
النص بين المسرحية والتمسرح: قراءة نقدية في “سهرة مع أبي خليل القباني” لسعد الله ونوس
يونس أبرشاح
يُعد المسرح العربي، منذ نشأته، مساحةً للصراع بين الحداثة والتقليد، بين الخيال والواقع، وبين الإبداع والقيود الاجتماعية. وتعد تجربة أبي خليل القباني نموذجًا لهذا التوتر الإبداعي الذي نشأ في فضاء ظلّ متأثرًا بالأعراف الدينية والاجتماعية والسياسية، التي لم يكن فيها القباني مجرد كاتب مسرحي، بل كان مجددًا حاول إدخال شكل جديد من الفرجة المسرحية إلى بيئة لم تعتد على هذا النمط من الفن.
يكشف تحليل مسرحية “سهرة مع أبي خليل القباني“ لسعد الله ونوس، (المعتمدة في البرنامج الجديد للغة العربية من لدن وزارة التربية الوطنية المغربية)، عن بنيتين متداخلتين: النص المسرحي التقليدي الذي يستوحي مادته من التراث، والتمسرح الذي يجعل من العرض المسرحي ذاته جزءًا من النص، ليُحوّل المشاهد من متلقٍ سلبي إلى مشارك في العملية الإبداعية. وهنا تكمن خصوصية هذه المسرحية التي تأخذ طابعًا احتفاليًا، متأثرةً بتقاليد الفرجة الشعبية.
الاحتفالية المسرحية: بين التراث والتجديد
يبدو واضحًا أن المسرحية تستند إلى أسلوب احتفالي في تقديمها للنص، حيث يتداخل النص مع العرض، ويصبح المنادي جزءًا من البناء المسرحي، تمامًا كما هو الحال في الفرجة العربية التقليدية. فمنذ اللحظة الأولى لدخول الجمهور، يتردد صوت المنادي معلنًا:
“يا سادة يا كرام، من يدخل مسرحنا يغنم، ومن يتردد يندم.”
هذه اللازمة تتكرر على امتداد المسرحية، ليس فقط كوسيلة للترحيب بالجمهور، بل كأداة درامية تؤكد على البعدين الأساسيين للمسرح: المتعة والإفادة. لكن اللافت أن هذه اللازمة تتجاوز كونها مجرد ترحيب بالجمهور، لتصبح بمثابة “علامة مسرحية” تربط بين الماضي والحاضر، بين واقع القباني وبين تجربة المسرح العربي الذي لا يزال يبحث عن مكان له في المشهد الثقافي.
البنية الثنائية للمسرحية: بين التخييل والتاريخ
تنقسم مسرحية “سهرة مع أبي خليل القباني“ إلى قسمين متداخلين:
- القسم الأول: وهو القسم الذي ينفتح على التراث من خلال حكاية “هارون الرشيد مع الأمير غانم بن أيوب وقوت القلوب”. هذه الحكاية، ذات الطابع الألف ليلوي، ليست مجرد استحضار تراثي، بل هي محاولة لتقديم رؤية عربية للمسرح تقوم على توظيف السرد التراثي لصياغة قضايا إنسانية عميقة تتناول الصراع بين الحب والسلطة، وبين العدل والظلم.
- القسم الثاني: يركز على معاناة أبي خليل القباني في تأسيس المسرح العربي، وهي معاناة تتجاوز مجرد صراع فردي إلى صراع حضاري بين فكر تقدمي يسعى لتأسيس تقاليد مسرحية، وبين تيارات محافظة ترى في المسرح تهديدًا للمنظومة الأخلاقية والاجتماعية.
وبالتالي، فإن المسرحية ليست فقط إعادة تمثيل لسيرة القباني، بل محاولة لتقديم قراءة نقدية للمجتمع العربي في القرن التاسع عشر، حيث كان المسرح في مهب الريح بين قوى الإصلاح والتحديث من جهة، وقوى التقليد والمحافظة من جهة أخرى.
المنادي: الذاكرة المسرحية والوعي النقدي:
يُعدّ المنادي شخصية محورية في المسرحية، حيث يؤدي أدوارًا متعددة:
- المؤرخ: يعرض تاريخ مسرح القباني، ويوثق مراحل تطوره وتراجعه، كما يظهر ذلك في قوله:
“وهكذا يا سادة يا كرام، انتهت تجربة القباني في دمشق.” - الناقد: يكشف عن التحديات التي واجهها المسرح العربي بسبب السلطات المتقلبة والجمهور الذي لم يكن دائمًا مستعدًا لتلقي هذا الفن الجديد.
- الممثل: يتقمص أدوارًا مختلفة، مما يعكس الطبيعة المركبة للمسرحية التي لا تكتفي بسرد الأحداث، بل تسعى إلى جعل المتلقي جزءًا من اللعبة المسرحية.
وهكذا، فإن المنادي ليس مجرد شخصية هامشية، بل هو “ذاكرة المسرح”، التي تعكس تاريخه وتحولاته، وتحفز الجمهور على التفاعل مع العرض كحدثٍ حيّ، وليس مجرد نص مكتوب.
صراع التقاليد والحداثة: بين سعيد الغبرا وأبي خليل القباني
تتجلى ذروة الصراع في المسرحية من خلال المواجهة بين شخصيتين متناقضتين:
- سعيد الغبرا: يمثل التيار المحافظ الذي يرفض المسرح باعتباره “كفرًا وزندقة“، ويروج للإشاعات حوله، مستخدمًا الخطاب الديني كسلاح لرفض التغيير.
- أبو خليل القباني: يمثل الرؤية التحديثية للمسرح، حيث يسعى إلى خلق تجربة مسرحية أصيلة تستلهم التراث دون أن تكون مجرد تكرار له.
ويتجلى هذا الصراع بوضوح في الحوار الذي يدور بين القباني وأحد الممثلين:
- إسكندر: هل أبحث عن رواية أعربها؟
- القباني: لا، “دعنا من التعريب” لدينا تراث غني بالقصص والأمثال، فلماذا لا نستلهم منه أعمالنا؟
هنا يكمن جوهر الرؤية المسرحية للقباني، فهو لا يرفض الغرب، لكنه يؤمن بضرورة أن يكون المسرح العربي متجذرًا في بيئته، مستندًا إلى تاريخه وهويته الخاصة.
وعلى سبيل الختم، تُقدّم مسرحية “سهرة مع أبي خليل القباني“ لسعد الله ونوس رؤية نقدية مزدوجة: فهي لا تكتفي بسرد سيرة القباني، بل تطرح أسئلة أعمق حول واقع المسرح العربي، وتحدياته بين التقليد والتجديد، كما أنها تكشف عن ديناميكية التفاعل بين النص والعرض، بين التاريخ والتخييل، وبين الجمهور والمسرح أو ما يسمى حديثا بالجدار الرابع.
وفي النهاية، فإن النداء الذي يتردد في المسرحية، “من يدخل مسرحنا ينعم، ومن يتردد يندم“، ليس مجرد جملة عابرة، بل هو دعوة مفتوحة للجمهور العربي لإعادة النظر في دوره كمتلقٍ، ولمساءلة العلاقة بين المسرح والواقع، بين الفن والمجتمع، وبين الحلم والحقيقة.
جزء من الهوامش الأساس:
- سعد الله ونوس، سهرة مع أبي خليل القباني. دار الآداب، بيروت، 2004.
- حسن الناجي، المسرح العربي بين التراث والتحديث. دار الفكر العربي، القاهرة، 2010.
- Wanas, Saadallah. An Evening with Abu Khalil Al-Qabbani. Dar Al-Adab, Beirut, 2004.
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي