الرئيسية / ابداعات / التوازن في الحياة – زكريا الحميري

التوازن في الحياة – زكريا الحميري

التوازن في الحياة

زكريا الحميري

 

يُقال: “كانت كزهرة متفتحة في أول شبابها، وكان كالورد في أول ربيع، وكان كالغصن الذي ينمو ويعلو.”

بهذه العبارات يتم وصف الشاب او البنت المتوفي في مقتبل العمر

  • نحوياً،

“كان” فعل ماضٍ ناقص ناسخ مبني على الفتح، يشير إلى الوجود في الزمن الماضي. لكنها تتعدى ذلك أحياناً لتدل على الصيرورة، أي التحول من حال إلى حال.

“رغم أنني قلما أكتب بصيغة الماضي”، “ونادراً” ما أبدأ مقالاتي بها، إلا أن الحكاية هنا ليست في “كان”، بل في تلك الكلمات الساحرة: الغصن، الزهرة، والورد. نعم، تلك الصور الأدبية الرائعة التي تدفعنا للتمعن والغوص في أعماق معانيها.

الغصن رمز اللين والمرونة، والزهرة والورد غنيان عن التعريف، إذ يرتبطان بالجمال والحياة. غالبًا ما يُستعملان لوصف ريعان الشباب، تلك المرحلة الذهبية التي تمتد بين الطفولة والنضج.

ومنها ما يسمى “سن المراهقة” تلك المرحلة الفاصلة بين الطفولة والنضج، تُعد من أكثر مراحل الحياة حساسيةً وتحولًا.

تبدأ أولى خطواتها عادةً بين عمر العاشرة والثانية عشرة، حيث يشهد الجسد بداية التغيرات البيولوجية، فتظهر علامات البلوغ المميزة؛ بما يعكس انتقال الإنسان نحو مرحلة جديدة.

ثم تأتي منتصف المراهقة، التي تمتد ما بين الثالثة عشرة والسابعة عشرة، وهي مرحلة يكتمل فيها النضج الجسدي بصورة ملحوظة. في هذه الفترة، تبرز التغيرات العاطفية والنفسية بشكل أعمق، حيث يبحث المراهق عن هويته الخاصة ويبدأ في اتخاذ خطوات أولية نحو الاستقلالية، ما يجعلها فترة غنية بالتحديات والتحولات.

وأخيرًا تاتي نهاية المراهقة، التي تتراوح بين الثامنة عشرة والواحدة والعشرين، وتُعد بوابة العبورم إلى الرشد الحقيقي. هنا، يكتمل النضج النفسي والاجتماعي، ويبدأ الشاب أو الشابة في تحمل مسؤوليات أكبر، بينما تتبلور معالم الشخصية الناضجة التي تهيئه للانخراط الكامل في المجتمع.

إنها رحلة متداخلة بين التغيرات الجسدية، والنمو العاطفي، والتحديات النفسية، التي تجعل من المراهقة مرحلة لا تُنسى، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه ملامح الحياة المستقبلية.

لكل شخص مراحل في الحياة ولكل مرحة ذكرى ولي من الذكريات مالا يكفي أن تحكى أتذكر في كل مرة أشاهد فيه ورد موقف من المستحيل أن أنساه نعم إنها ذاكرة الطفولة “كالنقش في الحجر فعلا” يا لها من ذكرى جميلة.

ذات مساء ربيعي، بعد يوم ممطرٍ، كنتُ في حديقة منزلنا الريفي. الجو بارد، ورائحة التراب تعبق المكان. تجلس والدتي بقربي، تحمل مزهرية فيها زهرة دوار الشمس. نظرت إليّ بحب وقالت:

“يا ولدي، هذه الزهرة أمانة بين يديك. هل تستطيع أن تحافظ عليها؟”

أجبت بحماس: “نعم يا أمي، سأرعاها وأغمرها بالماء لتكبر سريعًا!”

ابتسمت وقالت: “يا بني، الحفاظ على الزهرة لا يعني إغراقها بالماء، ولا يعني حبسها بلا هواء. الزهرة تحتاج إلى التوازن: ماء يكفيها، ضوء يغذيها، وهواء يُبقيها حيّة. وإن لمستها كثيرًا، تسقط أوراقها، وتذبل جمالها. الزهرة مثل الإنسان، تحتاج إلى رعاية متزنة. كما أن الزهرة تذبل إن قُطفت، فالإنسان يضعف إن أُرهق أو فُقدت منه الحياة

يا إبني، كما أن الزهرة لا تليق إلا بالتربة التي تحميها، كذلك نفسك لا تليق إلا بالكرامة التي تحفظها. إن سلّمتَ زهرتك لمن لا يعرف قيمتها، فسيتلاعب بها كأنها لعبة رخيصة، وسرعان ما يملّها ويرميها، فتذبل وتموت. الزهرة، يا ولدي، إن فقدت بريقها، فقدت الحياة، وهكذا النفس إذا أُهملت أو أُعطيت لمن لا يستحق.

علينا أن نفهم، يا ابني، أن الصداقة الحقيقية هي تلك التي تبنى على الصدق والنقاء، لا على المصالح الزائفة ولا على أهواء النفس العابرة. صداقة المصلحة والحب المبني على الشهوة ما هي إلا وهم مؤقت، يشبه النار التي تحرق كل شيء حولها، ثم تخمد تاركة وراءها رمادًا وندمًا. ستجد أن من يركض خلف شهواته وملذاته ، لا يحصد إلا الخيبة، ومن يسلم نفسه لأهواء الآخرين، لا يملك ذاته يومًا.

تذكّر، يا ولدي، أن الحفاظ على نفسك هو الحفاظ على أسرتك ولعائلتك، وسمعتك أنت انعكاس لنا، وصورتك هي امتداد لصورتنا. إن كنت لا ترضى أن تُمس سمعتنا بسوء، فلا تترك سلوكك عرضةً للرياح التي قد تعصف بك إلى حيث لا رجوع. كن مثل الزهرة التي تُحاط بعناية، فلا تُمس إلا بلطف ، ولا تُعطى إلا لمن له الحق فيها ويعرف قيمتها ويقدرها.

احفظ نفسك يا ابني، لأن من يحفظ نفسه، يحفظ قلبه، روحه، وأسرته. الزهرة التي تعيش في أرضها تنمو وتزهر، وتُعطي عبيرها للعالم، لكنها تموت إذا اقتُلعت. كذلك الإنسان، لا يُزهر إلا حين يحمي نفسه ويضع حدودًا تحميه من العواصف.

حينها، وأنا طفل صغير في عمر الزهور، لم أكن أفهم سوى السطح من حديث أمي. أجبتها بحماس طفولي:

“نعم يا أمي، سأرعى هذه الزهرة وأحميها من كل شيء! سأغمرها بالماء لتكبر بسرعة!”

كانت إجابتي تعكس براءتي وقلة إدراكي لما تعنيه كلماتها العميقة. لم أفهم أن الزهرة التي تحدثت عنها لم تكن فقط تلك التي تحملها بين يديها، بل كانت تمثلني، أنا، في عينيها.

أمي ابتسمت لي حينها وقالت كلمات لم أنسها حتى الآن:

“يا بني، الزهرة تحتاج إلى توازن، فلا تُغرقها بالماء فتذبل، ولا تتركها بلا عناية فتموت. وإن سلمتها ليدٍ لا تعرف قيمتها، ستعبث بها حتى تفقد جمالها وروحها. كن أنت الزهرة التي لا تمس إلا بلطف، وكن أنت من يحفظ نفسه كما يحفظها البستاني العاشق لحديقته.”

والآن، يا أمي، وقد مرت السنوات وأدركت معاني كلماتك، أقول لك:

لقد كنتِ على حق. حديثك عن الزهرة لم يكن عن النبات فقط، بل كان عني، عن قلبي وروحي. فهمت الآن أنكِ كنتِ تحاولين أن تعلميني أن أحمي نفسي، وأن لا أترك أحدًا يعبث بي أو يستغلني. لقد كنتِ تعلمينني أن الصداقة ليست مصلحة، وأن الحب ليس شهوة، وأن من يعطي نفسه لمن لا يقدره، يخسر نفسه في النهاية.

أدركت أن الحفاظ على نفسي يعني الحفاظ عليكِ، على سمعتك، على اسم العائلة الذي أحمله، لأنني امتداد لكِ. إذا أخطأت، فإن خطأي لن يخصني وحدي، بل سيمس قلبك وروحك. لقد أثرت كلماتك بي حتى الآن، أصبحت أرى الحياة بعيونك، أزن الأمور كما كنتِ تودين لي أن أفعل.

ذلك الحوار الذي دار بيننا في ذلك المساء الربيعي لم يكن مجرد حديث عابر. كان درسًا يتردد صداه في قلبي حتى يومي هذا. كل مرة أواجه موقفًا يجعلني أشعر بالتردد أو أفكر في التضحية بجزء من ذاتي، أستحضر كلماتك: “كن مثل الزهرة التي تُحاط بعناية.” أصبحت أكثر وعيًا بمن أسمح لهم بدخول حياتي، وأكثر إدراكًا لقيمة نفسي.

لقد علمتني يا أمي أنني أمانة، كما كنتِ ترينني زهرة حياتك. علّمتني أن الصداقة الحقيقية تُبنى على الصدق والاحترام، لا على المصلحة أو والاطماع والغايات. وعلّمتني أنني، كما الزهرة، أحتاج إلى التوازن، فلا أُغرق حياتي بالمبالغة ولا أتركها بلا عناية.

شكراً لكِ يا أمي، لأنكِ كنتِ البستانية التي علمتني أن أكون زهرة لا تُمس إلا بحب واحترام.

قاص من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

عُزْلَةُ الرُّؤْيَا – عبد الرحمان احمو

عبد الرحمان احمو*   (كلما مرت السنوات انخفض عدد الذين نستطيع التفاهم معهم ، ربما …

اترك تعليقاً