الرئيسية / الأعداد / ملامح السارد والمهمشين في “منسيون”-  ابراهيم البوعبدلاوي

ملامح السارد والمهمشين في “منسيون”-  ابراهيم البوعبدلاوي

ملامح السارد والمهمشين في “منسيون”[1]

 ابراهيم البوعبدلاوي

            مقدّمة:

يمسك القارئ نص “منسيون”، تستوقفه أشياء كثيرة، تجول في ذهنه أسئلة عديدة: هل نحن أمام سيرة ذاتية؟ هل السارد يحكي جزءا من حياته؟ ما الفائدة التي سأجنيها أنا -القارئ الصغير- من قراءة هذا النص؟ ما ملامح ساردها وبقية الشخصيات التي تؤثثها؟

  1. ملامح السارد في “منسيون”:

يبني كل سارد لنفسه ملامح في ذهن القارئ انطلاقا من السرد، يقدم معطيات نفسية واجتماعية وثقافية عنه وعن المحيط الذي يدور فيه. يقدم السارد في “منسيون” تصوّرا للقارئ حول طبيعته انطلاقا من القصة الأولى المعنونة ب “تذكرة نحو المجهول”. فما خصائص السارد فيها، وفي غيرها من قصص المجموعة؟

  • شخص لا يقبل وضعيته: نرى ذلك حين حاول اقتناء تذكرة السفر، حيث ضاعف موظف شباك التذاكر تذكرة السفر. فلم يرقه الأمر، وعبّر عن ذلك بتمتمات؛ وذلك أضعف الإيمان.
  • شاب يبحث عن الأمل: نجد وضعية السارد الاجتماعية وضعية هشة، بسيطة؛ هو ينحدر من أسرة فقيرة، لكنه يبحث عن خيط أمل يخرج به من عتمته. يتجلى ذلك من خلال سفره من مكان إلى آخر. السفر بحث عن وضعية أفضل، بحث عن فضاء أرحب ووضعية أحسن من الوضعية التي يكون عليها الإنسان.
  • يحس بمعاناة البسطاء: نرى ساردنا في القصة الثانية، وفي جميع قصصه، بسيطا؛ وهذا الأمر ولّد لديه إحساسا بالحنو والرحمة على البسطاء. هو يعلم أن الحياة قاسية، ولذلك عليه أن يعين الآخرين ما استطاع. لهذا نراه لا يتوانى عن تقديم المساعدة للطفل بائع الحلوى الذي سرق منه “العواويل” حلويين من حلوياته التي كان يبيعها على جنبات الشاطئ.

  1. ملامح المهمشين في “منسيون”:

يعدّ السارد واحدا من المهمشين، يسعى لرسم صورة عن وضعيته ووضعية باقي المهمشين الذين يحكي عنهم. إن السارد يستحضر في حكيه صورا عديدة لهؤلاء المهمشين، من ذلك:

  • الطفل: لا يركّز ساردنا على شخصيات الشباب والكهول وغيرهم، وإنما استحضر صورة الطفولة. إن الطفل في قصة “طفولة في الظلام” شخصية بئيسة، تبيع الحلوى على جنبات الشاطئ، تُستغلّ استغلالا بشعا من قبل الأسرة. إن هذا الطفل نموذج مصغّر لعالم الطفولة في الهامش؛ حيث يعيش أغلب الأطفال أوضاعا مزرية. إن مآل هذا الطفل في القصة غامض، وكذلك مآل بقية أطفال الهامش الذي يحكي عنه.
  • الشاب: يمثّل السارد نموذجا للشباب المنطلق من الهامش؛ إنه يسعى لأن يجد لنفسه مكانا في المركز؛ كيف سيحصل على ذلك؟ لقد اتّخذ من الترحال ومن السفر وسيلة لذلك، فهو انتقل من الفضاء المغلق الخاص به إلى مكان آخر هو مرتيل.. وهذا الانتقال هو محاولة لتغيير العديد من الأشياء السلبية التي يعيش في ظلّها. ومع ذلك، فهو لا يلاحظ إلا الهامشيين.
  • المرأة العجوز: لم تسلم شخصية من شخصيات المجموعة القصصية من قسوة الزمن وبطشه؛ فإذا كان الطفل عانى وهو لا يزال صبيا، وعانى الشاب السارد حتى فضّل الهجرة من مسقط رأسه إلى شمال المغرب، فإن الشيوخ والعجائز لم يسلموا أيضا من بؤسهم. يحكي سارد قصة “رسالة متأخرة” عن شخصية “مّي رابحة”؛ عجوز طاعنة في السن، تبحث هي الأخرى عن الأمل؛ وبعد أن يجده لها الآخرون تكون قد فارقت الحياة. كانت تمنّي النفس بأن تحصل على الدعم الذي تقدمه الدولة للفقراء؛ هي من الأرامل أو من اللائي لم يتزوجن أبدا؛ لذلك كانت تنتظر أي خيط أمل.. وحين وجده عبد العلي لها كانت قد غادرت هذه الدنيا.. والحقيقة أن هذه القصة أقسى ما يمكن قراءته، لأنها تقدّم صورة عن وضعية المرأة في بلدنا.

خاتمة:

نحن أمام مجموعة قصصية، كل قصة ترمي بك في قصة أخرى، لكن دون أن تكون أي واحدة مستقلة عن الأخريات؛ إن كلّ هاته القصص ترتبط فيما بينها بروابط عديدة، من بينها الانطلاق من فضاء الهامش، والتعبير عن معاناة الإنسان في هذا الهامش.. لكنّ هناك خيوط أمل كثيرة وسط ذلك.. وأنتم الأمل.

[1] – أصل هذه الورقة الموجزة مداخلة تربوية قدّمت يوم السبت 15 فبراير 2025 بالثانوية الإعدادية أبي سليم العياشي بالريش- إقليم ميدلت، في إطار لقاء تربوي لدراسة المجموعة القصصية “منسيون” للقاص المغربي محمد أزرار. المجموعة القصصية صادرة عن دار بصمة للطباعة والنشر سنة 2023.

 

الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين- درعة تافيلالت المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

حلاق قريتي – عمر ايت سعيد

عمر أيت سعيد*   يبدأ الجمال حين يستقبلك الحلّاق الفنان في صالونه المتواضع بابتسامته الرقيقة …

اترك تعليقاً