسا ظنيا،فالضمير ليس من بعض الوجوه حسب برلمان، الا حجة او دليلا شبه منطقي يقدم في شكل قياس ويؤدي الى ظهور علاقة التعدية من قبيل:
قضى سقراط نحبه لأنه انسان
(النتيجة المسكوت عنها: كل انسان فان)
علاقة تعدية
نص حكائي تطبيقي” حكاية الثعلب مع الذئب وابن أدم” .
” فلما انتهى الذئب الى الثلمة قال له الثعلب ادخل الى الكرم فقد كفيت مؤنة هدم حائط وعلى الله تمام الاحسان،فأقبل الذئب ماشيا الى الكرم فلما توسط غطاه الثلمة وقع فيها، فاضطرب الثعلب اضطرابا شديدا من السرور والفرح وزوال الهم والترح،ثم أنه تطلع في الحفرة فرآى الذئب يبكي ندما وحزنا على نفسه فبكى الثعلب معه فرفع الذئب رأسه الى الثعلب وقال له :”أمن رحمتك لي بكيت يا أبا الحصين؟فقال لا والذي قذفك في هذه الحفرة، إنما بكيت لطول عمرك الماضي وأسفا على كونك لم تقع في هذه الثلمة قبل اليوم،ولو وقعت قبل اجتماعي بك لكنت أرحت واسترحت ،ولكن أبقيت لأجلك المحتوم ووقتك المعلوم ،فقال له: أيها الثعلب رح أيها المسيء في فعله لوالدتي، وأخبرها بما حصل لي، لعلها تحت على خلاصي،فقال له الثعلب: لقد أوقعك في الهلاك شدة طمعك، وكثرة حرصك حيث سقطت في حفرة لست منها بسالم، ألم تعلم أيها الذئب الجاهل أن صاحب المثل يقول: من لم يفكر في العواقب لم يأمن المعاطب،فقال الذئب للثعلب يا أبا الحصين إنما كنت تظهر محبتي وترغب في مودتي، وتخاف من شدة قوتي،فلا تحقد علي بما فعلت معك فمن قدر فعفا ،كان أجره على الله وقد قال الشاعر:
ازرع جميلا ولو في غير موضعه \\ ما خاب قط جميل أينما زرعا
إن الجميل وان طال الزمان به \\ فليس يحصده الا الذي زرعا
فقال له الثعلب :يا أجهل السباع وأحمق الوحوش في البقاع هل نسيت تجبرك وعتوك وتكبرك ؟وأنت لم ترع حق المعاشرة ولم تنصح لقول الشاعر:
لاتظلمن اذا ما كنت مقتدرا \\ ان الظلوما على حد من النقم
تنام عيناك والمظلوم متنبه \\ يدعو عليك وعين الله لم تنم
فقال له الذئب: يا أبا الحصين لاتؤاخذني بسابق الذنوب ،فالعفو من الكرام مطلوب،وصنع المعروف من حسن الذخائر، وما أحسن قول الشاعر:
بادر بخير اذا ما كنت مقتدرا فليس في كل حين أنت مقتدر.(24)
ـ التحليل:
ان الحجج المنطقية التي أدلى بها الثعلب في مواجهة أفعال وسلوكات الذئب يمكن تحديدها فيما يلي:
فالثعلب يرى في الذئب نموذجا لرفيق لايؤتمن جانبه. لأنه ظل محافظا على عاداته الشريرة،وسلوكاته العدوانية فهو:
ـ المفترس
ـ المفتري
ـ الظالم
ـ المعتدي
ـ المستبد
ولقد سبق أن تحدثنا عن الاشكال الحجاجية، والتي لها نوعان من الطرائق:
أ: طرائق الوصل او الاتصال
حين تأكد للذئب أنه وقع في ورطة، وأنه لاخلاص له الا بالتودد الى الثعلب، عسى أن ينقده من المأزق الذي وقع فيه،لذلك أجرى وصلا مع الثعلب ،وأبدى رغبته في ان يتصل بأمه في قوله:”أيها الثعلب، رح أيها المسيء في فعله لوالدتي، وأخبرها بما حصل لي لعلها تحت على خلاص
فالحجاج هنا يقتضي أن يظهر الذئب بمظهر الضحية امام الثعلب،ويحاول توظيف واستعمال كل وسائل الاقناع من أجل جعل الثعلب يثق به ويخرجه من هذه الحفرة التي وقع فيها،مع توظيفه لكلمة” أيها المسيء” الموجهة للذئب.
ب: الطرائق الانفصالية داخل الحكاية باعتبارها التقنيات المستخدمة لغرض إحداث القطيعة وإفساد اللحمة بين عناصر تشكل عادة كلا لايتجزأ،فالثعلب بمجرد ماعاينوجود ثلمة في بستان الكرم،تبادر إلى ذهنه مباشرة أن الذئب قد اقتربت ساعته،ودنتنهايته،فغطى الثلمة لدواع نفسية تكمن في الانتقام من الذئب،والانفصال عنه لأنه ماكر وشرير وديكتاتور..
ج: التناقض وعدم الاتفاق: داخل حكاية الثعلب والذئب، هناك قضيتان في نطاق مشكلتين أحدهما منافية للأخرى ونقض لها، ( الثعلب يفرح ولايفرح).
يفرح لأنه نجح في الايقاع بالذئب،ولايفرح لأنه يعرف ان الذئب لن يدخر مافي وسعه لاخراج نفسه من هذا المطب ،والورطة التي وقع فيها سواء بالترغيب او الترهيب.
والحكاية منذ البداية ،تتضمن تناقضا وعدم اتفاق بين الثعلب المسالم والذئب المستبد.
فالذئب يحمل شعار (لامهادنة)
ـ الثعلب يحمل شعار السلم / الراية البيضاء.
وفي الحديث عن حجج التعدية،تتأسس على علاقة التساوي او التفوق او التضمن،فالعلاقة بين الذئب والثعلب، تقوم على تفوق الذئب على الثعلب.
خاتمة:
لقد شكلت نظرية الحجاج أرضية لغوية ولسانية لتمحيص النصوص إنتاجها وفق تصورات علمية تمتح من آليات حجاجية متعددة ومختلفة،تمكن الباحث من تفكيك السياقات ومقاماتها وفق رؤية منطقية منسجمة ومتكاملة،وبذلك يكون المنجز الحجاجي في تداول الشرائط المعرفية وطرق تصريفها لإعادة انتاج الفكر والمعرفة ينهض على فرضية الإقناع والاقتناع والاتصال والانفصال،وضبط الترتيبات والأولويات في مستويات الحجاج.
يتضح أخيرا أن العنصرالحجاجي ليس مجرد ظاهرة إقناعية تسعى إلى تغيير المواقف،بل هو استراتجية تخطابية تواصلية تسعى جاهدة إلى خلق رأي مشترك بين المرسل والمرسل بتوظيف جميع القدرات اللغوية والبلاغية، التي تسعفه إلى جلب اهتمام المتلقي، وتحفيزه على التصديق أو حمله على الاذعان وبتتبع خطة تواصلية تسعى إلى تغيير موقف أو قضية.
“لائحة المراجع والمصادر“
(1)أرسطو ،الخطابة،تعريب عبدالرحمان بدوي،بغداد ،ط2،1986 .
(2) المرجع نفسه، ص1356 أ.
(3) المرجع نفسه: 1356 أ
(4) المرجع نفسه 1356 أ
(5) الباقلاني اعجاز القرآن: تحقيق: السيد أحمد صقر،مصر،ط3 (د ـ ت) ص176
(6) ( أنظر: محمد سالم محمد الأمين الطلبة: الحجاج في البلاغة المعاصرة،بحث في بلاغة النقد المعاصر،دار الكتاب الجديد المتحدة،ط 1 ،2008 م،ص175
perlman et luicieolberchtTytéca .traité de l’argumentation :la nouvelle réthorique .Chaine (7) ()press universitaire de lyon .1981 ;P 13)
(8)chaine Perlman et lucie – Olberchs-Tytica.traité de l’argumentation-la nouvelle rhétorique;preface de michel Meyer-5ém édition s de l’université de bruxelles 1992;p 734
(8) نفس المرجع : ص 5 .
(9) نفس المرجع :ص 59.
(10) نفسه: ص161 .
(11) نفس المرجع: ص 682 .
(12) (ينظر: محمد سالم محمد أمين الطلبة: الحجاج في البلاغة المعاصرة،ص 110 )
(13) ) (أبو بكر العزاوي : الحجاج في اللغة ،ضمن كتاب : الحجاج مفاهيمه ومجالاته،دراسة نظرية وتطبيقية في البلاغة الجديدة،الحجاج حدود وتعريفات ،اعداد وتقديم: حافظ اسماعيل علوي ،عالم الكتب الحديث ،اربد،الاردن ،ط 1،2010 م ج1 ص57
(14) سامية الدريدي : الحجاج في الشعر العربي،بنيتهوأساليبه،عالم الكتب الحديث،إربد الأردن ط2،2001 م،ص23 .
(15) رشيد الراضي : الحجاجات اللسانية والمنهجية،ضمن كتاب: الحجاج مفهومه ومجالاته،دراسة نظرية وتطبيقية في البلاغة الجديدة،الحجاج مدارس وأعلام،اعداد وتقديم حافظ اسماعيلي علوي،عالم الكتب الحديث ،إربد ،الاردن ،ط1 ،2010 م ج2،ص83
(16) نفس المرجع: ص 106
الصحفي المكتوب،دراسةتداولية،دار الحكمة الجزائر(د ـ ت) 2009 م،ص 167 الخطاب (17)عمر بلخير
(18) محمد سالم محمد امين الطلبة: الحجاج في البلاغة المعاصرة،ص 19 .
(19) شكري البمخوت: نظرية الحجاج في اللغة،ضمن كتاب : أهم النظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو الى اليوم،جامعةالاداب والفنون والعلوم الانسانية،تونس،كليةالاداب،منوبة،(د ـ ط)،ص 352 .
(20)جميل عبد المجيد،البلاغة والاتصال ص:42
(21)Jenson ;J .Veron Argumentation .Reasoning in communication.D.VanNostrondCompany.USA.1981
(23) جورج لايكوف،اللسانيات ومنطق اللغة الطبيعي،ترجمة عبدالقادر قنيني،أفريقيا الشرق،المغرب،2008 م،ص9 .
(24) ألف ليلة وليلة،المجلد الرابع ـ ص 45 ـ 46 .
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي